اليساريون والإسلاميون في تونس: المسارات المتعارضة

الجمعة 2017/01/13

كانت هناك محطتان معروفتان التقى فيهما قطاع من اليساريين مع الإسلاميين في تونس. المحطة الأولى هي هيئة 18 أكتوبر 2005 للحقوق والحريات، ضمن مجموعة من مكونات الطيف الديمقراطي الواسع المعارض للرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، رغم أن حركة النهضة كانت قد وقعت على الميثاق الوطني مع بن علي سنة 1988 فيما رفضه حزب العمال.

وكانت تلك الهيئة قد عبّرت عن نفسها ضمن إضراب الجوع الشهير الذي خاضه المنتمون إليها في مكتب أحد المحامين في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة، تزامنا مع عقد تونس للمؤتمر العالمي الثاني لمجتمع المعلومات لإحراج نظام بن علي. وكانت الغاية من بعث تلك الهيئة التصدي للاستبداد الذي كان اليساريون والإسلاميون على السواء من ضحاياه.

المحطة الثانية تتمثل في الحوار الوطني السياسي الذي انعقد سنة 2013 ضمن أغلب الحساسيات السياسية ومكونات المجتمع المدني لا سيما المنظمات الأربع الكبرى. وكان الهدف منه إنقاذ تونس من حكم “الترويكا” الذي كان يقوده الإسلاميون وأدى إلى الفشل وإنهاك الدولة وتقسيم المجتمع ونشأة الميليشيات والمنظمات الإرهابية، وافتتح فيه عهد الاغتيال السياسي وبدأ يعرف المواجهات العسكرية بين قوات الجيش والأمن وبين الإرهاب المسلح.

ولئن كان الإسلاميون وطيف واسع من اليساريين لا سيما حزب العمال والحزب الديمقراطي التقدمي من مهندسي هيئة 18 أكتوبر 2005 والفاعلين في التنظير لها وفي نضالاتها معا، فإن الأمر اختلف في الحوار الوطني سنة 2013 إذ رفض الإسلاميون طويلا الانضمام إليه وتعنّتوا في ذلك مع حليفهم حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي كان يرأسه الرئيس المؤقت آنذاك منصف المرزوقي والذي لم يلتحق بذاك الحوار الوطني مطلقا.

ولم يلتحقوا به إلا بعد لقاء باريس الشهير بين الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي في أغسطس 2013 تحت تأثير اعتصام الرحيل في باردو التاريخي، وما تضمنه ذلك اللقـاء من ضمانات لحركة النهضة انتهت بها إلى قبول المشاركة في الحوار الوطني الذي تشرف عليه المنظمات الوطنية الأربع الكبرى ويقوده الاتحاد العام التونسي للشغل. ثم قبلت التنازل عن الحكومة إقرارا بالفشل وبانسداد الآفاق والحلول أمامها، مقابل الحفاظ على المجلس التأسيسي بأغلبيته النهضوية الكاسحة واستئناف كتابة الدستور.

فلئن كانت هيئة 18 أكتوبر هيئة مشتركة كان فيها حد أقصى من التحاور والنقاش النظري بين طيف اليساريين والإسلاميين لوضع اللبنات الرئيسية لميثاق الهيئة بما في ذلك حقوق المرأة، فإن الحوار الوطني لسنة 2013 كان علامة صارخة على الصمم الذي ساد العلاقة بين الإسلاميين واليساريين.

فالإسلاميون كانوا وقتها قد غيروا موقعهم من المعارضة إلى الحكم، بينما ظل اليساريون في مواقعهم المعارضة ولكن فقط خرجوا من السرية إلى العلنية. ويمكن القول إنه منذ سقوط نظام بن علي تغيرت المسارات بين الإسلاميين واليساريين، كما تغيرت التقاطعات بينهما.

المسارات بين اليساريين والإسلاميين في تونس تقاطعت قليلا وتعارضت كثيرا، ولكن الشعب التونسي خبر الإسلاميين في مواقع الحكم ولم يجن إلا الفشل وتعقد الأزمات والمشكلات من البطالة إلى غياب التنمية إلى توطن الإرهاب

فحزب العمال الذي كان من المكونات الرئيسية لهيئة 18 أكتوبر مع الإسلاميين لم يقترب من حركة النهضة بعد الثورة، فلم ينضم إلى الهيئة العليا للإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي التي ترأسها عياض بن عاشور وأشرفت على المرحلة الانتقالية لسنة 2011 بما في ذلك انتخابات المجلس التأسيسي لسنة 2011. وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد، حزب الشهيد شكري بلعيد، الذي لم يشارك في هيئة 18 أكتوبر، كان فاعلا في هيئة بن عاشور.

ورغم هذه التقاطعات الظرفية لليساريين مع الإسلاميين، فإن المشاريع والرؤى والبرامج وحتى الولاءات كانت متعارضة. فاليساريون لم يكونوا متلهفين على الحكم. وكانت شعاراتهم ونضالاتهم ديمقراطية تتجه نحو إعلاء القيم الإنسانية العليا، وتبحث عن تحقيق التحرر الفعلي وإرساء العدالة الحقيقية، والحفاظ على الدولة الوطنية.

بينما لا ينفك رئيس حركة النهضة، وقادة حزبه من ورائه، عن التأكيد بأن حركتهم حركة حكم. ورغبتهم في الحكم جعلتهم مستعدين لخلط الأوراق وتغيير التحالفات ومصادقة العدو ومعاداة الصديق، وقد فعلوا ذلك في تجربة 2014 مع نداء تونس. فلكأن الحركة لم تعد تقبل أن ترى نفسها في غير هذا الموقع المشارك في الحكم، مهما كانت طبيعة المشاركة ومهما كان حجمها ومهما كانت نتائجها وتقييمها.

هوس حركـة النهضة بالحكم جعلهـا تقبل بحصة ضئيلة في حكومتي الحبيب الصيد رغم أنها صـارت الأولى مـن حيث عـدد النواب في البرلمان بعد انشطار حزب نداء تونس الذي كان الأول في انتخابات 2014. ولكنها تتعامل مع الحكـومة بمكر كبير، إذ عنـد انفجـار الأزمـات لا تنفك تذكّر بمشاركتها الضعيفة وغير المؤثرة في الحكومة في تلميح إلى أنها لا تـتحمل المسؤولية.

ولا ندري السبب في ترفيع رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد في نصيب حركة النهضة من الحقائب إن كانت الرغبة في الاستفادة من تجربتها في حكم الترويكا، والتي قيّمناها أعلاه، أم العمل على توريطها في الحكم لسحب الذرائع منها لا سيما أمام تزايد مشكلات الائتلاف الحاكم في مواجهة الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي ينحدر باستمرار نحو التأزم والتهاوي. وفي الوقت الذي يقود فيه اليساريون الشارع التونسي المعارض لقانون المصالحة مع النظام القديم والتوبة لفائدة الإرهابيين، فإن الإسلاميين، بقيادة حركة النهضة، يساومون في مسألة المصالحة ويدافعون بشراسة عن عودة الإرهابيين من ساحات القتال مستهينين بأمن تونس.

ولا أحد يفهم السبب من وراء هذه المواقف لحركة النهضة التي تعتبر المستفيد الأكبر من سقوط النظام القديم ومن الوضع القائم بعد الثورة عموما. فهي لم تغـادر مربع الحكم منذ 2012 إذ شاركت في 5 حكومات وكانت مؤثرة في دائرة القرار السيادي لتونس. وتمكنت من تشغيل أبنائها في الوظيفة العمومية والقطاعات العامة تحت غطاء العفو التشريعي العام، وهو ما أدى إلى ترنح هذه القطاعات بشكل كامل لم تبرأ منه بعد.

لا يمكن أن نقبل دفاع النهضة عن عودة الإرهابيين إلا بأحد أمرين؛ إما أنها تستعمل هذا الملـف ورقة ضغط على حلفائها في الحكم لكسب مواقع جديدة والحصول على تنـازلات منهـم، وإمـا أن ميلهـا السلفي يغلبها تحت تأثير الجناح المتشدد داخلها الذي لم يضعف ولم يغادرها، كما يدّعي رئيسها، وإنما ينتظر الفرصة المناسبة لتولي الأمور.

المهم أن المسارات بين اليساريين والإسلاميين في تونس تقاطعت قليلا وتعارضت كثيرا، ولكن الشعب التونسي خبر الإسلاميين في مواقع الحكم ولم يجن إلا الفشل وتعقد الأزمات والمشكلات من البطالة إلى غياب التنمية إلى توطن الإرهاب، أما اليساريون فمازالوا حاملي شعلة الثورة يؤمنون بها في نضال بروموثيوسي لا يكل ولا يتوقف.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

9