اليسار الجهادي

الخميس 2014/04/24

عندما يقلب اليسار قميصه يتحوّل إلى أسوأ اليمين، لربّما لأنّه يريد أن يقتل جزءا من ذاته وذاكرته. المفارقة ليست هنا، المفارقة أنّ بعض اليسار يُسمي نفسه يسارا حتى حين يساند أنظمة شمولية أو طائفية أو أصولية أو عنصرية، زاعما أنّ لا صوت يعلو على صوت المعركة ضدّ الامبريالية الأميركية، حتى ولو كان الثّمن هو العودة إلى العصور الوسطى! المشكلة أن هذا اليسار المتهافت يخلط بين الحداثة السياسية والامبريالية، بين الديمقراطية التعدّدية والرّأسمالية، بين الحريات الفردية واقتصاد السوق، بين أميركا ووول ستريت، بين الغرب وصندوق النقد الدّولي، فيرفض الحضارة المعاصرة جملة وتفصيلا، ومن ثمّ يصبح حاله أسوأ من القوى التّكفيرية نفسها، بل قد يصبح أشدّ ضررا على قيم الحداثة من الفاشية الجهادية. مثلا، الصحفي الفرنسي ثييري ميسان، صاحب نظرية أنّ 11 سبتمبر مجرّد “خديعة كبرى”، والصديق الشخصي لمحمود أحمدي نجاد، يتعاون إعلاميا مع إيران وحزب الله، رغم أنه مثلي الجنس ويعرف ما يعنيه ذلك في إيران! بدعوى أنّ الامبريالية الأميركية تمثل الخطر الأكبر على شعوب العالم، وأنّ جحيم إيران، وجرائم الطالبان، وجلادي النساء في السودان، مجرّد ضحايا لعالم غير عادل، وأنّ الضحايا هم دائما على صواب، إلى أن يُرفع عنهم الظلم! وعلى نفس المنهاج يدافع اليساري التونسي حمة الهمامي على “حرية” ارتداء البرقع والنقاب، ويدافع كل من الحزب الشيوعي السوري والحزب الشيوعي اللبناني على “حق” الأسد في حرق البلد. وأذكر أني خلال السنوات القليلة الماضية قرأت عددا من المقالات ليساريين غربيين تكلموا عمّا أسموه بـ”امبريالية حقوق الإنسان” (هكذا!). بهذا النّحو نتوقّع أن يصبح بعض اليسار مجرّد توقيع على بياض على كل ما قد يقوله أو يفعله “مظلومو العالم” حتى وإن كان هؤلاء المظلومون ظالمين لأنفسهم، أو لأقلياتهم، أو لأفرادهم، أو لنسائهم، أو لشعوبهم. وهنا المعضلة.

إنّ اختزال العالم في فسطاطين متقابلين، فسطاط للظّالمين الذين هم دائما على خطأ، وفسطاط للمظلومين الذين هم دائما على صواب، هو ما أوقع كثيرا من اليساريين في مواقف تبسيطية تكاد تبلغ حدّ التفاهة: فبعض اليساريين يردد شعار “الأسد أو لا أحد” بدعوى أنّ الرّجل يواجه الامبريالية والصهيونية! وبعضهم ينافح عن حركة الطالبان باعتبارها حركة “تحرّر وطني” ضدّ الغزاة الامبرياليين، وأمّا عن منع الطالبان للفتيات من مجرّد الحق في التّمدرس فهذا موضوع يعتبرونه مؤجلا إلى ما بعد حسم المعركة ضدّ الإمبريالية ! والبعض الآخر لا يعترض على “حق” الأقليات المسلمة داخل المجتمعات الغربية في تطبيق شريعة فقهاء العصر الوسيط، بدعوى “نسبية القيم”، و”نسبية معايير العدالة” ! وبعض اليساريين يعتبر النقاب والبرقع ضمن الحريات الفردية! وفي كل الأحوال، ليس بمثل هذه التصورات “الطائفية” سنساعد المسلمين على الاندماج في الحضارة المعاصرة.

24