اليساري يواجه المشير والمصريون يتطلعون إلى حاكم لا يخذلهم كالسابقين

السبت 2014/05/24
"عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية" مطلب المصريين الدائم

القاهرة – قبل ساعات من بداية الصمت الانتخابي، يتصدر المرشح عبد الفتاح السيسي، سباق الرئاسة بمصر، باعتباره المرشح الأوفر حظا، سيما بعد حصوله على معظم أصوات المصرين في الخارج بنسبة 94.52 بالمئة من الأصوات الصحيحة.

استبشر المصريّون بخبر مقتل زعيم جماعة “أنصار بيت المقدس″ الإسلامية المتشددة مع خمسة من كبار قادة هذه الجماعة الجهادية، على أيدي قوات الأمن المصرية في شبه جزيرة سيناء. واعتبروا هذه العملية بداية مبشّرة لعهد جديد تقف مصر على أعتابه وسينطلق مع حسم أمر الرئيس الجديد من خلال الانتخابات الرئاسية.

ويبعث خبر مقتل شادي المنيعي، زعيم جماعة “أنصار بيت المقدس″ وخمسة من كبار قادة تنظيمه الجهادي، الذي يستلهم أفكار تنظيم القاعدة، برصاص قوات الأمن، بشيء من الطمأنينة في صفوف المصريين، في الداخل، الذين يستعدّون للتوجه، يومي 26 و27 مايو إلى صناديق الاقتراع لحسم نتيجة السباق الرئاسي الدائر بين المشير عبد الفتاح السيسي والسياسي اليساري حمدين صباحي.

وكانت تقارير أمنية كشفت أن جماعة الإخوان المسلمين وأنصارهم من جماعات التيار الإسلامي، خصوصا الجهاديين من أتباع تنظيم القاعدة، يخطّطون لإفشال الانتخابات، ومن أجل تحقيق ذلك ذكرت مصادر سياسية وإعلامية أن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين ضخّ أكثر من مئة وخمسين مليون دولار أميركي لدعم الجماعة في مصر، التي قال عنها عبد الفتّاح السيسي إنه لن يكون لها وجود إذا فاز برئاسة مصر.

واعتبر هذا التصريح رفضا مصريا مطلقا مع أي حوار أو تهدئة مع جماعة الإخوان المسلمين المصرية ومن ورائها التنظيم الدولي، الذي تتوزّع فروعه على أكثر من ثمانين دولة في العالم.

وهذه القطيعة المعلنة من جانب السيسي، الأوفر حظا للفوز برئاسة مصر، وحديثه الأخير بأن الجيش المصري لن يحمي الأمن القومي لمصر فقط، بل الأمن القومي العربي كاملا صعّدا من غضب الإخوان الذين لا تقتصر معارضتهم على مقاطعة الانتخابات، وإنما تجاوزو ذلك إلى الهجمات الإرهابية المتزايدة.

ويتوقّع مراقبون أن يكون الصراع بين عبد الفتاح السيسي، في حال فاز بالرئاسة، والإخوان جزءا هاما من الحياة في مصر في السنوات المقبلة.

استطاع صباحي أن يحصل على دعم عدد من الأحزاب الليبرالية وأخرى تميل إلى الفكر اليساري وحركات شبابية ثورية


انتخابات مبكرة


أطاح الجيش بالرئيس الإسلامي محمد مرسى إثر احتجاجات حاشدة في يوليو الماضي وبادر مباشرة بوضع “خريطة طريق” إلى الديمقراطية سمحت بتنظيم الانتخابات الرئاسية قبل عامين من الموعد المقرر.

كان من المفترض إجراء انتخابات برلمانية أولا، لكن الحكومة المؤقتة غيرت هذا النظام الترتيبي في يناير، إذ سيتم انتخاب البرلمان في نهاية هذا العام، إثر إحكام قبضة الرئيس على السلطة.

ويحدّد الدستور الجديد (يناير 2014) مدّة حكم الرئيس بفترتين متتاليتين بأربع سنوات. وتتمّ الآن محاكمة محمد مرسى بتهم متعددة: التحريض على قتل المحتجين المناهضين للحكومة، وقتل ضباط سجن خلال عملية فرار سنة 2011، والتجسس والتآمر لارتكاب أعمال إرهابية.

في الوقت الذي يستعد فيه الناخبون المصريون للتصويت في انتخابات الرئاسة المصرية، بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في يوليو الماضي، يسلط الضوء هذا العام على اثنين فقط من المرشحين، هما: وزير الدفاع المستقيل المشير عبد الفتاح السيسي، والمرشح اليساري حمدين صباحي، وهو ما أعطى للناخبين فرصا أقل وغير متنوعة للاختيار، مقارنة بانتخابات عام 2012، حيث مثل 13 مرشحا طائفة من الأيديولوجيات السياسية.

ومن المقرر أن تعقد الانتخابات يومي 26 و27 مايو الجاري، ومن المتوقع الكشف عن اسم الرئيس الجديد مطلع يونيو المقبل، وبغض النظر عن المؤيدين والمنتقدين، نرى أن النتائج قد قررت بالفعل لصالح السيسي، لاسيما في ضوء تصويت المصريين بالخارج، ويظل هناك مجال للمفاجأة وهو إمكانية مقاطعة قطاع شعبي للانتخابات الرئاسية.

وأعلنت العديد من الأحزاب الإسلامية (وليس جميعها) أنها سوف تقاطع الانتخابات، رغم أن بعضها يؤيد السيسي. ويعتبر الإخوان المسلمون أن محمد مرسي هو “الرئيس الشرعي لمصر” ويرفضون الاعتراف بهذه الانتخابات الجديدة.

التحالف الوطني لدعم الشرعية الموالي لمرسى يصف الانتخابات بأنها “مهزلة”، في حين وصفتها الجبهة السلفية بأنها “غير شرعية”. وأعلنت الذارع السياسية للجماعة الإسلامية، حزب البناء والتنمية، أنّ أكثر من أعضائه يؤيدون المقاطعة.

ودعت كذلك حركة شباب 6 أبريل العلمانية –التي برزت خلال الثورة ضدّ حسني مبارك- إلى المقاطعة، بقولها إن الانتخابات مجرد وسيلة “لتتويج” السيسي.

وضع المشير عبد الفتاح السيسي خطة طموحة لتطوير الزراعة والإسكان والتعليم والنهوض بالمناطق الفقيرة وتوفير فرص العمل. ويكمن غموض برنامجه في كيفية توفير الأموال الضخمة المطلوبة، فهو يقود حملته تحت شعار “تحيا مصر!”.

ويؤكّد أن فوزه سيعني “نهاية” الإخوان المسلمين كقوة سياسية. ويتمتع المشير بدعم من رجال الأعمال، بالإضافة إلى مجموعة واسعة من الأحزاب السياسية تنتمي إلى التيارات الإسلامية اليمينية واليسارية المعتدلة.

من جهته، يمثّل حمدين صباحي قائد التيار اليساري منذ السبعينات، وهو البديل الأمثل بالنسبة إلى الناخبين الشبان الذين يفضلون مرشحا مدنيا على مرشح عسكري. تحت شعار “سنواصل حلمنا”، يعد صباحي، في إطار حملته الانتخابية، بمكافحة الفساد وعدم الكفاءة وتعزيز الحقوق المدنية.

لكنه يصرّ، على غرار منافسه السيسي، على التصدي لعودة مرسي والإخوان المسلمين المصنفة كجماعة إرهابية. أمّا الأحزاب التي تساند صباحي فأغلبها يسارية. وسيراقب الاتحاد الأوروبي الانتخابات في كافة أنحاء البلاد. من جهتها، سترسل الجامعة العربية 100 مراقب، وسيرسل الاتحاد الأفريقي بعثة رغم تعليقه لعضوية مصر العام الماضي.

يعتبر أنصار السيسي، مرشحهم الرجل المطلوب من أجل التغلب على المخاوف الأمنية والاقتصادية

وستواجه الرئيس المصري القادم، على الصعيد الداخلي، عدة قضايا سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية. إذ يتوقع المصريون من الرئيس إيجاد حلول للبطالة وإرساء المساواة ومكافحة الفساد، لكن إعادة الأمن يبقى التحدي الأكبر.

في الخارج، سوف يسعى الرئيس الجديد إلى الحفاظ على العلاقات الودية مع الولايات المتحدة والغرب، مع محاولة تحسين العلاقات مع الدول التي دعمت مرسي ( تركيا و قطر) وإلى حد ما، إيران.


الجيش يكرس سيطرته


يكاد يكون فوز وزير الدفاع القائد العام السابق للجيش عبد الفتاح السيسي مؤكدا على منافسه الوحيد السياسي اليساري حمدين صباحي. وسيكون السيسي بذلك سادس الرؤساء المصريين منذ إطاحة الملكية عام 1952.

وقد جاؤوا جميعهم من الجيش، باستثناء وحيد هو محمد مرسي الذي انتخب بعد إطاحة حسني مبارك إثر ثورة يناير 2011.

وكانت هذه الثورة فاجأت كل مؤسسات الدولة بما فيها الجيش، الذي ظل حسب المحللين، يلعب دور الضامن والحامي للأنظمة المتعاقبة حتى 2011.

ومع أن دور الجيش السياسي تقلّص في عهد مبارك، إلا أنه عندما اضطر في الحادي عشر من فبراير 2011 إلى التنحي تحت ضغط التظاهرات الشعبية لم يجد أمامه إلا أن يسلم السلطة للجيش.

ويقول أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في القاهرة مصطفى كامل السيد إن “الجيش سيستعيد (مع انتخاب السيسي) دوره في رسم السياسة في مصر”.

ويضيف أن “دور الجيش تضاءل في عهد حسني مبارك ولم يعد للقوات المسلحة تأثير في عملية صنع القرار وفي تحقيق الأمن السياسي الذي تم الاعتماد فيه أساسا على قوات الشرطة، وفي السنوات العشر الأخيرة من حكمه خصوصا اقترن صعود نجله جمال مبارك بتنامي دور النخبة المدنية المحيطة به على حساب القوات المسلحة”.

ويؤيد أحمد عبد ربه، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، هذا الرأي ويقول إنه “في عهد مبارك كانت هناك معادلة تقضي بأن يترك للجيش مؤسساته الاقتصادية المستقلة وأن يكون للعسكريين نصيب في الجهاز الإداري للدولة ولكنه يظل بعيدا عن رسم السياسة العليا للبلاد”.

ويتابع “رغم ذلك ظل الجيش يلعب دور رمانة الميزان طوال الوقت” منذ سقوط الملكية “لذلك لم يكن بوسع أحد إزاحة مبارك إلا الجيش وتكرر الموقف في ظروف مختلفة مع مرسي”.

ويقول الخبراء إن الجيش المصري بوغت بثورة 2011 وارتبك مثل كل مؤسسات الدولة، وسعى إلى التحالف مع جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها أكبر قوة سياسية منظمة في الشارع آنذاك إلا أنه عاد ووجد “فرصة ذهبية” لاستعادة زمام السلطة في يده.

ويقول عبد ربه “في لحظة 11 فبراير كان الجيش في أقصى درجات الخوف، إذ كانت هناك معادلة تريحه في ظل مبارك: رئيس للجمهورية جاء من القوات المسلحة ويضمن امتيازاتها واستقلالية مؤسساتها الاقتصادية”.

ويتابع “فجأة رحل الرئيس وانهار حزبه ولم يعد هناك إلا الجيش والأجهزة الأمنية للدولة والإخوان المسلمون فسعت القوات المسلحة إليهم من أجل صياغة معادلة حكم جديدة”.

ويشير عبد ربه إلى أنه “بعد سنة من حكم مرسي سنحت فرصة ذهبية للجيش وأجهزة الدولة” لاستعادة نفوذهما في السلطة إثر “تصاعد الغضب ضد الإخوان بسبب افتقادهم إلى رؤية حقيقية لحل المشاكل الاقتصادية للبلاد وبسبب الخطاب الطائفي” الذي تبنّوه.

وبعد الإطاحة بمرسي في الثالث من يوليو الماضي بدا واضحا أن القوات المسلحة تريد استعادة زمام السلطة وشنت مع الأجهزة الأمنية حملة ضد أنصار مرسي أسفرت عن مقتل 1400 منهم على الأقل. كما تم توقيف وحبس أكثر من 15 ألفا آخرين.
يحتل الجيش المصري المركز الرابع عشر على مستوى العالم حسب احصائيات غلوبال فاير باور

ويقول كامل السيد إن البيان الذي أصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة مطلع مارس الماضي لإعلان دعمه لترشح السيسي يوحي بأن ترشحه “يأتي بناء على تزكية من الجيش وبتفويض منه وهو ما يعني أن القوات المسلحة تحتفظ لنفسها بالسلطة في تحديد من يترشح للرئاسة”.

وفي ما بدا إشارة واضحة إلى التزامه تجاه القوات المسلحة، حرص السيسي على إعلان ترشحه للرئاسة وهو يرتدي البزة العسكرية قبل أن يعلن في اليوم التالي إنهاء خدمته في الجيش واستقالته من منصبه كوزير للدفاع.


إقرأ أيضا:


* واشنطن تحاول استمالة القاهرة بـ«الحرب على الإرهاب»


* محلل سياسي أميركي: عدة عوامل ستسهم في تلاشي الإخوان

6