الولاية الخامسة تصيب الدولة الجزائرية بالشلل

خلافة بوتفليقة تدفع الإسلاميين إلى عرض "التوافق" مع الجيش، وضبابية المشهد تهدد بعودة أصوليي العشرية السوداء.
الخميس 2018/07/26
لا جديد

الجزائر – في كل مرة يبلغ فيها الغضب الشعبي في الجزائر ذروته، يطل شبح العشرية السوداء ليخمد أي تصعيد. ويجزم الخبراء أن هذه الذكرى التي تمثل صراعا مسلحا دار بين النظام الجزائري وجماعات الإسلام السياسي، هي التي أنقذت الجزائر، وتحديدا النظام الحاكم، من زلزال الربيع العربي، الذي ضرب الدول الحدودية، ليبيا وتونس، وغيرهما من الدول العربية.

لكن، تشير التطورات الراهنة في المشهد الجزائري إلى أن تعنت الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة وتمسك الدائرة المحيطة به بأن يترشح لولاية رئاسية خامسة قد يساهمان في إعطاء الإسلاميين هدية ثمينة “للانتقام” واستقطاب الرأي العام في ظلّ الوضع السياسي والاجتماعي المحتقن، واستهلاك النظام لكل أساليبه القمعية وتهالك سياسته القائمة على الترويج لفكرة أنّ الأمن يأتي قبل الاقتصاد، فالاستقرار مثلما هو مرتبط بالأمن مرتبط أيضا بالوضع الاقتصادي والاجتماعي للسكان.

وصل عبدالعزيز بوتفليقة إلى سدة السلطة في الجزائر منتصف عام 1999، وأبرز إنجاز يحفظه له الجزائريون هو الخروج من مأزق العشرية السوداء ووضعه حدا لسفك الدماء على أيدي المتطرفين من خلال اتفاق السلم والمصالحة.

لكن بوتفليقة يجازف اليوم بنسف هذا الإنجاز، بل وبفتح الباب أمام عودة أصوليي العشرية السوداء وصعود الإسلاميين إلى السلطة بأي طريقة، حتى لو كان ذلك عبر وضع اليد في يد الجيش الذي ألغى نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 1991 في الجزائر والتي صعدت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بخطابها المتشدد.

ويقوي هذه الرؤية، لقاء الأمين العام للحزب الحاكم في الجزائر، جبهة التحرير الوطني، جمال ولد عباس برئيس حركة مجتمع السلم عبدالرزاق مقري، الذي شغل الناس مؤخرا بتقديمه مبادرة سياسية مفادها وجوب البحث عن رئيس توافقي يكون بديلا للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة بمساهمة ومساعدة السلطة العسكرية.

تعنت بوتفليقة وتمسك الدائرة المحيطة به بأن يترشح لولاية رئاسية خامسة يساهمان في إعطاء الإسلاميين هدية ثمينة

وأثار هذا المقترح جدلا واسعا، وطرح العديد من التساؤلات بشأن قبول ولد عباس لقاء مقري الذي هاجم بشدة عبر مبادرته أركان النظام الحالي القائم في الجزائر وخاصة من خلال اقتراحه دورا للجيش في إنجاحها.

ويذهب الكثير من المطلعين على الشأن السياسي الجزائري إلى التأكيد أن الوضع الراهن والصعب هو وليد استراتجية سياسية وظّفها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة منذ تمكنه من الاستحواذ على سلطة البلاد في عام 1999 وتحديدا باستغلاله الانقسامات التي شهدتها الأحزاب الإسلامية الرافضة في أدبياتها ومزاجها العام لكل ما يصدر عن المؤسسة العسكرية.

ورغم أنّ كل المؤشرات التي رافقت عجز بوتفليقة عن أداء أبسط مهامه الرئاسية، تؤكّد توجه الجزائر إلى شبح المجهول، إلا أن الكثير من المطلعين على المشهد السياسي في البلاد يجمعون على أن عائلة بوتفليقة، ومن خلف ذلك الحزب الحاكم، واصلت تنفيذ مخططها للإيقاع بالإسلاميين في فخها من خلال إقناع حركة الإخوان المسلمين، المتجسدة في حركة مجتمع السلم التي أسسها محفوظ نحناح، بالانضمام إليها لقيادة الجزائر.

ويعيد هذا المشهد الذي تعيش على وقعه الجزائر اليوم إلى الأذهان تلك الفترة التي صعد فيها عبدالعزيز بوتفليقة إلى السلطة، وتقارن بين صورته في تلك السنوات وصورته اليوم وهو على كرسي متحرك وشبه غائب عن الوعي بعد أن تعرض لسكتة دماغية سنة 2013 أضعفت قدرته على التحرك والحديث، وجعلت ظهوره العام نادرا.

ويقول مراقبون إن حركة مجتمع السلم شعرت بضعف الدولة وتقهقر السلطات المركزية فوجّهت أنظارها إلى افتكاك السلطة بمغازلة المؤسسة العسكرية التي تدرك أن البلاد سائرة نحو أزمة قد تعيد ترتيب النظام السياسي بالجزائر القائم منذ عقود.

وتسيطر حركة مجتمع السلم على عدة مناصب وزارية هامة على غرار وزارة التجارة والنقل والمالية. ورغم عجزه الصحي فإن بوتفليقة مازال يراهن وفق كل الملاحظين على “خبثه السياسي”، والتسلح بكل الوسائل على غرار تكليف نشطاء حركة مجتمع السلم بمهام معقدة من شأنها أن تغرقهم في ما بعد في فضائح مالية متعلقة بالفساد. ولعل أبرز دليل على ذلك، عملية الاختلاس التي تورط فيها الوزير عمار غول والتي جاءت على خلفية تشييد الطريق السيارة شرق – غرب.

وخلق المشهد السياسي المشلول في الجزائر حالة من الاضطراب في صفوف أسلاف محفوظ نحناح وأسلاف عباسي مدني الذي ترأس الجبهة الإسلامية للإنقاذ بين سنة 1989 وسنة 1992، بعد أن نجح بوتفليقة في عزل مؤسس حركة النهضة الإسلامية في الجزائر عبدالله جاب الله، وهو ما يجعل حركة مجتمع السلم قد تقبل بأي تضحية من أجل استعادة “فوزها”.

وتشير التطورات المتسارعة في الجزائر قبل أقل من عام على إجراء الانتخابات الرئاسية إلى أن الإسلاميين مجبرون على السير في طريق سياسي مليء بالألغام بعد أن ظنوا أن بوتفليقة سيكون بمثابة محطة انطلاقهم نحو السلطة، ليكتشفوا أنه كان نقطة نهايتهم ما دفعهم إلى التمرّد عليه سياسيا بمغازلة المؤسسة العسكرية.

Thumbnail

ويراهن الإسلاميون على كسر شوكة بوتفليقة رغم وجود إجماع على عجزه عن إدارة شؤون البلاد منذ سنوات، من خلال توظيف ما يسمونه خفايا وأسرار الأنشطة التجارية والاقتصادية المشبوهة لبعض رجال المال والأعمال المحسوبين إلى وقت قريب على السلطة.

ومن الأشخاص المتورطين في الفساد والذين تم توظيف ملفاتهم من قبل الإسلاميين مسؤولون كبار في الدولة كانوا تمكنوا من تكوين وفاق بين المال والسياسة للاستحواذ على مقدرات الاقتصاد الجزائري، رغم ظروف الأزمة الاقتصادية وسياسة التقشف المطبقة على الجزائريين منذ 2015.

ويستمر الإسلاميون في استغلال ملف رجل أعمال مقرب من السلطة، يشتبه في تورطه في تبييض الأموال، للضغط على بوتفليقة عبر تواتر الحديث عن تجاوزات واستعمال نفوذ في تحويل أموال بالعملة الصعبة والاستحواذ على صفقات حكومية.

ورغم غيابه عن المشهد السياسي الجزائري بسبب ظروفه الصحية، إلا أن بوتفليقة يبدو أنه أدرك خطر خطة الإسلاميين المراهنة على المؤسسة العسكرية بما يعني انتهاجهم نفس السلاح الذي مكنه من التفرّد بالحكم في البلاد.

وفي هذا الإطار غازل بدوره الرئيس الجزائري بوتفليقة، المؤسسة العسكرية عبر نعيه للعسكري أحمد بن شريف الذي فارق الحياة مؤخرا، مذكّرا بنضال “رجال نوفمبر (ذكرى اندلاع ثورة التحرير الجزائرية) الذين سطروا في تاريخها صفحات عز ومجد وفخار، إذ كان الفقيد يمثل جيلا كاملا بما ينطوي عليه الجيل من حب وإخلاص للوطن، ومن إقدام وشجاعة في ميادين النزال، ومن عزم وتصميم على بناء مجتمع آمن”.

ويراهن الكثير في الداخل الجزائري على معركة التغيير داخل الجهاز العسكري في الجزائر بعد أن انتهت سيطرة الفريق القايد صالح وجماعته، وذلك عقب إبعاد الجنرال محمد مدين أو التوفيق كما يحلو لأنصاره تسميته، وبعد حملة الإقالات الكبيرة التي شهدها قطاع الدفاع بناءً على توصيات الفريق القايد صالح، رأى الجزائريون أن موعد الخلاص من مهزلة الحكم في الجزائر قد اقتربت نهايته.

ويطرح الجزائريون باستمرار مؤخرا أسئلة من قبيل، متى ينهي الجيش أزمة تمترس بوتفليقة في الحكم وتجنّب غطرسة الإسلاميين.

كما يحضر سؤال لا متناه لدى الجزائريين، بشأن مدى تحمّل الجيش الجزائري مسؤولياته والتدخل لإنهاء حكم الرئيس “العاجز”، وهذا الطلب يجابه بالرفض القاطع من إدارة الجيش الجزائري، التي ردّت في أكثر من مرة بأنها ملتزمة فقط بمهامها الدستورية نائية بالنفس عما يجري من صراع داخل أروقة قصر المرادية رغم أنه يصب في صالح الإسلاميين.

6