الياس فركوح: لولا المصادفة لما ولد كتابي

يعد أدب الرسائل من أهم الأنماط الإبداعية التي رفدت الأدب العربي والعالمي بروائع أدبية، حيث تكشف الرسائل ما لا يكشفه غيرها من حياة الكتاب وآرائهم والتفاصيل التي لا يمكن معرفتها من خلال آثارهم الأدبية الأخرى. ولكن أن تكون هناك رسائل بين كاتب على قيد الحياة وكاتب متوفى، فذلك أمر جديد وهو ما قام به الكاتب الأردني إلياس فركوح الذي التقته “العرب” في هذا الحوار حول رسائله مع الكاتب مؤنس الرزاز.
الأربعاء 2016/08/17
أواصل حوارا قطعه الموت

يقول الناقد الفلسطيني فيصل درّاج، حول آخر إصدارات القاص والروائي والمترجم الأردني إلياس فركوح، الموسوم بـ”رسائلنا ليست مكاتيب”، إنه “فـي الرسائل المتبادلة بين مؤنس الرزّاز وإلياس فركوح، ما يعلن عن مفارقة حزينة وجميلة، وما يخبر عن استذكار واستبصار حميم متميّز، يواجه عبث الزمن القاسي بكتابة متجددة”.. كتابةٌ أرادها ضيفنا “اجتراحا” لكتابة غير مألوفة تجول في فضاءات كتابية أوسع وأرحب.

بداية حديثنا مع إلياس فركوح كانت بسؤاله لماذا هذا الكتاب “رسائلنا ليست مكاتيب” ولماذا الآن، أي بعد رحيل مؤنس الرزّاز بأكثر من عشر سنوات؟ ليجيبنا أن الكتاب لم يكن فكرة كامنة أو مشروعا مأمولا حاضرا في ذهنه على الإطلاق، قبل كتابته.

من طرف واحد

يقول فركوح “لعلّ المصادفة المحضة لعبت دورا رئيسيا في تنبيهي إلى أهمية تلك الرسائل، وذلك حين أعدتُ تنظيم ‘أرشيفي’ الكبير المكوّن من رُزَم من الرسائل القديمة تعود إلى شخصيات مرّت في حياتي، ووضعها داخل ملفات مستقلّة بهدف الفرز. حينها، ولدى قراءتي لها بعد كلّ تلك السنوات، وجدتني أواجه ماضينا المشترك الحافل بأحلام وأفكار كبرى، بحاضري المضروب بما ينقض تلك الأحلام والأفكار. هذا البون الشاسع بين زمنين يحمل كلّ واحد منهما ‘أثقالا’ تميّزه، اضطرني، بتلقائية الاستفزاز والاستجابة والفضول، إلى مراجعة محتوى كلّ رسالة من رسائل مؤنس، ومحاورتها بما أملك من حصيلة اليوم. كأني بذلك أواصل حوارا بيننا قطعه الموت، معتمدا الكتابة كونها إحدى المشتركات التي جمعتنا معا”.

ويؤكد فركوح أنه لم يتقصّد توقيتا للكتاب، فكرة أو مشروعا، إذ ربما لو لم تحدث مصادفة تنظيم الأرشيف حينذاك، وما استتبعته من تداعيات، لما ولد الكتاب أصلا.

الكتاب جديد في طرحه، فالكاتب إلياس فركوح يردّ في الفترة ما بين (2013-2015) على رسائل كتبت ما بين (1976-1981)، ولشخص توفي عام 2002 دون إمكانية لكاتب الرسائل الأولى التعليق أو التفاعل معها. وهنا نسأل صاحب “أرض اليمبوس″ هل نحن أمام نوع جديد من المراسلات الأدبية، نوع لا يقع فـي باب أدب الرسائل، ليجيبنا قائلا “تنامى الكتاب آخذا بالنضوج التدريجي على وقع حقيقة ضياع رسائلي أنا لمؤنس، والتي بإمكان أيّ قارئ لرسائله تخمين ما كنتُ كتبته وقتذاك. إذن، لماذا لا أعمل على تعويض رسائلي الضائعة بأخرى – ضمن شروط الزمن الراهن؟ هكذا توالدت فكرة الكتاب، وبدأتُ، وكنت كلّما قطعتُ شوطا أزداد فضولا في كشف ما يعتريني من استعادات، وتأملات، ومراجعات، وتغيرات، إلخ. فأبوح متوجها بها إليه: الصديق الغائب في رحلة بلا عودة. ولأنه لن يعود، استعدته بالكتابة مستحضرا إيّاه ليشهد على اندياحاتي وقد تحررتُ نسبيا من أثقال الأخذ والردّ”.

الكتاب رسائل تسأل وتجيب على نحو اجتهادي، من طرف واحد، لكنها تحاور معطيات ومواقف لا تحاجج صاحبها

ويتابع ضيفنا “هي رسائل/ كتابات تسأل وتجيب على نحو اجتهاديّ، ومن طرف واحد، لكنها تحاور معطيات ومواقف أنقضت ولا تحاجج صاحبها أو أصحابها. من هنا يجوز لنا اعتبار الكتاب ‘اجتراحا’ لكتابة غير مألوفة، اعتمدت الرسائل لتجول في فضاءات كتابية أوسع وأرحب. نعم، وكما لاحظ الناقد فيصل درّاج، وقع في وعيي أثناء الكتابة أني بصدد البدء بسطر أوّل لشكل هجين من الكتابة الأدبية/التفكرية/السيرية المتصلة بالشأن السياسي العام مضفورة بالخاص الشخصي والحميم”.

ويتابع الكاتب “كتاب ‘رسائلنا ليست مكاتيب’ خضع بدوره للسياق الذي طفق يتشكّل بناء على محتوى كلّ رسالة من رسائل مؤنس، وما تم اشتقاقه من ‘محاور’ فكرية أو ثقافية تضمنتها، وأحداث وردت فيها، كان لها أن استحوذت عليَّ لتستحيل الأرض التي أعمل على حرثها وتقليب تربتها. لا أرى في أنّ أسلوبا، أو ‘مسلكا’، أو ‘صيغة’ كتابية واحدة تصلح لجميع النصوص الجديدة التي أباشر بكتابتها. فإذا كان مفهوم ‘التجريب’ يعني البحث عمّا يلائم طبيعة العمل قيد الإنجاز، ولم يكن مطروقا، فسوف ألِجه مكتشفا فضوليا دون رهبة الخطو في أرضٍ مجهولة. أفعلُ هذا لأخلق عالما كتابيا يليقُ بمفردة ‘إبداع’، هذه الكلمة المكرورة حدّ ذوبان مدلولها الأوّل وضياعه وسط نصوص/ مستنسخات لا حصر لها”.

ويرى إلياس فركوح أن كتابه هذا يشهد على مقتطع من مشهد سياسيّ كان أحد مرتكزات ما آلَ إليه الحال راهنا. ويضيف موضحا “ربما أكون، في هذا الكتاب بما احتواه من رسائل كاشفة لأنها تتصف بالبوح، قد أمطتُ بعضا من الحُجُب عن طبيعة الحوارات والسجالات التي دارت بين صديقين مازالا في أوّل دروب الكتابة واقتراحاتها. حوارات وسجالات تناولَت كلّ شيء يجمع بينهما، تقريبا”.

نوع جديد من المراسلات الأدبية

ثلاثة عقود

ويحدثنا صاحب “قامات الزبد” عن علاقته برفيق الدرب وصديق العمر الروائي الراحل مؤنس الرزّاز، قائلا “تعود هذه العلاقة إلى العام 1968، إثر مرور سنة على هزيمة حزيران 67. بدأت بورقة مسطورة مستلّة من دفتر مدرسي، أراني إيّاها صديقي هيثم المفتي (ابن خالة مؤنس)، كان كتب عليها مؤنس موضوعا نسيته الآن. لكنّ أثر الكتابة لم أنسه، إذ كانت المرّة الأولى التي أقرأ فيها نصّا لا يمتّ أبدا إلى الموضوعات المدرسية الدارجة، وكذلك اللغة المختلفة الدالة على قراءات متميزة. لم نكن نعرف بعضنا يومذاك، وعمل هيثم بعد وقت قصير على ترتيب لقاء أوّل. كان لقاءً حواريًا ثريًا بحق (بما كنا نحوزه من معارف متواضعة)، وفي بيت أبيه الدكتور منيف الرزّاز. لقاء بدأ في الخامسة أو السادسة مساءً وانتهى، من دون الإحساس بالوقت، عند منتصف الليل، تلك كانت إشارة إلى أن المشتركات طفقت تنسج علاقة جديدة لنا نحن الاثنين”.

تطورت علاقة إلياس فركوح بمؤنس الرزاز ليعيشا من بعد معا في بيروت، ويدرسا معا المواد الجامعية نفسها، ويشتركا في معظم دوائر العلاقات بشتّى تصنيفاتها، تكاشفا بمكنوناتهما من دون خجل أو ندم، ثم تابعا ذلك كلّه عبر الرسائل عندما قُدّر لمؤنس الترحال الطويل بين المدن، في حين أُجبر ضيفنا على المكوث في عمّان، إلى أن عاد في 1982. وإذا أردنا قياس “عُمْر” هذه العلاقة، فإنها المسافة بين 1968 و2002، أي 34 سنة.

وأخيرا، نسأل مُحاورنا إن كان يملك مراسلات مع أدباء أردنيين أو عرب وهل ينوي نشرها؟ ليقول “نعم، لديّ مجموعة من الرسائل، من أردنيين وعرب، غير أنّ فكرة نشرها ليست واردة على الإطلاق. النشر في ذاته، كما أفهمه وأعيه، عملٌ هادف لتحقيق ما هو أبعد من مجرد التوثيق، على أهمية التوثيق بالطبع. فإنْ لم تتوفر ‘جدوى ما عامة وعلمية أو ثقافية’ في عملية نشر الرسائل (أيّ رسائل)، فليس من داعٍ لها إذ انتفت مبرراتها. هذا الأمر في ما يخصني، أما في ما يخص أصحاب تلك الرسائل، فذاك شأنهم إذا ما طالبوا بها لنشرها”.

15