اليسار الإسلامي يعيد إنتاج مقولات الإخوان

لو سُمح بطرح سؤال منذ البداية: هل الإسلام السياسي يحتوي فعلا يمينا ويسارا؟ يمكن البحث في المكتبة العربية الحديثة، فيتم العثور مثلا على صياغة فكرية تعتبر اجتهادا قيما، تمكن فيه حسن حنفي من بلورة جناح مواز للإسلام السياسي "القطبي" سماه يسارا إسلاميا. وقد أسس حنفي هذا المشروع بناء على تقنية "الهرمينوطيقا" أي تأويل النص بأدوات العلوم. لكن مشروع حنفي الذي ينتصر للتطور السياسي داخل الإسلام، بقي يدور داخل فضاء "إسلامي سياسي" ولم يغادر المنطلقات الأولى لمبادئ الإسلام السياسي.
الجمعة 2015/08/07
أطروحات الإخوان كانت مرتكز جميع الحركات الدينية ومنها اليسار الإسلامي

ينطلق حسن حنفي، ككل المفكرين الإسلاميين من المنطلق ذاته في كل البدايات، أي من النص الديني أو الدين ككل، ومن العقيدة والإيمان. ولئن كانت لحسن حنفي اندفاعات ذات أفق مغاير يأخذ فيها منطلقاته إلى حيث الإنسان، فيوظف الأنتروبولوجيا لصالح التأويل الديني ويقترب من الواقع الاقتصادي والاجتماعي للشعوب باحثا عن أركان الفعل السياسي في الواقع، إلا أن المنطلق الذي بنى عليه حسن حنفي هذا التوجه يبقى المنطلق الديني، أي ذلك الفضاء الواسع والرحب الذي تتداخل فيه القراءات والفهومات والتأويلات كل حسب مراده.

ويقول الباحث الجزائري شريف طوطاو عند قراءته لمشروع حسن حنفي، إن المشروع “مكن من مرور الإيمان من مرحلة الإحساس الوجداني والعاطفي إلى مرحلة الفعل السياسي، وأن الدين بذلك خرج من دائرة الميتافيزيقا والبحث النظري إلى التاريخ والواقع″.

ولكن بالتأمل في تجربة الجماعات الإسلامية التي سبقت حسن حنفي، والقصد هنا حسن البنا، نجد أنها قد أخرجت الإسلام من مرحلة الشعور الوجداني إلى مرحلة الفعل السياسي وصاغت طريقة لوضع الدين داخل سياق التاريخ والواقع، فأنتجت مباشرة حركة الإخوان المسلمين التي فرخت حركات أخرى أكثر حركية وتعصبا وعنفا. إذن فالملاحظة لا تكمن في إخراج الإسلام من دائرة الثبات إلى دائرة الحركة السياسية أو شكل هذه الحركة، الملاحظة هنا تأخذ شكل تساؤل: هل العرب مطالبون بصياغة نموذج سياسي منطلقه الدين أساسا؟

اشترك حسن حنفي إذن مع باقي الإسلاميين جميعا في أن المنطلق في المشروع الأيديولوجي السياسي هو منطلق ديني والهدف منه سياسي. وبقطع النظر عن مجالات توظيف قراءة حسن حنفي للنص القرآني أو الحديث النبوي، إلا أن السّكون داخل مربع الفكر الديني بقي سلطان التفكير لدى جماعة اليسار الإسلامي، وهذا الأمر ربما سوف تكون له مآلات في المستقبل، نظرا لثبوت ثنائية دين/سياسة، وهي المناخ الذي تنتعش فيه الحركات الأصولية والإسلام الحركي المعروف اليوم والذي تمكن ـرغم طول السنين- من الوصول إلى السلطة، وأمام حياد سياسي من الإسلاميين الآخرين، أي جماعة اليسار الإسلامي.

حسن حنفي لم يحاول مغادرة الإطار الذي يفكر داخله أغلب الإسلاميين ممتهني السياسة من خلال الخطاب الديني

ومن الأدوات النظرية التي مكنت حسن حنفي من بلورة مشروعه “اليسار الإسلامي” هي آلية الهرمينوطيقا. وتعني الهرمينوطيقا علم تأويل وقراءة النص المقدس عبر أدوات علمية حديثة كعلم الأركيولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس والسيمياء اللغوية. وقد استعمل حسن حنفي هذه الآلية عند قراءته للنص الديني واستخلاص مشروعه السياسي والأيديولوجي. واللافت للانتباه في هذا السياق، أن حسن حنفي أعاد إنتاج السلوك ذاته الذي اتبعه سابقوه في التنظير للإسلام السياسي. ولئن كانت اللبنات الأولى لمشروع حنفي قد توازت مع نشاط سيد قطب، إلا أن التماثل في كيفية رؤية القرآن يبقى تقريبا هو ذاته. فلئن وظف حسن حنفي التقنية الغربية وهي الهرمينوطيقا في قراءة النص وبلورة المشروع، فقد أسس سيد قطب توازيا مع ذلك “هرمينوطيقا أخرى” أخطر وأعنف وقد تمثلت أساسا في تلك الآلية المغلقة التي طرحها في كتابه “في ظلال القرآن” وهي الآلية التي تبني التطرف داخل العقل.

ما يمكن الوصول إليه، هو أن حسن حنفي لم يحاول مغادرة الإطار الذي يفكر داخله أغلب المفكرين الإسلاميين، أو بالأحرى ممتهني السياسة من خلال الخطاب الديني. فقد حافظ حنفي على الإطار العام الذي يتغذى منه الإسلاميون للبقاء على قيد الحياة، بل وصناعة جناح يمكن أن يمثل مهربا سياسيا وتكتيكيا للإسلام المتطرف سماه “يسارا إسلاميا”، يلجأ إليه الإخوان مثلا في حالة حصارهم، وهم الطائفة المعروفة تاريخيا بازدواج الخطاب.

13