اليد ترى وتسمع وتتكلم في لوحات نغم حديفة

التشكيلية السورية لم تتقصّد رسم القفازات في لوحاتها في إشارة إلى الفايروس القاتل، بل هي أداة من أدوات فعل الرسم عندها.
الجمعة 2020/07/10
القفازات كائنات تنطق بأحوالها كما تفعل الوجوه

تعوّدت الفنانة التشكيلية السورية نغم حديفة مفاجأة متابعيها سواء في معارضها الشخصية أو عبر صفحتها الخاصة على فيسبوك بآثار فنية مبتكرة، وهي التي تجمع في آثارها الفنية ما بين الرسم والموسيقى والشعر والتصوير الفوتوغرافي، علاوة على اعتمادها التجهيز و”البيرفورمانس آرت”، لتشكّل بها مجتمعة رموزا ومعاني لواقع معيش يحتمل أكثر من تأويل.

نشرت الفنانة التشكيلية السورية نغم حديفة على صفحتها الفيسبوكية عددا من اللوحات رسمت فيها قفّازات واقية متعددة الأحجام والألوان. أعمال صوّرت الكفوف الواقية والطبية التي استخدمها الأطباء والممرّضون في علاج المُصابين بالفايروس المستجد.

ولأول وهلة سيعتقد الناظر إلى تلك اللوحات أنها أعمال أنتجتها حديفة حصرا خلال أزمة انتشار وباء كوفيد – 19، غير أن ما كتبته الفنانة السورية القاطنة في فرنسا منذ العام 2005 على صفحتها الفيسبوكية يؤكّد غير ذلك.

وهي التي كتبت “منذ سنوات بعيدة بدأت القفازات ثم الأيادي تحتل مساحة من لوحاتي، تحديدا منذ انتهائي من دراسة الفنون في دمشق 2002. وكانت هذه الثيمة تعود إلى لوحاتي بين الفينة والأخرى حتى حل يناير 2020، أي قبيل انتشار فايروس كوفيد – 19”.

وتتابع “رسمت مجموعة جديدة من لوحات ظهرت فيها القفازات التي كنت بدأت أرتديها عند ممارسة عملي الفني، بعد أن أصابني تسمّم في أصابعي من جراء طول فترة استخدام المواد التلوينية”.

من خلال هذه الكلمات نفهم أن نغم لم تتقصّد رسم القفازات في لوحاتها في إشارة إلى الفايروس القاتل وما يقتضيه الوضع من وقاية لتجنّب الأسوأ فيه، بل هي أداة من أدوات فعل الرسم عندها، أصلا.

وإن كانت حديفة رسمت القفازات خلال أو قبل انتشار الوباء، فهذا لن يضيف أو ينتقص شيئا من مميزاتها. وأبرز ما يمكن قوله عنها إنه من الصعب النظر إليها على أنها مجرد رسوم فنية متنوّعة لأشياء عملية تُستخدم وتُرمى بعد ذلك.

الفنانة رسمت القفازات وكأنها “تشخيص” لملامح إنسانية ولمشاعر وأفكار وبيانات رمزية مُلتبسة، قدّمت ذاتها على أنها الوسيط التعبيري المُستخدم والمُعبّر عنه في الآن ذاته.

والناظر إليها، لاسيما عندما تكون حاضرة في عمل فني بهيئة زوج من القفازات، ليست “منزعجة” لفقدانها الكف الثاني المرافق لها، والقادر أن يجعل منها حضورا وحيدا بهيئته المأساوية كمثل هيئة من أضاع “أخيه” في ماء لوحاتها الكثيف، سيرى فيها ما يذكَره بمسرحيات داكنة الملامح رغم غياب الظلال فيها.

مسرحيات أبطالها أياد ترتدي كفوفا بيضاء كلباس عضوي ملتصق بها. تتمشّى وتتفاعل مع القفازات الأخرى بدرامية غرائبية وفي وضعيات تحركاتها والتواءاتها.

القفازات كائنات تنطق بأحوالها كما تفعل الوجوه
القفازات كائنات تنطق بأحوالها كما تفعل الوجوه

شيئا ما في الكفوف التي رسمتها الفنانة السورية تجعل المُشاهد يميل إلى رؤيتها على أنها كائنات حية ترى ما يجري من حولها. كائنات تنطق بأحوالها كما تفعل الوجوه في اللوحات التشكيلية.

وجوه الفنانة نغم حديفة هي وجوه “سليكونية” تملك أصابع مُشكّلة فنيا على خلفيات غالبا ما تكون “عدمية”، تجعلنا نراها على أنها الوسيط/ المنبر التعبيري، والتعبير وقد اتحدا قلبا وقالبا.

ألا يحيلنا ما تقدّمه “كفوف” الفنانة من انطباعات إلى ما هو أبعد من الظاهر، أي إلى رمزية الجلد البشري كنافذة عضوية مُطلة وفي تماس مع ذبذبات العالم المحيط؟ والفنانة ترسم بعضا من تلك القفازات وكأنها ممتلئة بحضور شبحي له مخطّطات سرية لم يكشف عنها بعد.

سيتساءل الناظر إلى لوحات نغم: ماذا أرادت هذه القفازات أن تقول؟ هل أرادت أن تسرد سيرة كائن بشري ما بتحفظ وترميز بعد أن انفصل جسديا عنها واندثر؟

الكفوف الواقية التي رسمتها في تنوّع تعبيري ظهرت فيه تتلوّى وتنبسط، ترق وتشف أو تتكثّف تحسم الجدل في ماهيتها: إنها كائنات حية وحسية اختارت التعبير بإيماءات استعراضية، لا يهمها إن فُكت جميع ألغازها. إذ أن كل ما يهمها هو: أن تكون، وأن تبقى هنا في حاضرها وفي حيثية وجودها.

تعبّر الفنانة السورية من خلال رسوماتها تلك عن علاقة جدلية مُلتبسة ما بين الظاهر والباطن، وما بين اللابس والملبوس ويتجلّى هذا التعبير ليس فقط في ثيمة القفازات بل في ثيمة “قميص النوم” أيضا.

إذ نكتشف أن للفنانة موضوعا آخر كثيرا ما عادت إليه، إلى جانب عودتها إلى القفازات، وهو قميص النوم الذي ليس هو مجرد نسيج نخلعه ونرتديه متى شئنا لأنه هو الآخر، كما القفازات، جلد ثان نرتديه بطيبة خاطر أو رغما عنا لنعيش فيه الحاضر ولنعود به سحريا إلى الماضي. ولكن أيضا لنطل من خلاله إلى الآتي.

قميص النوم الحاضر في عدد من أعمالها في أشكال ومختلفة تخفت وتيرتها حينا وتتصاعد حينا آخر، ليس كأي قميص نشتريه من مخزن، إنما هو وحسب ما تؤكّد الفنانة هو قميص النوم الذي أهدتها إياه جدتها قبل أن تغادر سوريا لإكمال علمها في مجال الفن.

ربما عبر هذا القميص اختبرت الفنانة خاصية اللمس والشم “التحريضيتين” الرديفتين للذكرى حينا وللفعل واختراع الذات حينا آخر. وربما هو العامل الأقوى الذي دفع الفنانة إلى الدخول شعوريا أو لا شعوريا إلى عوالم فنية مركبة عبقت بها لوحاتها وباقي أعمالها الفنية من تجهيز وتزاوج دائم ما بين الشعر والرقص والرسم والتصوير.

القميص والقفازات في أعمال الفنانة السورية نغم حديفة يشتركان حتما في صناعة الصورة الذاتية وكسرها في آن واحد، وهما متواطئان على العالم وعلى الصور التي يفرضها على البشر كأفراد، كل واحد من هؤلاء يتعلّق ببصماته الاستثنائية كخشبة خلاص من حياة جارفة لا قرار لها.

حكايات داكنة الملامح رغم غياب الظلال فيها
حكايات داكنة الملامح رغم غياب الظلال فيها

 

17