الوهم شكل من أشكال تشوه الإحساس والإيمان بأمر خاطئ

العلم يساعدنا على الوصول إلى مفاهيم أكثر موضوعية ودقيقة للواقع.
الأربعاء 2019/08/28
ابتعاد عن الواقع

من وجهة نظر شخصية بحتة، يؤمن معظمنا بأن ما نراه هو الصحيح دائما وبأن معتقداتنا وطريقتنا في النظر للأمور لا يعلوها غبار، لكن الأمر ليس كذلك، فكم من الأشخاص لا يدركون بأن معتقدات معينة دائما ما تشدقوا وعاندوا المنطق بها هي مجرد أكاذيب لا ترقى حتى إلى مستوى الأوهام، وربما لا تتفق مع خلفية الشخص الثقافية والاجتماعية والعلمية. يأتي أحدهم فيقدم الأدلة التي تثبت خطأنا، لكننا ننكرها أو نتجاهلها في أحسن تقدير.

في تعريفهم للوهم، يرى متخصصون أنه شكل من أشكال تشوه الإحساس تجاه أشياء والإيمان القوي بأمر خاطئ ربما يكون غير موجود أو لا توجد أدلة أو قرائن على وجوده. الوهم؛ فكرة خاطئة تشغل حيزا كبيرا في عقل الإنسان وتحرّك وعيه باتجاه معين، حتى أنها قد تشوه طريقة إدراكه للأمور، فضلا عن ذلك فإن الوهم في العادة لا يتكئ على أي أساس منطقي أو عقلي وعلمي.

يحمل بعض المرضى العقليين أوهاما ذهانية وهي تتميز بغرابتها الشديدة وبعدها عن الواقع، ورغم ذلك، لا يمكننا في بعض الأحيان التمييز بين الأوهام والمعتقدات غير المنطقية التي تستند إلى أدلّة خاطئة.

وبدلا عن ذلك، ينظر الأطباء النفسيون إلى عوامل أخرى من الممكن أن تدعم تمسك شخص معين باعتقاد خاطئ حتى بعد أن تظهر أدلّة تدحضه؛ من ضمنها التحقق من مشاركة هذا المعتقد من قبل أشخاص آخرين في المحيط الاجتماعي والثقافي له، وما إذا كان هذا الاعتقاد يتسبب في ضعف في أداء الشخص وتغيير في روتين حياته اليومية مثل اضطرابات النوم.

ويؤكد الدكتور رالف لويس؛ أستاذ مساعد في قسم الطب النفسي في جامعة تورنتو وخبير استشاري في علم الأورام النفسي، أن المعتقدات غير العقلانية يمكن أن تنتشر على نطاق واسع بين الناس الأصحاء عقليا، سواء أكانت معتقدات فردية أو عامة، والأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى منها الاعتقاد بالتنجيم، الإيمان بوجود الكائنات الفضائية، نظرية المؤامرة وبعض الأطعمة المصنّعة الملوثة عمدا التي تسبب أمراضا لا شفاء منها وغيرها الكثير.

لكن الأهم من ذلك، هو كيف يمكن أن ينساق الناس ممن يتمتعون بصحة عقلية في مجموعات كبيرة إلى الإيمان بهكذا معتقدات، القائمة على وقائع مشوهة ومتناقضة إلا إذا كانوا يعانون من نقص في مهارات التفكير النقدي، وهو واحد من أسباب عدة.

الوهم فكرة خاطئة تشغل حيزا كبيرا في عقل الإنسان وتحرك وعيه باتجاه معين، حتى أنها قد تشوه طريقة إدراكه

على أن الطريقة الوحيدة لمواجهة مثل هذه الأوهام هي دحضها بالعلم، فالطريقة العلمية تساعدنا في الوصول إلى مفاهيم أكثر موضوعية ودقيقة للواقع إضافة إلى التحكم في الذاتية، التحيزات المعرفية والافتراضات والحدس. إلا أن الطريقة العلمية منهجية صارمة تتطور تدريجيا مع مرور الوقت، حيث يعتمد التقدم العلمي على الفحص الدقيق ودحض الفرضيات أكثر من محاولة إثباتها، لهذا يلجأ عامة الناس إلى طرق أكثر سهولة للتعامل مع موجودات حياتهم ينتهي أغلبها عند عتبة الوهم.

وكمثال على الطريقة التي تعمل بها المناهج العلمية للتحقق من نظرية زائفة أو دحضها.. عندما يقول أحدهم إن “جميع البجعات بيضاء اللون”، فيمكن اختبار هذه النظرية بسهولة وذلك بالبحث عما إذا كانت هناك بجعة واحدة سوداء اللون، فهذا سيدحض الفرضية بشكل قاطع ومنهجي بطريقة علمية صحيحة. وعلى النقيض من ذلك، فإن فرضية “وجود بجعة خضراء” لا يمكن تبريرها أو تقويضها بالأدلة لأنها مبنية بطريقة لا يمكن دحضها نهائيا، حتى لو صرفنا وقتا طويلا للبحث عن هذه “البجعة الخضراء”، من دون العثور عليها وقد يبرر البعض هذا الفشل في الوصول إلى إجابة منطقية أو دلالة معينة تثبت أو تنفي الفرضية، بأن البجعات الخضراء لها بعض الخصائص التي تجعل من الصعب اكتشافها.

ويقول الدكتور رالف لويس “هكذا.. يتم تنظيم المعتقدات الدينية بشكل شبه دائم كفرضيات لا يمكن تبريرها، حيث يتناقض العلم والدين بشكل صارخ مع بعضهما البعض، لكن المعتقدات الدينية تعتبر غير طبيعية فقط إذا كانت تمثل تغييرا دراماتيكيا مفاجئا وغير مألوف بالنسبة للفرد وتتعارض مع المجموعة الاجتماعية الثقافية التي ينتمي إليها”.

Thumbnail

ويضيف “يتم تعزيز أقوى أشكال الإيمان الديني عن طريق التجربة الذاتية وهي نوع من التجربة المباشرة لوجود الله أو المعجزات، إذ من الطبيعي أن يثق الناس في تصوراتهم الشخصية أولا وقبل كل شيء، وغالبا ما يتم تعزيزها بقوة من خلال العواطف القوية، لكن الخبرة الذاتية والحدس هما من أشهر الأدوات الذاتية التي لا يمكن الاعتماد عليها، حيث يمنحها الناس الكثير من المصداقية وبسبب القوة المشوهة للذات والحدس، فإن الطريقة العلمية ضرورية للغاية”.

عموما، فإن إحدى الخصائص الشائعة للأوهام والمعتقدات المناهضة للعلم، هي ندرة الأدلة المناقضة لها نظرا لأن الاعتقاد الأساس قائم على قناعة معينة وأمر إبطالها ليس خيارا متوفرا، لكن السؤال الأهم، هو كيف نميز بين الاعتقاد والوهم المرضي؟

ينظر العلماء إلى الاعتقاد الذي يقترب من الصحة على أنه فكرة يصعب تغييرها بصورة تعسفية، إلا إذا ظهرت أدلة جديدة تضيف مفاهيم جديدة إلى الفكرة الأصلية، تدحضها أو تقويها، لا فرق.

في المقابل، فإن الإيمان بالتفسيرات الجديدة غالبا ما ينطوي على فكرة التخلي عن المعتقدات القريبة إلى قلوبنا وتجاهل الثقة المطلقة للتجربة الذاتية وتلك الافتراضات التي نستثمرها عاطفيا.

21