اليابان بوابة العرب لمحاور آسيوية حليفة

تشير التحركات الدبلوماسية العربية الأخيرة نحو اتجاهات جديدة إلى أن فلسفة العلاقات الدولية بالنسبة إلى العرب قد بدأت فعلا في التغيّر، توازيا مع إصلاحات جذرية داخل المنظومات الاقتصادية والاجتماعية داخليا. وقد بدأت نتائج ذلك بالظهور مع إعادة قراءة العلاقات مع دول آسيا بشكل يزيد من تمتينها، خاصة مع اليابان التي أخذت بدورها في التحول على مستوى الموقف الدولي لتتقاطع مع الدول العربية في العديد من النقاط.
الجمعة 2016/05/20
البحث عن أوراق جديدة

تمثل منطقة جنوب وشرق آسيا اليوم إحدى النقاط الاستراتيجية الهامة التي يمكن العويل عليها كمحور بديل عن المحاور الكلاسيكية المتمثلة في الغرب، سواء أوروبا أو أميركا أو حتى روسيا. ومن البديهي أن تكون اليابان بالنسبة إلى المنطق الدولي الجديد للعرب نقطة ارتكاز هامة في إعادة قراءة العلاقات معها ومع المنطقة الآسيوية ككل في اتجاه المزيد من التطوير والتعميق والخروج من العلاقات التجارية التقليدية.

ويرتبط بذلك القول إن مستقبل العلاقة بين طوكيو والدول العربية سوف يكون عاملا شديد الأهمية في تحديد ملامح النظام العالمي الجديد القادم في إطار التجاذبات الدولية الخاصة بالشرق الأوسط المضطرب ونزاعات بحر الصين. وفي هذا السياق، يمكن رسم مسار تطور مستقبل العلاقات شرقا، أخذا بعين الاعتبار التحولات التي طرأت منذ انعقاد المنبر الأول في طوكيو في ديسمبر 2009، والتي وضعت أولى لبنات الشراكة تحت عنوان “فصل جديد من الرخاء المشترك”، خاصة بعد ارتفاع حجم المبادلات التجارية بين العالم العربي واليابان، حيث أصبحت رابع شريك عالمي بعد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية والصين.

إن ارتفاع المبادلات بين عدد من الدول العربية، خاصة في الخليج العربي، واليابان لم يتوقف عند المحددات التجارية العادية، بل فرض استقرار المبادلات وطبيعتها المتينة منطق آخر في صناعة العلاقة، وهو التعويل على دور اليابان في تشكيل قوة حليفة على مستويات أخرى في السياسة الدولية، وهذا ما ظهر في عدد من التصريحات الرسمية لبعض الوزراء والمسؤولين العرب بأن اليابان امتداد آخر قد يكون محورا جديدا ضمن محاور العلاقات العربية الدولية.

وحتى وإن كان الاقتصاد الياباني لم يتعاف كليا، فثمة ضرورة ماسة في القطاع الصناعي إلى المواد الأولية والطاقة، فاليابان لا تملك إلا موارد طبيعية قليلة (منغنيزيوم، فحم، ذهب، فضة)، وتظل بذلك في تبعية كبيرة للخارج لتأمينها، إذ تعتبر اليابان رابع مستورد عالمي للطاقة بعد الصين والولايات المتحدة الأميركية والهند. وفي الفترة الأخيرة، ازدادت هذه التبعية بعد إيقاف المفاعلات النووية التي تمد اليابان بـ27 بالمئة من الإنتاج الكهربائي. وتعتمد طوكيو على 81 بالمئة من وارداتها من الخليج العربي.

وفي هذا الإطار تأتي سياسة “أبينوميكس 2.0” الاقتصادية الجديدة، والتي تندرج ضمن وجهة نظر نقدية لإعادة هيكلة النظام الاقتصادي الياباني، وهي تعتبر من خطط التحفيز القوية التي تهدف إلى تجاوز آثار الانكماش الاقتصادي، وتحقيق مرونة أوسع في النظام النقدي، وحصر نسبة التضخم في حدود 2 بالمئة، وذلك عبر التأكيد على سياسة الانفتاح من أجل تشجيع الاستثمارات.

الاتفاق النووي مع طهران ومحاولات المس من وحدة الأراضي المغربية، دفعا العرب إلى تأمين حلفاء استراتيجيين

مرتكزات السياسة الجديدة

بدأت تتفاعل محددات التطور الاقتصادي الياباني للجمع بين مقومات التقدم الاقتصادي والثقافي والعلمي والتكنولوجي والعسكري، حيث فتحت المرحلة الراهنة تفاعلا بين شتى هذه الميادين والقطاعات سعيا إلى كسب رهانات النظام الدولي الجديد، وتبدو في هذا السياق التجربة اليابانية جديرة بالاهتمام من حيث حفاظها على مقوماتها الأصالة والانفتاح على الحداثة، والأخذ بأسباب التقدم العلمي والحضاري، فهي مازالت من بين الدول القوية اقتصاديا وعلميا وتكنولوجيا وتؤثر في النظام الدولي بشكل بالغ. وهي إن تأرجحت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في علاقتها مع العالم العربي بين تبني سياسة الحياد من أجل توفير المواد الخام الأولية، ودخول منتجاتها الصناعية إلى الأسواق العربية الواسعة، فإنه في المقابل، لم تحقق البلدان العربية ما يكفي من تحويل ونقل للتكنولوجيا، إذا استثنينا الدعم السياسي الذي حصلت عليه القضية الفلسطينية، وفي حرب الخليج الأولى (حظر استيراد النفط من الكويت تحت الاحتلال العراقي)، وفي الحرب العراقية الإيرانية، وفي حرب الخليج الثانية.

ومن هنا، يطرح سؤال حول أسباب تعلق اليابان بدعم وتطوير علاقتها مع العالم العربي، ونهج سياسة أكثر استقلالا عن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط ومدى استجابة العرب لذلك؟ إذ تعتبر التجربة التنموية اليابانية تجربة فريدة وتحظى بالكثير من المصداقية، ويمكن الاستفادة منها بشكل كبير في عمليات التطوير الاقتصادي والتكنولوجي، إذا تم توزيع الأدوار بين البلدان العربية بشكل جيد في مجال التعاون العلمي والاستفادة من المعونات الاقتصادية التي تعد إحدى ركائز الدبلوماسية اليابانية.

وتعكس المؤشرات الاقتصادية أن اليابان هي رابع قوة تجارية في العالم ممّا يطرح أهمية دراسة أركان هذا التفوق الاقتصادي وكيف يمكن للعرب أن يستفيدوا في علاقتهم التجارية معها. فمكانة اليابان كقوة كبرى ودورها الفاعل في النظام الدولي أصبحا أمرين لا ريب فيهما، إلا أن هذه المكانة تحتاج إلى فهم دقيق لأدوات السياسة الخارجية اليابانية الجديدة، فهي توصف بأنها أكثر براغماتية، وهنا يبرز قطاعان أساسيان يقودان علاقات اليابان الخارجية اليوم وهما: أمن استيراد الطاقة كدعامة هامة للقطاع الصناعي، وضمان القيمة المضافة العالية للصادرات باعتبارها من أكبر دول العالم تصنيعا خاصة في مجال الصناعة التكنولوجية العالية.

كانت اليابان إلى أمد قريب لا تسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية في سياستها المعروفة بالحياد، أو ممارسة دور أمني أو عسكري ينافس الوجود الأميركي والروسي أو الصيني في بعض المناطق ومنها المنطقة العربية، وإنما تهدف إلى تحقيق شراكة استراتيجية تكفل لها عوائد اقتصادية مباشرة، لكن منذ ثلاث سنوات بعد عودة رئيس الوزراء شينزو آبي للحكم، يلاحظ مراقبون أن هناك قطيعة في التاريخ الدبلوماسي الياباني التقليدي الذي كان يركز على المجال المدني والتفاعل داخل التكتل الغربي للاستفادة من المظلة الأميركية،

حيث استطاعت اليابان إطلاق دينامية سياسية ودبلوماسية جديدة، والخروج من دوامة الانكماش واعتماد حزمة من الإصلاحات الجريئة، وما لبث أن تغير موقفها الدفاعي والعسكري، كما أطلقت سلسلة من الأنشطة الدبلوماسية تهدف إلى إعادة تموقع اليابان في الساحة الإقليمية والدولية كفاعل مهم.

التجربة التنموية اليابانية تعتبر تجربة فريدة وتحظى بالكثير من المصداقية، ويمكن الاستفادة منها بشكل كبير

اليابان تغيرت

إن وصول شينزو آبي الوزير الأول المخضرم الحالي المحافظ وذو النزعة القومية البارزة، دفع إلى بث روح جديدة في السياسة اليابانية الخارجية لكي تصبح اليابان أكثر دينامية وترفع من درجة تفاعلها عبر الانخراط في مواجهة التحديات الدولية الكبيرة، وخاصة مواجهة زحف التنين في بحر الصين الشرقي، فضلا عن خطر تهديد كوريا الشمالية، والنزاع مع روسيا حول ترسيم الحدود الشمالية، وإيجاد حل للنزاع حول جزر تاكيشيما مع كوريا الجنوبية، وهو ما يلقي بظلاله على العلاقات الخارجية لليابان مع العالم العربي.

وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار بحر الصين المحور الاستراتيجي المقبل للاقتصاد العالمي عامة والعالم العربي خاصة، فهو يمثل ثلث التجارة العالمية، ويشكل نصف حجم المبادلات التجارية للصين واليابان وكوريا الجنوبية، ويمر منه نصف النقل العالمي من النفط، و85 بالمئة من ناقلات البترول التي تأتي من الشرق الأوسط والخليج العربي.

ولذلك تبحث اليابان اليوم عن استراتيجية أمن قومي تقوم على تعزيز دورها كفاعل في سلام نشيط في العالم، وهو ما يقتضي تسريع سياسة دفاعية وعسكرية تسند هذا الدور وتمكنها من دبلوماسية متعددة الشراكة، تكون فاعلة على المسرح الدولي، وهو الأمر الذي يعني أن الوزير الأول الياباني يريد إعادة الأهمية إلى السيادة الدبلوماسية والدفاعية بنفس القدر المعطى للتنمية الاقتصادية والطاقية كأولوية. وهي الرؤية التي وجدت آذانا صاغية في الشارع الياباني، ويجب أن لا تغفلها الدول العربية، بعد أن تبنى الوزير الأول نبرة إرادية تريد إخراج اليابان من الانكماش الاقتصادي، مما يعني القطع مستقبلا مع سياسة الحياد القديمة.

ليست اليابان فقط هي الهدف من التوجه إلى دول آسيا، إذ لا يمكن تجاوز حقيقة أن بعض الدول العربية ومن بينها الإمارات العربية المتحدة والمغرب قد قامت بمد جسور استراتيجية مع الهند وباكستان والصين وكوريا الجنوبية. فالزيارة الأخيرة التي قام بها العاهل المغربي الملك محمد السادس أنتجت عددا من الاتفاقيات التجارية والاقتصادية والثقافية لكن المعنى العميق لتلك الاتفاقيات يؤكد أن المحاور البديلة للدول العربية موجودة على المستوى الدولي، ردا على تصاعد وتيرة التهديد الغربي لوحدة الدول العربية وكياناتها، عبر تحريك ملف الصحراء مثلا بالنسبة إلى المغرب في اتجاه معاكس لجهود الدولة في الحفاظ على وحدتها، ولا يمكن التغاضي عن الاتفاق النووي بين طهران والدول الغربية الذي من شأنه المس من الأمن الاستراتيجي للعرب في الشرق. وكل هذه المعطيات أدت بصورة مباشرة إلى تكوين مرتكزات أخرى تمثل أحلافا طموحة لا يمكن أن تكون إلا مفيدة.

6