الولايات المتحدة وكوبا وإيران تقارب لا يُلغي العداء

الجمعة 2015/01/16
تقارب واشنطن وهافانا و"الاتفاق" مع طهران لا يعني أن أوباما لا يرغب

واشنطن – في رؤية انهيار نظام المرشد الأعلى مثلما يفيده سقوط النظام الكوبي قبل وصوله إلى البيت الأبيض عام 2009، وعد باراك أوباما بأنه سيتواصل مع أعداء الولايات المتحدة، وبالأخصّ كوبا وإيران. وفي خضم أزمات ولايته الثانية، يبدو أن الرئيس الأميركي نجح في تنفيذ جزء مهم من هذا الوعد، بأن أنهى سنة 2014 بتطبيع العلاقات مع كوبا، بعد قطيعة خمسين سنة، في خطوة قال خبراء يجب اعتبارها علامة واضحة على الهدف الذي يسعى إليه أوباما في ما يخص إيران في الأشهر المقبلة، وإن شكّكوا في إمكانية تحقيق هذا "الانجاز".

تمرّ الساحة السياسية الأميركية بإحدى أكثر الفترات انقساما في تاريخها، وفق سامانتا باور، المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة.

هذا الانقسام مردّه اختلافات وجهات النظر في التعاطي مع أكثر المجالات المتنازع عليها بحدة اليوم، بين صنّاع القرار الأميركي في البيت الأبيض والكونغرس، وهي السياسة تجاه كوبا والمحادثات النووية الإيرانية.

وقالت سامنتا باور، في خطاب ألقته في جامعة لويفيل بولاية كنتاكي، إن المناظرات السياسية داخل الولايات المتحدة توضّح في حد ذاتها مدى الأهمية التي يوليها الأميركيون إزاء هاتين القضيتين. وتمحور هذه الاختلافات حول الاستراتيجيات الأكثر فعالية في السياسة الخارجية الأميركية سواء في ما يتعلّق بتعزيز حقوق الإنسان في كوبا أو محاولة منع إيران من الحصول على المواد الانشطارية لصنع قنبلة نووية تحمل في طياتها أعلى أنواع الرهانات.

في ما يتعلق بكوبا، قالت المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة، إن تطبيع العلاقات بين واشنطن وهافانا يهدف إلى إتاحة تحقيق تفاعلات أكبر بين الأميركيين والكوبيين، وإلى توسيع مجالات الفرص المتاحة لأفراد الشعب الكوبي في التمكن من تحديد شكل مستقبلهم بأنفسهم.

مصالح الولايات المتحدة مع كوبا من جهة ومصالحها مع إيران من جهة أخرى لاتزال وستبقى غير قابلة للتوافق

ولفتت السفيرة إلى أن هذا التغيير في السياسة من شأنه أن “يحرم أيضا الحكومات القمعية في المنطقة من القدرة على مواصلة استخدام سياستنا تجاه كوبا باستخفاف لصرف الانتباه عن انتهاكاتها، مثل الإجراءات الصارمة لحكومة الإكوادور ضد الصحافة أو سجن زعماء المعارضة الرئيسيين في فنزويلا”.

وبالنسبة للخلافات الداخلية في الولايات المتحدة حول أفضل الأساليب لكبح طموحات إيران النووية، أوضحت باور أن هناك “إجماعا واضحا بين الجمهوريين والديمقراطيين على أنه لا يجب السماح لإيران بالحصول على سلاح نووي، لأن إيران المسلحة نوويا تهدد إسرائيل، وخطر وقوع الأسلحة النووية في أيدي الإرهابيين سيقوض بشكل خطير نظام حظر الانتشار النووي العالمي”.

يتفق المسؤولون الأميركيون على أن العقوبات قد لعبت دورا حاسما في عزل إيران وجلب الحكومة الإيرانية إلى طاولة المفاوضات للعمل في سبيل خطة شاملة تهدف إلى منع إيران من امتلاك سلاح نووي. وفرض هذه العقوبات بقوة هو أيضا ما يساعد على إبقاء إيران على طاولة المفاوضات.

على غرار السياسيين وصنّاع القرار في واشنطن، لا يفصل الخبراء والمحلّلون الاستراتيجيون بين عودة العلاقات الأميركية الكوبية وبين المحادثات الأميركية الإيرانية بخصوص الاتفاق حول النووي الإيراني.

ويخلص كثيرون إلى أن هناك تقاربا شديدا بين الملفّين، وأن الإعلان عن عودة العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وهافانا قد يوحي للبعض بإمكانية تحقيق اتفاق فعلي بين طهران وواشنطن، فهل يمكن أن ينتهي العداء بين واشنطن وهافانا وطهران .

الباحث الفرنسي تيري ميسان يرى في تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين الخصمين التاريخيين، واشنطن وهافانا، يأتي كتمهيد لاحتمال عودة العلاقات بـين واشنـطن وطـهران.

لكن هذا لا يعني، وفق ميسان، أن الولايات المتحدة قد تخلت عن طموحاتها الامبريالية، كما لا يعني أن إيران وكوبا تخلّتا عن “مثلهما الثورية”.

واشنطن تفتح صفحة جديدة مع هافانا فهل تكون طهران المحطة التالية

لكن يمكن اعتبار إرساء علاقة دبلوماسية مباشرة بين واشطن وهافانا، والتلميح بإمكانية التوصل إلى اتفاق بشأن النووي الإيراني اعتراف براغماتيّ من قبل واشنطن بعدم إمكانية هزم كوبا وإيران من خلال عزلهما دبلوماسيا أو شن حرب اقتصادية ضدهما. لكنه يعني أيضا أن واشنطن تستعد لنوع آخر من المواجهة معهما.

ويقول خبراء استراتيجيون إن الإيحاء بتقارب أميركي إيراني لا يعني أن واشنطن أوقفت ضغوطها على طهران، فأغلب العقوبات المفروضة بقيت على حالها، بل تضاعفت تداعياتها من خلال حرب أسعار النفط.

وقد يكون هذا وجه من أوجه المواجهة التي تحدّث عنها تيري ميسان، فقد فقدت إيران أكثر من 20 مليار دولار من موازنتها بسبب انخفاض أسعار النفط، الأمر الذي ربما يتسبب في تحجيم الدعم الذي تعطيه طهران لحلفائها في المنطقة من العراق وسوريا إلى اليمن.


ماذا يجمع بين كوبا وإيران؟

يصف آرون ديفيد ميلر، الخبير الأميركي في شؤون الشرق الأوسط، ضمن تحليل نشرته مجلة “فورين بوليسي”، فيه النظام في كلّ من كوبا وإيران بالنظام الاستبدادي.

وفي حين أن الاختلافات بين كوبا وإيران كبيرة فإن نقاط تشابه كثيرة تجمع بينهما أيضا؛ فكلاهما تدعيان الأيديولوجيات الثورية، وكلاهما لديهما علاقات متوترة مع الولايات المتحدة منذ حوالي نصف قرن. وفي كل بلد منهما شباب حريصون على التغيير. وكلل منهما مفروض عليها عقوبات أميركية.

أما النقطة المشتركة، التي يعتبرها ميلر الأهم بين هافانا وطهران، هي نظرة الرئيس الأميركي باراك أوباما لهما، وهي نظرة تختلف عن الرؤساء الأميركيين السابقين.

الرئيس الأميركي الـ44 يبدو مصمما على ترك إرث له يشمل تغيير مسار بعض أكثر العلاقات الشائكة في التاريخ الأميركي. ومن منطلق هذه القراءة يجب أخذ مبادرة أوباما تجاه كوبا كعلامة واضحة على الهدف الذي يسعى إليه الرئيس في ما يخص إيران في الأشهر المقبلة.

الرئيس الأميركي الـ44 يبدو مصمما على ترك إرث له يشمل تغيير مسار أكثر العلاقات الشائكة في تاريخ واشنطن

المواجهة الناعمة بين الولايات المتحدة وإيران من جهة وبينها وبين كوبا من جهة أخرى، ستكون، وفق تحليل ميلر، عبر سياسة التغيير من الأسفل. ويفسر ذلك موضّحا أن “الرئيس الأميركي يرغب دون شكّ، في رؤية انهيار الملالي ونظامه في إيران، مثلما يفيده سقوط النظام الكوبي”.

في ما يخص إيران، يشير ميلر، إلى أن التجربة بيّنت مدى صعوبة التخلّص من نظام المرشد الأعلى من خلال الضغط الخارجي؛ وحتى الدفع نحو الاحتقان الداخلي لم يأت أكله، والدليل الثورة الخضراء في إيران في يونيو 2009. أما بالنسبة إلى كوبا، فالوضع مختلف.

وأوباما يعلم أن التحول والتغير السريع غير ممكن، وهو يفترض أن الانفتاح الاقتصادي والثقافي للبلاد سوف يخلق مع مرور الوقت ضغوطا من أجل التغيير من الداخل. حيث أن الشعب الكوبي سوف يحصل على الفرصة للتعرف أكثر على طعم الحياة في العالم الخارجي، ومن ثم سيكون على استعداد للمطالبة بمزيد من الحريات وتوقع المزيد من قادته.

لكن يشكّك آرون ديفيد ميلر، في نجاح هذا المنطق، ويبرّر ذلك بأنه رغم انفتاح الولايات المتحدة على الصين وفيتنام، لا تزال هاتان الدولتان تخضعان لرقابة مشددة. ولكن، لا يزال هذا النهج هو نهج أوباما، ولا بد أنه سيطبقه على إيران أيضا.
راؤول كاسترو: لدينا الاستعداد لمناقشة خلافاتنا وحلها دون التخلي عن مبادئنا


هل تتحقق المصالحة؟

إذا كانت المبادرات الأميركية الصينية والأميركية الكوبية غير معقدة نسبيا، يرى آرون ديفيد ميلر أن العلاقات الأميركية الإيرانية أكثر تعقيدا، لأنها مرتبطة ارتباطا وثيقا بملفات كبرى في الشرق الأوسط، وأي اتفاق بين الطرفين سيحتاج إلى تنازلات كبرى.

ويصنّف ميلر الموقف الإسرائيلي من إيران على رأس المعوقات التي قد تحول دون توقيع اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بالإضافة إلى السلوك الإيراني المقلق تجاه من القضايا الإقليمية.

ويشكك جون هانا، مستشار الأمن القومي السابق، في حدوث انفراجة دبلوماسية في الجهود المبذولة لإنهاء البرنامج الإيراني النووي في عام 2015.

وفيما يعتبر الباحث الفرنسي تيري ميسان أن العقوبات أحادية الجانب التي اتخذتها واشنطن، لم تؤد الغرض منها، يدعو يموند تانتر، العضو سابق في مجلس الأمن القومي، السياسة الأميركية إلى أن تستفد من موقف تفاوضي قوي لمعاقبة “الأنظمة المارقة”، فالتجارب أثبتت أن إقامة العلاقات مع ”المتعدلين” في الأنظمة “الثورية” مثل النظام الإيرانـي والنظـام الكوبي “أمر سخيف”.

واستشهد تانتر على ذلك بقولتين استهلّ بهما تحليل له بعنوان “كيف لا نتفاوض مع أنظمة متمردة”، نشر في مجلة “فورين بوليسي”، الأولى للزعيم الكوبي فيديل كاسترو قال فيها: “أنا ماركسي لينيني وسأبقى كذلك إلى آخر يوم في حياتي” (يناير 1967).

والقولة الثانية التي استشهد بها هي لأخيه وخلفه في رئاسة كوبا راؤول كاسترو قال فيها: “الرفيق فيديل كاسترو قال: لدينا الاستعداد لمناقشة خلافاتنا وحلّها دون التخلّي عن مبادئنا” (ديسبمر 2014).

7