اليرموك مخيم الرعب والموت البطيء

الأحد 2014/03/02
طوابير من الوجوه الهزيلة تتطلع بشوق إلى لقمة تسد بها جوعها

دمشق- يبحث اللاجئون في مخيم اليرموك عما يسد الرمق في حاويات القمامة في حين ينتظر العجائز والمسنون في الشوارع مستسلمين أن يودعوا هذا العالم.. إنه الموت البطيء في مخيم اللاجئين الفلسطينيين الضخم الواقع جنوب دمشق والمحاصر منذ أشهر من الجيش السوري.

تفضح الطوابير الطويلة للحصول على غذاء يأس اللاجئين بمخيم اليرموك بسوريا.

ويوحي المنظر بوحشة مخيفة: جماهير غفيرة من آلاف الرجال والنساء والأطفال تتدافع على امتداد طوابير لا نهاية لها، بمخيم اليرموك للاجئين بدمشق، مُحاصرة بدورها أعوان وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا)، التي توفر العناية والدعم للاجئين الفلسطينيين. الكلّ يأمل فقط في الحصول على بعض الخبز.

في مخيم الرعب هذا، الذي نشرت وكالة تابعة للأمم المتحدة صورا صادمة له هذا الأسبوع، يظهر آلاف السكان بوجوه هزيلة ينتظرون توزيع مساعدة، يقبع آلاف الأشخاص تحت الحصار، داخل اليرموك، في معاناة متواصلة من نقص الغذاء والدواء وعدّة ضروريات أخرى.

وبعد أشهر من المعارك المحتدمة بين مقاتلي المعارضة السورية والقوات النظامية ومن القصف، لم يعد يقيم في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين سوى 40 ألف شخص بينهم 18 ألف لاجئ فلسطيني. وكان يضم قبل الثورة السورية 150 ألف لاجئ فلسطيني.

"نحن نعيش في سجن كبير… هنا لا شيء، نحن نموت على نار هادئة"

تظهر في الصور مباني مخيم اليرموك، في يأس يعكس بؤس لاجئيها، محطمة، في أنقاض تتدلى من الأسقف، جرّاء القصف المتواصل الذي تعرّضت له. وقد عرقلت الحرب الأهليّة السورية، التي اندلعت منذ 3 سنوات، كلّ المحاولات الدولية لمساعدة اللاجئين المُحاصرين داخل المخيم.

وصف الناشط رامي السيد الحياة هناك قائلا: “نحن نعيش في سجن كبير… هنا لا شيء، نحن نموت على نار هادئة”. وتابع “أحيانا تكون من حولي مجموعات من الأطفال ويتوسلون لي قائلين “بالله عليك نريد أن نأكل أعطنا طعاما” وطبعا ليس لديّ ما أوفره لهم”.

ويضيف الناشط الشاب “الأمر مأساوي فعلا. في الشوارع ترى الناس وقد هزلت أجسادهم ووجوههم خالية من الحياة. ويمكن قراءة الحزن في كل مكان”. ويتابع بألم “نأكل الأعشاب ونعد منها أحيانا حساء لكن طعمها مر، حتى الحيوانات لن ترغب في احتسائها (…) وإذا قصدنا حقلا لجمع أعشاب يطلق قناص علينا النار”. وحتى وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) التي توزع منذ يناير الغذاء بشكل متقطع على السكان المحاصرين، تبدو غير قادرة على مواجهة هذا الوضع الإنساني.

خلال الأسابيع الماضية، وزّع أعوان الأمم المتحدة ما يقارب 7 آلاف طرد غذائي –كل طرد مكون من لحوم معلبة وأرز وعدس، خلال الأسابيع الماضية، على خلفية الاتفاق الذي وقعته المعارضة المسلحة مع الحكومة السورية وبالتعاون مع فصائل فلسطينية لإيصال الغذاء والمساعدات للاجئين في المخيّم. إلا أنّ الأمم المتحدة تصف الكميات المحدودة من الغذاء والدواء التي وزعتها بـ”القطرة في المحيط”. ويُذكر أنّ عزل اليرموك، منذ شهر يوليو الفارط، يعرّض حاليا لاجئيها إلى خطر الأمراض، الجروح –المتأتية من القتال- والموت.

ويفرض الجيش السوري منذ صيف 2013 حصارا خانقا على المخيم ما جعل المدنيين فيه يعيشون في ما يشبه الغيتو وفي عوز تام.

وقد وصف فليبو غراندي -المفوض العام لوكالة الأونروا- اليرموك بالمدينة الشبح، إثر زيارته للمخيم، مُصرّحا: “لا يمكن تخيّل دمار المكان. لا يخلو أي مبنى من الخراب والتدمير. جميعها اسودّت من الدخان”.

كما أعرب المفوض العام للأونروا عن صدمته إزاء يأس اللاجئين الذين تدفقوا نحو نقاط التوزيع: “هم كالأشباح. فهم مُحاصرون هناك، دون أمل في الخروج، دون غذاء، دون دواء، دون ماء صالح للشراب.. وهم كذلك مذعورون، باعتبار وجودهم في قلب الحرب.. هم بالكاد يتكلمون. حاولت محادثة بعضهم، وتُترجم جميع إجاباتهم حالة الحرمان القصوى التي يعيشونها”.

وكما ذكّر غراندي بعجز الأونروا عن إيصال الإعانات إلى عدد كبير من اللاجئين: “ماذا عن أولئك الذين يعجزون عن التنقل إلى نقاط التوزيع؟ هم كثيرون –ضعاف، عجائز أو أطفال مُشردون- لم يحصلوا البتة على أية إعانة”.

وتحذّر الأونروا بأنّ تدهور الأوضاع داخل المخيم قد يؤدي إلى انتشار الأمراض، وهو ما تُثبته التقارير الرسمية المُصرّحة بوفاة أمهات أثناء الولادة، وأكل عائلات لأغذية مخصّصة للحيوانات، ممّا دفع الأمم المتحدة إلى إرسال 10 آلاف جرعة من لقاح شلل للأطفال، خلال الشهر الماضي.

صندوق المساعدات كنز ثمين لمن يحصل عليه

وقد وافق مجلس الأمن الدولي، الأسبوع الفارط، على قرار إنساني تاريخي، يدعو جميع الفصائل المتصارعة إلى “رفع الحصار الذي يفرضونه على مناطق مختلفة في البلاد، تسهيلا لمبادرة الأمم المتحدة وعدّة وكالات إنسانية أخرى بمساعدة المدنيين”. إلّا أنّ غراندي أكّد في الوقت ذاته أن هناك حاجة للمزيد، مُذكّرا أنّ كلّ عملية توزيع للإعانات تتطلّب قدرا هائلا من “المناقشات شديدة التعقيد مع العديد من الأطراف”.

وقد آوى مخيم اليرموك –الذي يبعد أكثر من 8 كيلومترات عن مركز دمشق-، قبل الحرب، حوالي 150 ألف لاجئ فلسطيني، فرّ الكثير منهم إلى مناطق أخرى من سوريا، وتوجّه بعضهم إلى غزّة. كما تؤكّد تقارير حديثة للمرصد السوري لحقوق الإنسان أنّ قرابة 3300 شخص لقوا حتفهم جرّاء الحرب السورية، منذ بداية السنة الجديدة، وأنّ 70 مقاتلا من المعارضة قد قُتلوا خلال هجوم من الحكومة السورية على منطقة للمتمرّدين، جنوب دمشق، خلّف كذلك عشرات المفقودين.

وقد تسبّبت الأزمة الأهليّة السورية، منذ اندلاعها سنة 2011، بمقتل ما يزيد عن 100 ألف شخص، وتشريد حوالي 6 ملايين آخرين. وتُصرّح الأونروا بمقتل 12 من أعوانها بسوريا، منذ بداية هذه الحرب، واختفاء 20 آخرين.

4