الياسمين البحريني سر البنت السابعة

الخميس 2016/05/26

ستبدو البحرينية فضيلة الموسوي في مستقبل قراءة كتابها الشعري “بيت بفيء الياسمين” وريثة الياسمين بشقه الواقعي والرمزي، بمعنى وريثة الرائحة التي انتظمت في أكثر من خمسين نصا شعريّا قوامه السرد اليومي لبيت الياسمين وما فيه من أثر جمالي عالق في كل التفصيلات التي من شأنها أن تضع النصوص في سياقاتها الشعرية الكاشفة لمعطيات رائحة الياسمين، مثلما انتظمت تلقائياً كساردة حريصة على أن تتقصى “بيت الياسمين” بشموليته الإنسانية والمعرفية ولكن عن طريق التعبير الشعري وما وفرته قصيدة النثر من مساحات حرة في اقتناص الوهج اليومي وتشكيل العلاقة المباشرة وغير المباشرة في نصوص جمالية لها قدرة الإيحاء والتأويل والتنوير الكلي لحالات الياسمين وبيته البحريني الخصوصي.

سنلتفت إلى الرقم 7 كعامل مشترك في مجمل الكتاب وقاسم له خصوصية رمزية وطقسية في بيت الياسمين الواقعي والرمزي وما وفره خيال الكتابة من أثرٍ شعري اجتهدت فضيلة الموسوي في أن تجعل قامته طويلة بين الأرقام، فالشاعرة تقيم علاقة مكشوفة إلى حد ما مع هذا الرقم واقعياً من خلال سيرة ذاتية تكشف عن أنها البنت السابعة بين سبع أخوات (وسيأتي لاحقاً أنها أخت لسبعة ذكور):

” سبع أخوات قبلي ثلاث/ وبعدي ثلاثْ / وأنا السابعةُ بين الذكورِ والإناثْ..”

في مثل هذه الصورة المباشرة تتخلق صور أخرى وإن كانت أسَرية جامعة لكنها تشي بأن لهذا الرقم قدسية شخصية معينة يفترعها أب واقعي ( شخصية دينية واجتماعية وشعرية غزيرة الإنتاج على المستوى الحياتي والإبداعي) وتنبثق عن تجلياته موصوفات رقمية: سبع إناث. سبعة ذكور. سبع إشارات . سبع علامات . سبعٌ من قطع الثياب. سبع وصايا. ليكوّن هذا الرقم – برمزيته الطقسية الدينية- إحدى علامات الكتاب بشعريته المستخلصة من وجود حقيقي واقعي، لكنه يتحول بين أصابع الشاعرة إلى أحد أسرار النصوص ، وهي أسرار شعرية في مقامها الأول لا على أساس واقعية وجودها وحضورها السردي المتكرر، لكن على أساس استخلاص الصورة الشعرية من هذا الرقم وجوهره المتمثل بـ” أنا سرُّ العائلة.. وواجهة المعنى” في هذا الاختزال الواضح الذي وضعته الشاعرة بعد الكثير من السرد عن بيت الياسمين وفيئه الذي يظلل حيوات نابضة بالتجربة والحكمة والمآثر الكثيرة التي شكّلت بمجملها بيتاً سردياً واسع المضامين والرؤى، تتصدره الذات الشاعرة كوريثة للياسمين بمجمل معطياته.

الصور الشعرية التي يحفل بها بيت الياسمين وليدة تجربة خرجت عن شخصانيتها إلى عموميتها أيضاً بفضاءاته الزاخرة بالموروث الديني والحياتي، لتكشف نمطاً معرفياً وأثراً شعبيا متوارثاً بقدسيته المحلية، وهو مهيمنة لازمة على مجمل الكتاب الياسميني بسردية قصصية وحكائية تكاد تتكرر لفرط لزوميتها المقصودة؛ فبيت الياسمين هو عبارة عن حكايات وقصص وطقوس شعبية ودينية اخترقت الحاضر بعطرها الثقافي المحلي الثمين الذي ظلت الشاعرة منتمية إلى بهائه حاملة رقمها الأثير 7، كونها سليلة بيت بحريني ضارب في القِدَم وقائم على علاقات أسطورية تاريخية مسترسلة ومتوافقة في نبعها الثقافي العام. ولتكون البنت السابعة خالقة للحب وهي القائلة “ابتكرُ الحبّ” من فتحة الياسمين التي وضعها أب ذات مرة ليضفي على هذا البيت عطراً يتحول لفرط جماله إلى أسطورة شعرية متوارثة.

هذه تجربة كتابية في الرائحة أنتجت لوناً شعرياً عطرياً قليلاً ما يتناوله الشعراء. فالعطر هو الشعر والشعر هو العطر. في البحرين ياسمين شعري جديد اسمه فضيلة الموسوي.

كاتب من العراق

14