اليسار الذي يشتاق إلى معذبه

الاثنين 2017/01/16

كثيرا ما قرأت هذه العبارة المعبرة: إنّ “أسوأ اليمين هو اليمين المنحدر من رحم اليسار”. قد يبدو هذا الحكم قاسيا للوهلة الأولى، غير أنه في آخر التحليل يعكس واقع الحال. بل لن نجانب الصواب إذا قلنا إن بعض اليسار هو في جوهره أسوأ من اليمين، بل أسوأ حتى من اليمين المتطرف. ولا غرابة في مثل هذا الاستنتاج طالما يتعلق الأمر بيسار يمتلك مهارات التعتيم والتمويه وتبرير ما لا يمكن تبريره، وفضلا عن ذلك، لديه الكثير من أدوات الاشتغال النظري. عندما يتعلق الأمر بالذكاء النظري فإن اليساريين يتفوقون على من سواهم. وهو ما يجعلهم يشكلون داخل المجتمعات الغربية المتقدمة حقلا خصبا لتطور الفكر السياسي الحديث.

غير أن الذكاء النظري من دون حس إنساني سليم قد يصبح مجرّد وبال أخلاقي، لا سيما في مجتمعاتنا المتأخرة. والواقع أن هناك يساريين كثيرين برعوا في تبرير عدد من الجرائم التاريخية لمجرد الاتكال على بعض المعادلات الصورية والحقائق المجردة أثناء التحليل السياسي. ولكم كان الرئيس البرازيلي الأسبق، لولا دي سيلفا، صادقا يوم قال لمستشاريه في الاقتصاد “فكروا كما تشاؤون في المعادلات والأرقام والحسابات، لكن لا تنسوا الرقم الأهم، يحتاج الناس في الواقع المعيش إلى ثلاث وجبات في اليوم”. هنا يكمن الحس الإنساني السليم الذي يجب أن يرافق الذكاء النظري في آخر الحساب.

الأمر نجده في مجالات كثيرة من بينها أننا نلاحظ أن أسوأ الأصوليين هم أولئك المنحدرون من الدراسات الفلسفية ممن امتلكوا بعض أدواتها النظرية. كيف لا ونحن نرى أحد المشهورين منهم يبرر بكل ما أوتي من أدوات التحليل الفلسفي ذهاب الشباب المغاربي إلى الجهاد “الطائفي” في سوريا. عموما، إن أسوأ الخصوم هم خصوم الداخل لأنهم يمتلكون مشروعية استعمال ما يسيئون استعماله. ينطبق هذا على كل الأفكار سواء في السياسة أو الدين بحيث يسهل القضاء على الفكرة حين نتبناها ونسيء استعمالها.

ثمة نوع من أنواع اليسار، يوشك أن يدمر اليسار باسم اليسار، فلا يبقي منه باقية. إنه يسار متخصص في تبرير أسوأ المواقف وأرذل التحالفات، بدعوى “النسبية الثقافية” حينا، وبدعوى “مواجهة الإمبريالية” حينا آخر، أو بدعوى “التكتيك الثوري” في بعض الأحيان. إننا نواجه أمزجة يسارية متعددة لنوع يساري بالغ الضرر. إنه نوع يساري منتشر لا فقط في المجتمعات العربية والإسلامية، وإنما هو موجود أيضا داخل بعض المجتمعات الغربية، لكننا لن نظلمه ولن نجانب الصواب إذا وصفناه بعبارة اليسار المغفل. كل ما يقوم به هذا اليسار أنه يفرش الأرض للتيارات التي غايتها الأسمى أن تنحره هو بالذات وأكثر من ذلك أن تمسح الأرض من الفكر والفن والحرية، وأن تؤبد سبات العقل وأن تشل الوعي لدى الناس.

إننا أمام نوع يساري مذهل بكل المقاييس؛ فهو يعرف كيف انتهت العمامة الخمينية إلى اضطهاد اليسار الإيراني بعد أن استغلته أثناء الثورة الإيرانية، وكيف أحكم آيات الله سيطرتهم على مفاصل الدولة بعد انقلابهم على حكومة أبوالحسن بني صدر عام 1981، لكنه يصر على اعتبار إيران وحزب الله حليفين ضدّ الإمبريالية الغربية. إنه لا ينكر ما يحمله البرقع السلفي من نظرة دونية إلى المرأة باعتبارها مجرد عورة يجب وأدها بالثوب الأسود، لكنه يعتبره حرية شخصية وجب احترامها. إنه يشاهد يوميا الجرائم التي يقترفها الجهاديون التكفيريون ضدّ الجميع، وضد أنفسهم، سواء في المجتمعات حيث الفتنة قائمة، أو حيث الفتنة نائمة، لكنه يعتبرهم نافعين من وجهة نظر التكتيك الثوري.

إنه يدرك بأن الحركات الانفصالية تضعف نسيج التضامن الوطني لدى الشعوب والدّول، لكنه يرى الأمر يندرج ضمن حق الشعوب في تقرير مصيرها. إنه لا يرى في نظام بشار الأسد شيئا آخر غير الفاشية التي طحنت عظام العشرات من اليساريين أنفسهم، لكنه يراه حليفا في مقاومة المد الوهابي. إنه يعرف ويعترف بأن أردوغان يصنع من نفسه دكتاتوراً جديدا في المنطقة، وبأنه بدأ يُحكم سيطرته المطلقة على كل مفاصل الدولة، لكنه يعتبره حليفا ضدّ “الدّولة العميقة”.

إنه يعلم بأن رئيس الحكومة المغربية عبدالإله بن كيران صنيعة وزارة الداخلية في عهد إدريس البصري، وبأنّ فترة رئاسته للحكومة كانت الأسوأ من حيث الحريات العامة والعيش الكريم، وبأن خطأه القاتل هو تهديده لأولياء نعمته داخل أجهزة الدولة بالعودة إلى الشارع في حال عدم فوزه في الانتخابات، إلا أنه يعتبره حليفاً ضدّ “التحكم” والاستبداد.

فمن هو هذا اليسار؟ إنه من قال الشاعر باسمه: ولي فؤاد إذا طال العذاب به * هام اشتياقا إلـى لقيا معذبه.

كاتب مغربي

9