الوهن يدب في أصوات الغناء بإيران

يعاني عشاق الموسيقى ومحترفوها من عراقيل الملالي في إيران بدعوى أن الغناء والرقص يفسدان الشباب ويحرفانهم عن مبادئ الدين الإسلامي، لكن البعض ممن يسكن الفن روحهم لجأوا إلى حيل عديدة لحضور حفلات أشهر الفنانين.
الأربعاء 2016/08/24
النساء لا يتبن عن الغناء

طهران - أصبح تنظيم حفل موسيقي في إيران أمرا عسيرا منذ وصول نظام الحكم الديني المتشدد إلى سدة الحكم في إيران عام 1979، وتتزايد هذه الصعوبات مع تزايد الأوامر بإلغاء العروض الفنية، حتى وإن كانت الفرق أو الفنانون الذين يحيون الحفلات قد نالوا موافقة مسبقة، لأن المحافظين الذين يهيمنون على مراكز القرار في البلاد يمارسون ضغوطهم على النشاط الفني ما دفع بمحبي الموسيقى إلى السفر نحو الخارج لحضور سهرات نجومهم الإيرانيين.

وانتقد الرئيس الإيراني، حسن روحاني، منع الحفلات الغنائية في مدينة “مشهد”، كما انتقد خضوع وزير الثقافة، علي جنتي، لمطالب رجال الدين.

وقال روحاني، في كلمة ألقاها خلال فعالية بالعاصمة طهران، إن إلغاء الحفلات الموسيقية التي كان من المزمع أن تقام في “مشهد”، جراء ضغوط رجال الدين، يخالف القانون.

وأكد روحاني أن البرلمان هو الجهة الوحيدة التي تقرر إلغاء الحفلات، مشددا على ضرورة التزام الوزراء بالقوانين فقط.

وكان وزير الثقافة علي جنتي أعلن مؤخرا عن إلغاء الحفلات في “مشهد”، عقب اعتراض رجال الدين، وعلى رأسهم أحمد علم الهدى خطيب الجمعة في مدينة “مشهد” التي تضم مرقد “الإمام رضا”، على إقامة الحفلات في المدينة معتبرين تنظيم حفلات في مدن دينية “مقدسة” أمرا غير جائز.

وشن المرجع الديني الإيراني وخطيب الجمعة في مدينة مشهد هجوما حادا على وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي التي تمنح تراخيص لإقامة الحفلات الغنائية، قائلا “من يريدون إجراء حفلات غنائية عليهم أن يعيشوا في مكان آخر”.

ويعتبر المتشددون أن إحياء حفل موسيقي أمر مناف لثقافة هذا الجزء من البلد الإسلامي ولا يحمل أي منافع روحية للبلاد، كما يعتبرون أن الموسيقى يمكن أن تحرف الشباب عن مبادئ الثورة الإسلامية.

ويضطر الإيرانيون المغرمون بالموسيقى والغناء إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى أربيل أو دبي أو إسطنبول لقضاء أعياد نوروز ورأس السنة الكردية والفارسية الجديدة، وحضور حفلات مغنيهم الإيرانيين، وهي الحفلات التي مُنعت عليهم من قبل السلطات الإيرانية.

وبعد وصول نظام الحكم الديني إلى سدة الحكم في إيران والقضاء على حكم الشاه محمد رضا بهلوي وتأسيس جمهورية إسلامية بدلا عن الجمهورية العلمانية، اضطر أغلب نجوم الغناء الفارسي إلى مغادرة البلاد.

مدن مجاورة باتت مسرحا لحفلات البوب الإيراني التي يحييها نجوم مشهورون مثل غوغوش وإيبي وداريوش

تصفية حسابات

تتهم نقابة الموسيقيين في إيران الجناح المتشدد في النظام بالوقوف وراء حملات المنع هذه، منددة بـ”العوائق والهجمات” على الحفلات التي تندرج في سياق “المشروع الجديد لمجموعة سياسية تخسر الانتخابات وتريد الضغط على الحكومة المنتخبة خدمة لمصلحتها السياسية الخاصة”. وبالنسبة إلى البعض من الفرق، أصبح الوضع غير مقبول. وقد طلب شهرام شعرباف المغني في فرقة أوهام الإيرانية لموسيقى الروك أخيرا سحب الإذن المعطى للفرقة، مشيرا إلى تكبد الفرقة خسائر جسيمة بعد إلغاء عدد كبير من حفلاتها.

في شهر يونيو ألغت المحكمة الدينية في مدينة نيشابور الإيرانية، القريبة من مدينة مشهد المقدسة، الحفل الموسيقي الذي كان سيقيمه التينور الكردي الإيراني المعروف شهرام ناظري في المدينة.

وأفتى إمام الجمعة والجماعة في مدينة مشهد علم الهدى بحرمة الطرب والغناء على مقربة من حرم الإمام الشيعي الثامن.

وكان ناظري قد حصل خلال شهر مايو، مرتين، على ترخيص قانوني يسمح له بإقامة حفل موسيقي في نيشابور، وفي المرتين ألغت المحكمة الدينية الترخيص. وقال مدعي عام المدينة إن الإصرار على إلغاء الحفل جاء بعد مشاورات مع مسؤولين أمنيين وروحيين في المدينة.

مؤسسة “بيت الموسيقى الإيرانية”، الجهة الرسمية التي تعنى بالفن والفنانين في إيران، اعتبرت القرار “تصفية حسابات سياسية”، نافية أن يكون “للغرض الديني المعلن عنه”، معتبرة قرارات الإلغاء الصادرة عن الجهات الدينية “إهانة للفن الإيراني والعاملين فيه، خصوصا النساء”.

لم يتفاجأ ناظري بقرار المحكمة في نيشابور، فقد اصطدم قبل ذلك بقرار مماثل صدر عن محكمة مدينة إصفهان، التي ألغت بدورها حفلا فنيا كان عازما على إقامته في إصفهان. واكتفى ناظري بالتعليق على ما حدث بالقول “إصفهان خيبت أملي”، وبعد اصطدامه بقرار محمكة نيشابور أكد “لن أفقد الأمل”، وقال “اليوم، علي أن أختار أحد الخيارات الثلاثة: إما أن أودع عالم الموسيقى، وإما أن أترك البلاد، وإما أن استمر في تقديم الموسيقى الوطنية والتراثية كما ينبغي أن تقدم وأحارب النظرة الضيقة للفن، والخيار الثالث يناسبني”.

فنانون يحاربون النظرة الضيقة للفن

لكن ناظري لا يحارب وحيدا هذه المرة، كما في بدايات الثورة حين منع من العمل، فرئيس الجمهورية حسن روحاني قرر مواجهة المؤسسة الدينية إلى جانبه. وزارة الإرشاد أيضا تحدثت عن ضغوط يتعرض لها الفنانون في إيران، وحذرت من تنامي المزاج الديني الذي يهدف إلى تعطيل الحياة الفنية في البلاد على كل المستويات، أما “بيت الموسيقى” فقد توعد بمتابعة الموضوع في المحاكم، باعتبار ما يجري سابقة خطرة وغير قانونية.

في العام الماضي، وعلى إثر إلغاء عدد من المهرجانات الفنية، لوح روحاني بتدخله شخصيا، في مواجهة القرارات الصادرة عن “جهات معينة” في موضوع الإلغاء الاستنسابي لمثل هذه الأنشطة، ورد عليه رئيس السلطة القضائية صادق لاريجاني المعروف بتشدده، سائلا “هل ترضى أن نجيز إقامة مهرجانات موسيقية يرقص فيها الفتيان والفتيات جنبا إلى جنب؟ وأنت تعرف أن هذا مناف للتعاليم الدينية الإسلامية؟”.

علي رضا قرباني، أحد أشهر المغنين التقليديين الإيرانيين، هو الآخر أحد ضحايا هذه القرارات، يؤكد أن قرارات المنع هذه “لم تثبط عزيمتنا ولن يحصل ذلك”، لافتا إلى أن الموسيقى “أحد أهم الفنون التي أوجدها الله ويمكن أن تقدم نفعا عظيما للمجتمع”.

وفي الحفلات يكون الرقص محظورا وكذلك التصفيق، ولهذا السبب يلجأ العديد من المطربين في إيران إلى العمل بطريقة غير قانونية ونشر أغانيهم دون ترخيص.

مغني البوب علي رضا بولوري يلعب لعبة التخفي هذه مع السلطات منذ أكثر من عشر سنوات، يقول المغني الطهراني ذو الـ37 سنة “على الرغم من أننا نسير في الإطار القانوني لدولة إسلامية، فإن الكثير منا لا يمكنهم إحياء حفلات عامة”. وبدلا من الغناء على المسارح الكبيرة يضطر بولوري لإحياء حفلات الزفاف أو احتفالات الشركات، حتى يتمكن من تغطية نفقاته.

حفلات في الخارج

تزايدت في السنوات الأخيرة ظاهرة تنظيم إيرانيين يعيشون في المنفى حفلات فنية للأثرياء الإيرانيين، ولا يتم تنظيم الحفلات في إيران، وإنما في البلدان المجاورة، دبي وتركيا وكردستان العراق، التي باتت مسرحا لحفلات البوب الإيراني التي يغني فيها نجوم شعبيون مثل غوغوش وإيبي وداريوش، ويأتي جمهورهم من إيران مسافرا خصيصا للاستمتاع بأغانيهم.

وتنظم مثل هذه الحفلات أيضا في مدينة دبي، ففي مارس استضاف مركز دبي التجاري العالمي حفلا موسيقيا أحياه الفنان داريوش، حيث قدم أجمل أغانيه التي اشتهر بها مثل “ديفار”. يذكر أن داريوش من أشهر الفنانين في ايران ويعرف بصوته القوي وأسلوبه الموسيقي المميز بالإضافة إلى أغانيه التي تعالج مختلف القضايا الاجتماعية وتحمل في معانيها رسائل هادفة مثل الحب والسلام والحرية والعدالة. ويمتلك داريوش أكثر من مئتي أغنية، تتوزع على ستة وعشرين ألبوما غنائيا.

ويبدو أن الإقليم الكردي في العراق بدأ يحتل مكانة خاصة لدى الإيرانيين لإقامة مثل هذه الحفلات فيه نظرا لقربه الجغرافي، وينظم الفنانون الإيرانيون المغتربون مثل الفنانة شهرة والفنان المعروف معين أصفهاني حفلات في أربيل والسليمانية يحظرها الإيرانيون قاطعين آلاف الأميال للاستمتاع بالموسيقى الممنوعة في بلادهم، إلا أنهم يتعرضون أحيانا للمنع من السفر.

ويقول علي” منذ بدْء تنظيم الحفلات في أربيل أصبحنا نتوجه إليها، ورغم بعد المسافة من طهران فإننا نستمتع بحضور حفلات لمغنينا المفضلين”.

وتقول كوثر من إصفهان “ننتظر عيد النوروز كل عام للمجيء إلى أربيل وحضور حفل غنائي لمجموعة من المغنين الإيرانيين”.

شباب التحدي

وتضيف “جئت مع والدتي وأخواتي من مدينة إصفهان ولدينا أقارب يقيمون في أربيل ولا نأبه بما يجري في إيران حاليا، المهم بالنسبة إلينا التمتع بلحظات جميلة بعد كل هذه السنين من الحرمان”.

النساء ممنوعات من الغناء

في إيران لا يسمح للنساء بالغناء أو العزف منفردات على المسرح منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران، وتمنع القوانين السائدة اعتلاء النساء خشبات المسارح لتقديم عروض موسيقية أو غنائية، لكن العزف ضمن أوركسترا مستثنى نظريًا من هذا المنع، إلا أن عروضًا كثيرة لفرق موسيقية فيها نساء ألغيت في السابق.

ويعاقب القانون الجنائي الإيراني بـ 79 جلدة النساء اللاتي يغنين دون ترخيص رسمي. وهذه التراخيص لا تعطى عادة سوى للموسيقى التقليدية. وإن رأى القاضي في فنّهن “تحريضا على الانحطاط” فيمكن أن يعاقبن بالسجن. هذه العقوبات لم تنفذ إلى حد الآن. وفي الأثناء صارت الفتيات يمتهن فن التنكر لدفع حدود الممنوعات التي تضيق عليهن ممارستهن لفنهن.

لكن هؤلاء الفنانات لم يختفين بل ظهر اليوم جيل جديد على شبكة الإنترنت؛ فتيات يستعملن أسماء مستعارة مثل “بي 3” أو “مادمزال” (وهو تحريف لكلمة “آنسة” بالفرنسية) وينشرن أغانيهن على الإنترنت.

ومنذ فترة، تتجرأ أكثرهن شجاعة على الظهور في فيديوهات موسيقية يستعملن فيها ألف حيلة وحيلة حتى لا يتم التعرف على هويتهن.

ويتحسر الفنانون وعشاق الموسيقى الإيرانيون على زمن الشاه الذي كانت لديه رغبة شديدة في إضفاء الطابع الأوروبي على الموسيقى الإيرانية، فشجع مسؤولي حكومته على إقامة العديد من المهرجانات الموسيقية، أهمها مهرجان “شيراز بيرسابوليس” عام 1967 ليصبح أكبر ملتقى عالمي لفنون الغناء والرقص.

وانتشر عزف “البوب” في السبعينات، لكنه تأثر بطابع الموسيقى الإيرانية القديمة، وكانت من أكبر المغنيات حينذاك “دلكش”، التي راحت تغني مرتدية فساتين ضيقة، وتحمل بيدها كأسا من الكحول، و”قمر الملوك وزيري” الملقبة بـ“كوكب الموسيقى الإيرانية”، التي كانت تغني في العشرينات من القرن الماضي في “غراند أوتيل” بطهران.

20