اليسار الأوروبي ضائع ومحمود درويش مفكرة شعب

الكاتب البرتغالي الراحل خوزيه ساراماغو تميز بحسّ إنساني رفيع يتجلى في مجمل أعماله، كما في مواقفه الأدبية والسياسية.
الخميس 2018/03/01
اليسار دفع الثمن غاليا مقابل أوهامه

بعد ثلاثة أشهر تحل الذكرى الثامنة لرحيل الكاتب البرتغالي خوزيه ساراماغو الذي لم يكن يتردد في تسخير قلمه ولسانه للدفاع عن الحرية، وعن الشعوب المُسْتضعفة، وعن القيم الإنسانية النبيلة التي تدوسها الدول الكبرى، والشركات المتعددة الجنسية التي لا تأبهُ بسحق الإنسان مقابل الربح السريع والمصالح الآنية. وهذا ما يتضح لنا من خلال اليوميات التي دَوّنها في السنتين الأخيرتين اللتين سبقتا رحيله، والتي صدرت بعنوان “المفكرة” عن “دار النشر للتوزيع” بدمشق.

ورغم أن الترجمة التي أنجزها عدنان حسن عن الإنكليزية، لا عن اللغة الأم، لم تكن مُوفقة في الكثير من المواضع، فإن قراءة هذه اليوميات لا تخلو من متعة ومن إفادة خصوصا لمن يروم الاقتراب أكثر من العالم الإنساني لخوزيه ساراماغو.

السياسة والثقافة

في بداية هذه اليوميات، وتحديدا بتاريخ 15 سبتمبر 2008، هو يمجد مدينة لشبونة التي كانت مسرحا للعديد من رواياته. يتوقف عند اسمها الذي شهد تغيرات عبر العهود، فقد سميت بـ”أوليسيبو”، ثم “أوليسيبونا” عندما حكمها العرب المسلمون، لكنهم سرعان ما أصبحوا يسمونها “آشبونا” ثم”لشبونة”. وبعدها احتفظت باسمها البرتغالي “ليزابوا”.

ويكتب ساراماغو قائلا “كانت لشبونتي دائما لشبونة الجيران الفقراء. وعندما دفعتني الظروف، بعد سنوات عديدة، إلى العيش في بيئات أخرى، كانت الذاكرة التي فضلت دوما أن أحتفظ بها، هي ذاكرة لشبونة سنواتي الأولى، لشبونة الناس الذين يملكون القليل لكن مشاعرهم جمة، أولئك الذين لا يزالون ريفيين في عاداتهم، وفي فهمهم وإدراكهم للعالم”. ويتأسف الكاتب للتشويه الذي حدث للشبونة باسم التحديث، لكنه يقول إن روحها ستظل حية لتجعل منها مدينة “خالدة”، و”أميرة” المدن. ويكفي لشبونة أن تظل بحسب رأيه “مثقفة، نظيفة، منظمة، دون أن تفقد شيئا من روحها”.

يتميّز الكاتب البرتغالي الكبير خوزيه ساراماغو الحائز على جائزة نوبل للآداب، والذي رحل عن الدنيا عام 2010، مُخلفا للمكتبة العالمية روايات خالدة، بحسّ إنساني رفيع يتجلى في مجمل أعماله، كما في مواقفه الأدبية والسياسية. وهو الذي جاء إلى الكتابة من مهنة الحدادة الشاقة، لم يكن يقبل بأي حال من الأحوال أن يظل صامتا ولامباليا تجاه مختلف القضايا التي تشغل بلاده والعالم برمته

ويشنّ خوزيه ساراماغو هجوما عنيفا على الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش باعتباره رمزا للكذب والخداع في عالم السياسة. وهو يرى أنه دخل “البيت الأبيض” بعقلية “الكاوبوي” الذي يعتقد أن القوة وحدها هي القادرة على ردع الخصوم، و”تهذيب” سلوك الدول “المُتنطّعَة”، وفرض المفهوم الأميركي للديمقراطية حتى ولو أدى ذلك إلى حروب مدمرة مثلما كان الحال في العراق. ويعترف ساراماغو بأن الولايات المتحدة الأميركية بلد “عظيم”، إلاّ أن ذلك لم يمنعه من أن يُبْتُلي في أكثر من عهد بحكام “صغار” بحسب تعبيره.

ويشير ساراماغو إلى أن الديمقراطية السياسية تكون من دون فائدة إن لم تكن مدعومة بسياسة اقتصادية وثقافية ناجعة. وهو يضيف قائلا إن “الثالوث الديمقراطي-السياسة، الإقتصاد، الثقافة-» هو الضمان الوحيد للازدهار على جميع المستويات؛ فإن تخلف واحد من هذا الثالوث عن الآخر، باتت مسيرة هذا البلد أو ذاك عرجاء، وقد تتهاوى في النهاية بعد أن تصبح عاجزة عن التقدم.

ويرى ساراماغو أن الاستهلاك الرأسمالي المشط والجنوني المتحكم راهنا في جل المجتمعات، بما في ذلك المجتمعات المتخلفة والفقيرة، أفقد الثقافة قيمتها ليصبح لاعب كرة القدم أهم وأكثر جماهيرية من مفكر أو فيلسوف أو شاعر مرموق. لذا هو يعتقد أن الإنسانية تشهد تقهقرا إلى الوراء. وقد تكون غير واعية بمثل هذا التقهقر لأن التقنيات الحديثة التي سلبت الإنسان جزءا كبيرا من إنسانيته، وحولته إلى “روبو” (كائن آلي) أعمته عن معاينة المخاطر الجسيمة التي تتهدد حاضرها ومستقبلها.

بيسوا ودرويش

يقر ساراماغو بأنه كان خلال مسيرته الأدبية المديدة متعاطفا مع اليسار، ومساندا له في كل الظروف، وفي كل المواقف. وقد يشعر بخطئه أحيانا، إلاّ أن ذلك لم يدفعه إلى القطيعة مع اليسار، لكن بعد أن أدرك سن الشيخوخة المريرة بدأ يتعب، ويحس بالضيق والغضب تجاه العديد من مواقف الأحزاب اليسارية في البلدان الأوروبية. وهذه الأحزاب تبدو له ضائعة، بل فاقدة للبوصلة. ويرى ساراماغو أن اليسار “لم يعد يفكر”، وجبنه يمنعه من “التقدم ولو خطوة واحدة إلى الأمام”، لذلك هو يعتقد أنه دفع الثمن غاليا مقابل أوهامه.

ويعود ساراماغو إلى فرناندو بسوّا، شاعر البرتغال الأكبر، مشيرا إلى أن هذا الأخير كان يحب أن يبتكر لنفسه في كل مرة اسما مستعارا، فكان ريكاردو ريس وكان ألفارو دوكابوس وكان ألبرتو كائييرو وكان بارناردو سواريس. وفي ساعة الاحتضار، طلب نظارتيه. ويقول ساراماغو إنه قد يكون فعل ذلك ليعرف أي كائن أصبح قبل أن يفارق الحياة.

في ساعة الاحتضار، طلب بيسوا نظارتيه وقد يكون فعل ذلك ليعرف أي كائن أصبح قبل أن يفارق الحياة

ومتطرقا إلى القضية الفلسطينية، يعود خوزيه ساراماغو إلى الأسطورة التوراتية التي تتحدث عن انتصار داوود الصغير على غوليات العملاق ليخلص إلى القول إن داوود هو غوليات. وهو يجسد الغطرسة الإسرائيلية في أبشع مظاهرها. وداوود في فلسطين المحتلة الآن هو “رجل أشقر الشعر يطير فوق الأراضي الفلسطينية في طائرة هليكوبتر، ويطلق الصواريخ على أهداف عزلاء”. كما أن داوود “الذي كان بريئا ومرهف الحس” في الأسطورة التوراتية “يحْشد الآن أعتى الدبابات في العالم ويسحق ويدمر كلّ ما يجده في طريقه”.

وفي الذكرى الأولى لوفاة الشاعر الفلسطيني محمود درويش، كتب ساراماغو قائلا إنه لو كان العالم “أكثر حساسية وذكاء، وأكثر وعيا للجلال السامي للأرواح الفردية التي يُنتجها” لكن اسم محمود درويش “معروف على نطاق واسع، ومثار إعجاب مثلما كان، على سبيل المثال، اسم بابلو نيرودا”.

ويضيف خوزيه ساراماغو قائلا “إن قصائد محمود درويش، المُتَجذّرة في الحياة، في الآلام وفي الأشواق الأبدية للشعب الفلسطيني، تمتلك جمالا شكليا غالبا ما يزين اللحظات المبهمة التي لا توصف بكلمات بسيطة قليلة، مثل مفكرة يمكن للمرء فيها أن يقتفي الكوارث خطوة خطوة، دمعة دمعة، لكن أيضا اللحظات العميقة، وإن تكن نادرة”.

14