اليسار السوري تيار متعدد ووجه المعارض المنهك

الأحد 2015/01/25
اليسار السوري يعجز عن تطوير فكره

وجوه اليسار النظامي، أي قيادات الأحزاب الشيوعية لا تستحق أن يفرد لها المرء تعليقا على ستاتوس، ولكن مشكلتنا معها أنها لا زالت تقدم نفسها كيسار بل وكشيوعية كذلك. اليسار الجذري لم يتردد لحظة بتأييد الثورة؛ إذ أن بعضه كان سبّاقاً في استشرافها، حيث شكّل في 2002 منظمة “ناشطو مناهضة العولمة في سوريا”، وقد كان واضحاً له منذ ذلك الوقت أن الوضع العام سيتدهور أكثر فأكثر، وستحدث ثورات اجتماعية كحال البلاد التي تنتج الاقتصاد الليبرالي الحرّ ومنها سوريا.

الأحزاب الشيوعية بقياداتها التاريخية الأبدية، أي بوجوهها التي نسيها الزمن، ورغم انقضاء مبررات الحجّة وقيام النظام ببعض الخدمات التي تؤمّن حاجات الطبقات الشعبية، ومنذ أربعة عقود، أي أن النظام وطني ويناهض الإمبريالية، ظلت متحالفةً معه، لكونه وطنياً؛ وبغض النظر عن المحاججة بهذا الموضوع وكذلك في تراجع النظام عن تلك الخدمات وانتهاجه السياسة النيوليبرالية في الاقتصاد، فإن تلك الأحزاب أدارت ظهرها للشعب منذ أن دخلت الجبهة الوطنية التقدمية ووافقت على احتكار النظام للطلبة والجيش وسوى ذلك، وصمتت عن اعتقال رفاق يساريين كثر، بل تنظيمات يسارية، كرابطة العمل ولاحقاً أصبحت حزب العمل، والحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) والمنظمة الشيوعية العربية، إضافة إلى المجموعات اليسارية كالبعث الديمقراطي وسواه، وحققت مقابل ذلك مكاسب من النظام ومن تبعيّتها للسوفييت، وكانت قياداتها هذه بمثابة ديكور لإبراز سياساته “التقدمية”.


التحالف مع نظام الأسد


إذاً كان خيارها تحالفاً أبدياً لا يزلزله شيء بما فيه الثورة الشعبية، وهم الذين يمطرون الناس ثرثرات لامتناهية عن حقوق الطبقات المستغلة ونصرة الشعب، هذه الثورة بدأها الشعب المستغَلّ ذاته في منتصف آذار 2011. تنظيم عائلة خالد بكداش، الشيوعي طبعاً (كما يطلق على ذاته) بقي في تحالفه ولا يزال يردد أن الإمبرياليات العالمية هي سبب الإرهاب في سوريا، وهنا كل الثورة إرهاب بالنسبة إليه، وكذلك تنظيم يوسف فيصل وقائده الحالي حنين نمر، والذي يصر أن النظام يدافع عن الوطن ولكن يجب أن يُحدِثَ بعض التغيير في كافة مجالات المجتمع، ولم يشذّ كثيراً عن ذلك، التنظيم المنشق – تيار قاسيون بقيادة قدري جميل- عن تنظيم عمار بكداش، كون مسألة الأمانة العامة وراثية فيه من الأب إلى الأم إلى الابن، إذا لا “شعب” قابلاً ليتبوأ منصباً قيادياً لدى هذه القيادات. وكون الأمر كذلك، فمع بدء الثورة انحازت أغلبية كوادر هذه الأحزاب للشعب. وبأشكال تنظيمية متعددة أو كمستقلين وكشلل، وهذا يعبر عن حيوية في تفكيرهم، عدا أن الثورة ظاهرة موضوعية ولا يمكن تجاهلها؛ إذن الكوادر تركت خلفها قياداتٍ تنتظر السقوط مع رحيل النظام أو تغييره.


احتكار الشعب


اتصفت قيادات الأحزاب الشيوعية باحتكار نشاطات الكوادر فيها، ومن يشذ يتم طرده، والتشهير به، بما يشبه التكفير، وفي حالات معينة أشيع عن تسليم الكوادر للأمن. سلوكيات القيادات تلك تتجاهل اللائحة التنظيمية والمالية والسياسية، التي تضعها هي نفسها، وكانت عبر تاريخها تركن لشلةٍ من المختارين، وهذه لها المكافآت والمناصب والسفر وسوى ذلك، وكان من جراء ذلك هجرة متتالية -فرادى وزرافات- من الحزب لم تتوقف أبداً وبشكل موسع ومنذ السبعينات، طبعاً هناك أسباب موضوعية متعلقة بالتطور التاريخي آنذاك، والقضايا المطروحة وكذلك الأمر متعلق بالأصول الطبقية لتلك القيادات وأغلبها كان من الطبقات المتوسطة، والذي منعها من فهم دور الأحزاب الشيوعية في تغيير المجتمعات جذرياً، فحوّلتها إلى أحزاب أقرب “للطروحات الليبرالية” عن مصالح “الطبقات المفقرة”؛ فانشق المكتب السياسي وتشكلت المنظمة الشيوعية العربية من خارجه، وتشكلت رابطة العمل الشيوعي ولاحقاً أصبحت حزب العمل الشيوعي، ومجموعات لا تعدّ ولا تحصى؛ ولكن تلك القيادات الأزلية بقيت متمسكة بكرسي النظام وبالامتيازات -الفتات- التي يمنحها لها النظام. وبقيت المشكلة مع السلوكيات، فالشللية المختارة دفعت بكثير من القيادات للانشقاق، وتشكلت حتى منتصف التسعينات ثلاثة أحزاب شيوعية وأخيراً مجموعة قدري كما سلف، طبعاً إن تجاهلنا المكتب السياسي. كانت تلك الأحزاب ربما باستثناء ما عرف بالحزب الشيوعي السوري “منظمات القاعدة”، أسماء كبيرة لأمناء عاميين تاريخيين.

غالبية الأحزاب اليسارية التاريخية في سوريا تحالفت مع نظام حافظ الأسد، واتصفت قياداتها باحتكار نشاطات الكوادر فيها، ومن يشذ يتم طرده، والتشهير به، بما يشبه التكفير، وفي حالات معينة أشيع عن تسليم الكوادر للأمن


الجمود العقلي الطاغي


المناخ العام للحركة السياسية واليسارية منها في سوريا كان محكوماً ومنضبطاً ومقرراً مسبقاً بالتحكم الأمني، وبالقوى الموجودة من قبل، وبالتالي لم يوجد أيّ هامش لحياة سياسية أو ثقافية جادة كما كانت تدعي الأحزاب الشيوعية، الأحزاب اليسارية وتحديداً حزب العمل ومنظمات القاعدة كانت تحوز على هامش أكبر في ديمقراطيتها الداخلية، ولكنها وحينما أصبحت تدور في فلك المتابعة والحفاظ على الذات، تحولت إلى شِللٍ. ولاحقاً ومع موت الاتحاد السوفييتي وانهياره، انهارت تلقائياً منظمات القاعدة وقررت الانضواء في حزب يوسف فيصل، وهي لم تتعرض لحملات اعتقال كبيرة وإن كانت مهددة بذلك، أما حزب العمل فلم يخرج من المعتقلات والسجون إلا مفتتاً، كشِلل ومجموعات وأفراد، وبأيديولوجيات متعددة، ليبرالية وديمقراطية وتقلص حضور الماركسية كثيراً، مع إعلان واضح أنها أصبحت مجموعات سياسية وأن الأيديولوجيا بالنسبة إليها ليست ضرورية وقد ابتعدت عن حيويتها التاريخية وتعددت رؤاها، وينضوي هذا الحزب حالياً ضمن هيئة التنسيق بكل مشكلاتها.

هذا المناخ جثم كقدر على سلوكيات اليسار الجذري الجديد، ورغم الكلام الطاغي عن تجديد الماركسية ودمقرطتها واللبرلة والذهاب نحو مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان، أو الكلام عن أن الماركسية ضرورة ولا بد من تشكيل أحزاب ماركسية لتمثيل الطبقات المفقرة والمهمشة، وأنه دون وجودها لن تحوز تلك الطبقات على حقوقها، ولا سيما بعد البرويسترويكا الروسية، فإن التغيير لم يحصل في الأحزاب الشيوعية، ولا في المجموعات المنفصلة عنها، ولا في المشكّلة حديثاً؛ فبقيت بأغلبيتها أقرب لنفي فكرة التعدد، وامتلاك الحقيقة المطلقة. التشتت في أوساط اليسار سمة لها في كامل الوطن العربي. قوة الثورات العربية واتساع الثورة السورية لم يحطم السلوكيات الشِّللية أبداً، والتي انتقلت من الأحزاب الشيوعية إلى القيادات الماركسية الجديدة، والأنكى أن مثقفين ماركسيين أقحاحا بقوا خارج أيّ فاعلية، وهذا أمر يدعو للتساؤل، والبحث عن سبب العزلة؛ فالواقع الموضوعي ثوري بامتياز، وهو ما كانوا ينتظرونه، أو ما قضّوا عقود حياتهم لأجله، يقوم به الشعب في كافة المدن السورية، وليس في مدينة أو كحوادث معزولة، أو سوى ذلك؛ وكان واضحاً أن زمننا ثوري بامتياز. يمكن أن يكون هناك تفسيرات نفسية عن سبب ذلك؛ ولكن هذا لا يستوفي الموضوع، وربما هناك أسباب فكرية وسياسية! هذه الظاهرة ليست سوريّة فقط بل وعربية كذلك؛ ربما يذهب التفسير الأعمق بالبحث في الأصول الطبقية للمثقف الماركسي، وربما بإعادة قراءة مجمل الوضع العام لتقديم تفسير أكثر صوابية لفشل اليسار هذا.

بدأت الثورة وانخرط اليسار فيها، وبجدية كما كل الفئات الحداثية؛ فهم يرغبون بحياة جديدة، فما هي معالم وجوهه؟ لم يشكل اليسار تجربة مميزة بالمعنى العميق ولكن يسجل له: استقلاليته، ورفضه الانخراط في أيّ هيئات أو ائتلافات للقوى السياسية الليبرالية، ورفض الأسلمة والتطييف، واعتبار الثورة شعبية وللشباب دور مميز فيها، وهي ليست مؤامرة إمبريالية أو عربية أو إقليمية، ومحاولته العمل داخلياً من أجل تفادي مشكلات الثورة؛ عدم الارتهان للمال السياسي، ولم يرفض حمل السلاح وضرورة تنظيم ذلك للدفاع عن النفس ورد الظلم، ولكنه رفض قطعياً كل الحركات الجهادية، وكان موقفه دقيقاً، فالجهادية لا فارق بينها؛ فالنصرة وداعش وجيش الإسلام وأحرار الشام كلها تبتغي دولة إسلامية، ولا يشذ الإخوان عن ذلك.

برز من تنظيمات اليسار الجذري بعد انطلاقة الثورة، ائتلاف اليسار السوري وساهم بإطلاق تنظيم “الشباب السوري الثائر”، ورغم أن اسمه ائتلاف فلم يستطيع التوسع إلا قليلاً. وثيقته المنشورة في صفحة على الفيسبوك، تشير إلى تبنيه مواقف جذرية، إزاء النظام ومع الثورة؛ ولا يغيب عن المطالب العامة للثورة البعد الوطني وأن الجولان قضية وطنية، وعلى الثورة أن تضعه في برنامجها؛ ويؤكد برؤية عميقة أن الثورة ستواجه مشكلات كبيرة، ولن تصمت إزاءها الإمبرياليات العالمية. لم تطرح الوثيقة الاشتراكية، ولكنها أكدت دور اليسار في انتصار الثورة وتحقيق أهدافها في حياة أفضل في كافة مستويات المجتمع؛ الوثيقة تؤكد أن الثورة كانت تعبيراً موضوعياً عن أزمات اقتصادية عميقة وعن أزمة سياسية متصاعدة متعلقة بازدياد التحكم الأمني، وجاءت على إثر تطبيق الليبرالية في الاقتصاد، والتي أفقرت ملايين السوريين ودمرت الزراعة والصناعة، وبالتالي كانت الثورة شعبية بامتياز وإن لعب الشباب المثقف دوراً في إشعالها وليس في خلقها.

اليسار السوري البعيد عن النظام تسجل له استقلاليته ورفضه الانخراط في أي هيئات أو ائتلافات للقوى السياسية الليبرالية ورفض الأسلمة والتطييف واعتبار الثورة شعبية وللشباب دور مميز فيها، وهي ليست مؤامرة إمبريالية أو عربية أو إقليمية


اليساري المسلح


ظهر لاحقاً تيار اليسار الثوري كتنظيم طرح الانخراط بالثورة، ولكنه أكد كثيراً على مسألة الاشتراكية وكأنها ممكنة راهناً، وضرورة تشكيل حزب ثوري، وشكل جناحاً عسكرياً له (فصائل تحرر الشعب) في العام 2014 ولكنه ظلّ هامشيا قياساً بأبسط كتيبة عسكرية؛ وتأتي ثالثاً تنسيقيات الشيوعيين السوريين، ولم تطرح نفسها كتنظيم “حزبي”، عكس المجموعات السابقة، ومن متابعة صفحة الفيسبوك الخاصة بها يتوضح التشتت الفكري والسياسي اللذان يحكمان نشاطاتها. ففيها خليط متنوع تبدأ من كوادر في الحزب الشيوعي إلى ليبراليين كانوا شيوعيين يوماً ما؛ يضاف إلى هذه المجموعات هيئة الشيوعيين السوريين، وهذه يعرف عنها تنقلها من هيئة التنسيق إلى المنبر الديمقراطي وإلى سواه، ويقترب فهمها للثورة من الفهم الشيوعي التقليدي “الفهم الليبرالي” فما هو ضروري هو الانتقال نحو سلطة ديمقراطية، والاختلاف في طريقة الانتقال فقط؛ أهم ما في هذه المجموعات أنها ابتعدت عن تصدير شخصية أو عدة شخصيات كممثلة لها، ولكنها فشلت أيّما فشل في تشكيل أي تجمع ينسق بينها، لتكون الحصيلة أنها تيارات هامشية هزيلة لا يعتد بها، ولا قيمة حقيقية لها؛ لذلك فقد فشلت في مواجهة مشكلات الثورة؛ وإذا كانت تنتقد بشكل سليم توجهات المعارضة بتياراتها الرئيسية والتي كان لها دور كارثي في توجهات الثورة، وتحديدا ائتلاف اليسار وتيار اليسار الثوري، فإنها بقيت مفتتة، ولم تستطع تشكيل قطب جاذب، وبمقدوره تصويب مشكلات الثورة وتجاوزها.


الولع بالحياة على الهامش


اليسار السوري هذا ليس حالة استثنائية في العالم؛ فكل اليسار هامشي حالياً بهذا المقدار أو ذاك، ربما هناك مؤشرات إيجابية قادمة من اليونان، وتؤكد تقدم اليسار هناك؛ ولكن بالعموم بقي اليسار أسير أزمته ولم يستطع تشكيل حالة استقطاب قوية، ولا سيما بعد التقدم الجزئي له في أميركا اللاتينية في تسعينات القرن المنصرم وفي العقد الأول من ألفيتنا الجديدة، وفي المنطقة العربية؛ يكاد يتلاشى؛ ففي العراق لا يشكل أيّ وزن سياسي، وفي لبنان أصبح هامشياً، وفي مصر لم يتقدم قيد أنملة، رغم أن مصر تغلي باحتجاجات عمالية ومستمرة، وفقط في تونس لديه وزن سياسي محدود، ولكنه لا يقارب بالكتل السياسية الأخرى؛ الليبرالية أو الإسلامية.

أما اليسار السوري؛ فهو أمام حالة استثنائية، فإما أن تغادر شِلله “تنظيماته” كما واقعه الحالي، وإما أن ينتظر موته المؤجل أي يستمر بوضعه الحالي؛ موته الذي يساهم هو فيه؛ الزمن لا يعتد كثيراً بمن عطّل أيّ تنسيق بين مجموعات اليسار، الزمن يسجل أنه لم يكن يساراً تاريخياً، بل كان ظاهرة هامشية بامتياز. ربما هناك أسباب ذاتية، وهي وراثته لحركة شيوعية فاشلة وتراجع للحركات الاشتراكية العالمية، ولكن الشعوب ثائرة، وبالتالي تقع عليه مسؤوليات كبيرة، اليسار السوري فشله في أن يكون بديلاً ثورياً، يحصره في أنه مجرد تنويعة في الفلكلور السياسي السوري، وكان فاشلاً بامتياز؛ دليلنا هنا أن الثورة تسيطر على أنشطتها الرئيسية الجهادية في العام الرابع لها؛ هذا أكثر ما يقلق اليساريين، ولكنه لم يشكل طيلة أربعة أعوام للثورة دافعاً لتجاوز واقعهم؛ وبالتالي هل يكتب على اليسار السوري مغادرة التاريخ ولأمد ليس بالقصير، ويلحق بالعراقي وببقية الأشقاء العرب؟

9