الولايات المتحدة والأزمة السورية: الكثير من الكلام والقليل من الفعل

الثلاثاء 2013/12/17
الولايات المتحدة في طريقها لإعلان التخلي عن طموحات الشعب السوري

لندن- أثبتت مواقف الإدارة الأميركية المتذبذبة في تعاملها مع الأزمة السورية، و ترددها في اتخاذ قرارات حاسمة تجاه نظام الأسد، الذي تجاوز قمعه للانتفاضة الشعبية في سوريا كل الحدود بعد استخدامه للأسلحة الكيميائية ضد المدنيين، أنها تبحث عن حلول تضمن مصالحها وحماية أمنها القومي خاصة بعد استنزاف قواتها العسكرية في أفغانستان وفشلها في العراق.

اتسم موقف الولايات المتحدة من الأزمة السورية، منذ الأيام الأولى للثورة وحتى انزلاقها إلى حرب مدمرة على مرأى من العالم، بالتردد حيناً واللامبالات حيناً آخر، ولم يكن الدمار وتصاعد مآسي السوريين وارتفاع الخسائر البشرية والمادية للحرب سوى ورقة سياسية لها في المنطقة.


خمس مراحل


مر الموقف الأميركي تجاه الأزمة السورية بخمس مراحل مفصلية، بدأت أولى تلك المراحل منذ بداية الثورة في آذار/ مارس 2011، واستمرت نحو ستة أشهر، وفي تلك المرحلة المبكرة من الثورة كان الموقف الأميركي يميل تجاه دمشق لترجيح كفة النظام، ولم تكن الخسائر البشرية الكبيرة التي تسبب فيها النظام السوري تمثل للولايات المتحدة شيئاً، وأكثر ما فعلته أنها تمنت أن تخفف القيادة العسكرية السورية من دموية حلها الأمني، ودعت الأسد إلى قيادة إصلاح يعيد سيطرته على السلطة ويلجم الثورة ويفتح نافذة على الديمقراطية، وبالرغم من الوصف القوي من قبل البيت الأبيض للفظائع التي ارتكبها الأسد، إلا أن الموقف لم يتعد ديناميكية الكلام، إذ صرح الرئيس أوباما خلال هذه المرحلة بأن على الأسد “أن يقود انتقالاً إلى الديمقراطية أو أن يفسح الطريق”، وفي هذه المرحلة بات واضحاً أن الثورات العربية ليست متساوية لدى صنّاع السياسة الأميركية، خاصة بالمقارنة مع وضوح موقف الولايات المتحدة وسرعته تجاه الرئيس المصري حسني مبارك والليبي معمر القذافي.

انتقلت الولايات المتحدة مرغمة إلى مرحلة جديدة في طريقة تعاطيها مع النظام السوري بعد رفض الأسد إجراء أية إصلاحات مباشرة وملموسة، ورفضه أيضاً تقديم أية تنازلات لشعبه لشعوره بأن أي تنازل مهما كان صغيراً سيكون بداية النهاية لنظامه، وكذلك بعد ارتفاع عدد الضحايا المدنيين ليصبح بالآلاف، وتوسع رقعة الثورة من مدينة واحدة إلى كل أنحاء سوريا، ووصول الولايات المتحدة إلى قناعة بأن الأمور ستخرج من يد الأسد ومن أيديهم.

استمرت المرحلة الثانية نحو ستة أشهر، وامتدت لتشمل الأشهر الأولى من عام 2012، توقفت خلالها الإدارة الأميركية عن مطالبتها النظام السوري بإجراء إصلاحات، وبدأت تحمّل الأسد شخصياً المسؤولية عن قتل السوريين، وحمّلته مع جزء من النظام أيضا مسؤولية تدهور الأوضاع في سوريا ودخولها في صراع مسلح لم تبد نهايته قريبة في ذلك الوقت، وبدأت تدعو القيادة العليا إلى التنحي طوعاً.

رغب الأميركيون في تغيير القيادة فقط دون الإضرار بالبنية الأساسية للنظام، أي التركيبة الأمنية والعسكرية له، ومؤسسات الدولة وأجهزتها السياسية والاقتصادية، كما بدأت الإدارة الأميركية رحلة الضغط والعقوبات على أفراد من النظام، تمثلت في حصار سياسي وعقوبات اقتصادية من أجل إضعاف ترابط شخوص النظام وتسهيل اختراق بعضها، لكن التركيبة الأمنية جعلت من نظام الأسد على ما يبدو كيانا أعقد من أن يتم اختراقه، وفي تلك الفترة كانت نقاط التظاهر قاربت الألف في بعض الأيام، وبدأ العمل العسكري الثوري ونما بصورة متسارعة، وانتشرت بسرعة الكتائب الثورية المسلحة في كل أنحاء سوريا، ما دفع الأميركيين إلى الانتقال إلى مرحلة أخرى.

الولايات المتحدة قررت في هذه المرحلة استنزاف الجميع، النظام والمعارضة وإيران وحزب الله


حرب استنزاف


قررت الولايات المتحدة في هذه المرحلة استنزاف الجميع، النظام والمعارضة وإيران وحزب الله وغيرهم، وهذا يقتضي أن تستمر الثورة دون أن تنتصر، وأن يستمر النظام بقوته دون أن يُهزم، وفي سبيل ذلك منع الأميركيون وصول السلاح الفعال إلى أيدي الثوار ولم يسمحوا لتدفق الأسلحة من دول عربية إلا بشكل محسوب وموزون، ومنحوا النظام فرصة للاستمرار وعدم الانهيار من خلال إطلاق مبادرات سياسية عربية ودولية لم يُكتب لأي منها النجاح حتى ولو جزئياً، وغضوا الطرف عن قصف المدن بالأسلحة الثقيلة، وأعلنوا أن الخط الأحمر هو السلاح الكيميائي فقط، وعملوا في نفس الوقت على دراسة البديل المحتمل وتحضيره من خلال دعم المعارضة السياسية والعسكرية وبعض قوى الثورة على الأرض، ولم يجدوا ضالتهم في أي من هذه الأجسام.

المرحلة الرابعة في مواقف الولايات المتحدة استمرت منذ مطلع العام الجاري حتى أيلول/ سبتمبر الماضي، من خلال دعمها لمشروع بديل، كان أقرب إلى جراحة تجميلية، عن طريق مشاركة جزء من النظام مع جزء من المعارضة في حكم سوريا، وتشكيل ملامح نظام جديد يضمن مصالحها، لأن النظام الحالي وحده لم يعد قادراً على تقديم أية ضمانات حقيقية تجاه تلك المصالح، ولأن المعارضة كذلك لم ترتق إلى المستوى الكافي للاعتماد عليها وحدها، وفي هذه المرحلة ظهر إعلان جنيف الأول وفكرة مؤتمر جنيف الثاني، لكن كيميائي النظام السوري نقل الأميركيين إلى المرحلة الخامسة.

استخدم النظام السوري خلال هذه المرحلة السلاح الكيميائي، واخترق الخط الأحمر الأميركي، لكن هذا الاختراق لم يدفع الولايات المتحدة إلى الإعلان عن أنها ستسقطه، وكان أقصى إجراء اتخذته أنها هددت بأن تقوم بقصف جوي على مراكز حساسة للنظام، وقالتها صراحة إنها تريد إضعافه ولا ترغب في الوصول بأي عمل عسكري إلى مرحلة إسقاطه، لكن هذا الملف كان نقطة فاصلة في تسلسل المواقف الأميركية.

فبين ليلة وضحاها، ودون الرجوع إلى البرلمان أو الحكومة أو الشعب كما تقتضي الدساتير والقوانين في كل دول العالم، أعلن الرئيس السوري أنه سيحقق واحداً من أهم المطالب الأميركية- الإسرائيلية، وقال إنه وافق على تدمير أسلحته الكيميائية كلها ودفعة واحدة وبإشراف ومراقبة دوليين، وهذا الأمر لاقى ترحيباً واسعاً من الإدارة الأميركية التي توقفت عن المطالبة بإسقاط النظام وبدأت تضغط على المعارضة السورية للقبول بحل وسط، وذهبت أبعد من ذلك بأن قررت تسليم روسيا الملف السوري لتنهيه بطريقة تضمن الحد الأدنى من مطالب النظام ورغباته.

دعم لفظي


الموقف الأميركي تجاه تطورات الأوضاع في سوريا كان متقلباً ومتردداً وغامضاً في الكثير من الأحيان، لكنه لم يكن إلى جانب الثورة السورية بشكل واضح في يوم ما، وكل ما قدّمته الولايات المتحدة هو مساعدات سياسية وكلامية ولفظية، وبعض مساعدات عسكرية “غير فتاكة” تتراوح بين نظارات مقربة وبزات عسكرية مضادة للرصاص وبعض الأجهزة للأغراض الإعلامية، فيما كان حلفاء النظام السوري وخاصة روسيا وإيران يقدّمون للنظام السوري أسلحة وأموالاً وخبراء واستشارات ودعما سياسيا واستراتيجيا دون أي سقف.

لم يُفد وضع الإدارة الأميركية “جبهة النصرة” على قائمة الإرهاب المعارضة السورية، بل أدى إلى شق صفوف الكتائب الثورية المسلحة، بين فريق مع واشنطن وآخر ضدها، وأدى إلى اصطفاف المعارضة المسلحة الإسلامية ككل في جانب، وغير الإسلامية في جانب آخر، وكانت جبهة النصرة، في الوقت الذي أعلنت فيه أميركا اعتبارها إرهابية، من أكثر الفصائل المسلحة قوة وشراسة في معاداة النظام السوري، وشددت في أكثر من بيان لها على أنه لا علاقة لها بأية ساحة غير الساحة السورية، وأنها مختصة في الشأن السوري فقط، بينما لم تُعلن عداءها للولايات المتحدة، وهو مبرر لاصطفاف العديد من الكتائب الثورية المسلحة إلى جانبها، وهذا الأمر فسح المجال أمام القوى المتطرفة للتغلغل في سوريا وتشويه التركيبة المسلحة للثورة.


تضامن أم مصلحة


لم يكن موقف الثورة السورية من الولايات المتحدة يشغل موقعاً متقدماً في اهتمامها، فهي منذ انطلاقها كانت ضد النظام وحده وممارساته وقمعه وفساده، ولم يكن لها أي أعداء آخرين، ولم تشهد الثورة حرق أعلام أميركية أو هتافات ضد “الشيطان الأكبر”، حتى روسيا التي ساهمت في بقاء النظام وعدم سقوطه لم تقم الثورة السورية بتنظيم أنشطة تتطرق إليها، على الرغم من وجود آلاف الخبراء الروس والمصالح الروسية في سوريا، فيما كان الدعم المعنوي الأميركي للناشطين والمتظاهرين موضع ترحيب من المنتفضين، ونزع صفة الخصم في عين جمهور الثورة الذي أتخمته القيادة السورية بخطاباتها عبر عقود بأنه عدو رئيسي.

لكن الكثير من السياسيين والمعارضين السوريين المخضرمين لم تمرّ عليهم هذه الحركات غير واضحة الأهداف، وتنبّهوا إلى ضرورة عدم فهم هذه المبادرات على أنها تحوّل جذري في موقف الولايات المتحدة وسياساتها، وحذّروا منذ بداية الثورة من أن الإدارة الأميركية كقوة عظمى تضع سياساتها وتصيغ مواقفها حسب مصالحها، ولا تعير اهتماماً لمواقف أقرب حلفائها إذا تعارضت مع هذه الحقيقة، وبالفعل، فإن كل ما أقدمت عليه واشنطن منذ انطلاق الثورة لم يكن بحجم تطلعات السوريين وعدد كبير من الدول الإقليمية والغربية المؤيدة لإسقاط النظام السوري، بل اكتفت بالتأرجح بين إعلان المزيد من الضغوط والعقوبات التي لم تؤثر على النظام السوري إلا ضمن حدود ضيقة، وبين الدعم اللفظي للشعب السوري والتغني بشجاعته مصحوباً بتصريحات وإدانات حادة للقمع لا تربك النظام ولا تخيفه.

استخدم الأسد السلاح الكيميائي، واخترق الخط الأحمر، لكن هذا الاختراق لم يدفع الولايات المتحدة إلى الإعلان عن أنها ستسقطه


أسباب التردد


أربعة أسباب تُفسر تردد واشنطن وإحجامها طوال سنتين ونصف السنة عن الدخول بقوة على خط الثورة السورية، أولها حساباتها الداخلية المتعلقة بالرأي العام الأميركي الذي عايش حرب العراق وأفغانستان والذي أصبح ضد تفعيل الدور الخارجي لأميركا على حساب حل المشكلات الداخلية، كما أن الانتخابات والأزمة المالية أثّرتا على القرار الأميركي بشأن سوريا.

وثاني الأسباب تتعلق بمصلحة إسرائيل، الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة، والتي تؤثر بقوة على القرار الأميركي خاصة في ما يتعلق بالوضع الأمني لبلد يجاورها وتحتل جزءاً من أرضه وتريد استمرار هدوء الجبهة معه كما كانت خلال عقود. ولا يخفى أن أمن إسرائيل هو حجر الزاوية للسياسة الاميركية في الشرق الأوسط، وأن النظام السوري استطاع حفظ هذا الأمن لسنوات.

أما السبب الثالث فهو وضع سوريا الجيواستراتيجي وارتباطاتها الخارجية وتحالفاتها الإقليمية المناهضة للسياسة الأميركية، وعدم رغبة الولايات المتحدة في فتح معركة طويلة ومعقدة مع أطراف محور يضم إيران والعراق ولبنان، وهو ما سيكلفها خسائر مادية يصعب تعويضها من بلد فقير بثروته النفطية كسوريا. أما السبب الرابع والأخير فهو الخوف من بديل النظام السوري إذا ما سقط، ووزن الإسلاميين عموماً والمتشددين منهم خصوصاً في السلطة المقبلة وموقفهم من الدولة المدنية.

يرى الكثير من السوريين أن السياسة الأميركية وجدت في انتفاضة الشعب السوري فرصة لتحقيق أهداف ثلاثة رئيسة وهي: المساهمة في إيجاد الظروف المناسبة ليدمر السوريون بلدهم، ونزع السلاح الكيميائي السوري، ومنع تسلح إيران بالسلاح النووي.

لقد حققت السياسة الأميركية أهدافها الرئيسة الثلاثة السابقة أو على وشك تحقيقها، وقضت وطراً مما يجري في سوريا، ولم يعد يهمها في شيء حاضر الشعب السوري ومستقبله، ويبدو أنها على استعداد للتحالف مع النظام السوري القائم تحالفاً بين طامع ومستبد.

7