اليسار السياسي والنقابي التونسي في خدمة خصومه

الجمعة 2016/08/12

أداء اليسار السياسي والنقابي التونسي في الفترة الأخيرة يشكل مادة مهمة للتحليل. وسنتولى مناقشة هذا الأداء في ما تعلق بموضوع شغل الرأي العام في تونس وهو مبادرة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي المتعلقة بتشكيل حكومة وحدة وطنية بديلة عن حكومة الحبيب الصيد القائمة والتي شكلها ائتلاف حزبي رباعي تقوده حركة نداء تونس وحركة النهضة.

السائد في تونس هو تصنيف هذا الائتلاف بأحزابه الأربعة ضمن اليمين في أشدّ وجوهه محافظة؛ بوجهه الليبرالي ممثلا في حركة نداء تونس ووجهه الديني متجسدا في حركة النهضة. ومع هذه اليمينية الفاقعة فإنّ تشكيلات من اليسار السياسي والنقابي التونسي تجاوبت مع مبادرة السبسي وأقبلت على المشاركة في تفعيلها.

لا بدّ من التذكير بكون هذه المبادرة وردت في سياق دقيق مستهدفة تشكيلات اليسار لإغوائها بالالتحاق بها وضمان مساندتها. هذا السياق يمكن تلخيصه في نقطتين عبّر عنهما الرئيس السبسي يوم 2 يونيو الماضي وهو يطلق مبادرته في التلفزيون الرسمي التونسي. النقطة الأولى هي أنّ السبسي ردّد في كلمته أنّ مبادرته جاءت تفاعلا مع مطالبة المعارضة له بإنقاذ تونس، ولكنه قال إنّه رأى أنّ المرحلة ليست مرحلة إنقاذ وإنّما مرحلة وحدة وطنية. والثانية كونه وجّه مبادرته إلى اليسار النقابي ممثلا في الاتحاد العام التونسي للشغل مطالبا إيّاه بالمشاركة في الحكومة المراد تشكيلها.

لمبادرة السبسي مسار حدّده صاحبها بدأ بالإعلان عنها، ثم الدعوة إلى الالتحاق بها، ثم بدء المشاورات حولها، فتشكيل اللجنة الفنية المكلفة بصياغة وثيقة الاتفاق، فمناقشة الوثيقة، فالتوقيع على اتفاق قرطاج، فاختيار رئيس الحكومة الجديد، فمناقشة هيكلة الحكومة، فاختيار أعضائها. وربط السبسي مبادرته بآجال نافذة لا تتجاوز الشهر معلنا أمام الشعب التونسي أنّ أمرها سينتهي قبل عيد الفطر لأنّ تونس لم تعد تحتمل التأجيل في نظره.

تعاطى اليسار السياسي والنقابي التونسي مع مبادرة السبسي بطريقتين. الأولى كانت إعلان المقاطعة بعد تقييم للمبادرة خلص إلى أنها لا تهدف إلى الوحدة الوطنية، بل إلى إنقاذ الائتلاف الحاكم وإنقاذ حزب نداء تونس الذي أسسه رئيس الجمهورية ووصل به إلى الحكم وسلّم عنانه إلى نجله. وهذا موقف الجبهة الشعبية.

ومع ما في هذا الموقف من مبدئية، فإنّه لا يخلو من تسرّع إذ حرم أصحابه من هامش مهم للمناورة والضغط على الائتلاف الحاكم الذي كان في موقف هش التجأ فيه إلى كاريزما السبسي ومنصبه لتخليصه من ورطة الفشل في حكم المحاصصة الذي اختاره؛ فلو حضرت الجبهة اللقاءات الأولى على الأقل، وعبرت عن موقفها مباشرة أمام الرئيس وحلفائه القدامى والجدد وحمّلتهم مسؤولياتهم الوطنية والتاريخية، لكان ذلك أجدى. أيضا، لو انسحبت الجبهة بعد الاستماع وإبداء الرأي وطرح بدائلها للإنقاذ ومفهومها للوحدة الوطنية، لكان ذلك أنفع. لم يكن ذلك ليضير الجبهة في شيء، بل كان سيخفّف عنها حدّة التهمة بالرفض لأجل الرفض التي يتهمها بها خصومها وهي تؤكدها بسلوكها دون إرادة منها. كان موقف الجبهة مبنيّا على الإعلان لا على نتيجة التفاوض والنقاش. ولهذا ظلّت في حاجة إلى التبرير لأنّ موقفها انبنى على الغائب لا على الحاضر كما يقول الفلاسفة العرب القدامى.

طريقة التعاطي الثانية مع مبادرة الرئيس السبسي كانت القبول والمشاركة وعبّر عنها الاتحاد العام التونسي للشغل وثلاثة أحزاب سياسية هي حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي والحزب الجمهوري وحركة الشعب. وما نستنتجه ونحن نتابع أداء هذه الأطراف في تعاطيها مع مسار المبادرة الذي ذكرناه أعلاه أنّها، رغم انتمائها إلى نفس المراجع اليسارية ورغم تقاربها الحزبي، ورغم ووجود الكثير من القياديين والمناضلين الذين يمارسون العمل السياسي والعمل النقابي، دخلت إلى هذه المبادرة بشكل فردي ودون أدنى درجات التنسيق.

فالاتحاد في تعامله مع الأحزاب اليسارية يرفع كعادته دائما شعار الاستقلالية والحياد والوقوف على نفس المسافة من الجميع خلافا لتعامله مع اليمين الحاكم. والأحزاب الثلاثة الأخرى دخلت المشاورات وكلّ منها يحمل طموحه الذاتي تحت إبطه. من ذلك أنّ الأمين العام لحزب المسار، سمير الطيب، كان يمنّي نفسه بحقيبة وزارية إبّان تشكيل حكومة الحبيب الصيد إذ كان من أوائل المشاركين في مشاوراتها حتى قبل اختيار رئيس الحكومة.

أما الحزب الجمهوري فاشتغل على اسم زعيمه أحمد نجيب الشابي طارحا إيّاه الاسم المناسب لمواصفات رئيس الحكومة المقبل، بعد أن كان الرجل قد أعلن اعتزاله العمل السياسي عقب الهزيمة الانتخابية في تشريعية ورئاسية 2014.

حركة الشعب، ذات الهوية الناصرية والتي كان قد أسسها الشهيد محمد البراهمي، فكانت مدفوعة بحماس الفائز بثلاثة مقاعد برلمانية، فهي من هذا الجانب أكبر من حزبي المسار والجمهوري مجتمعين وإن كانا أكبر منها تاريخا ونضالا.

استمرّت مشاركة الأحزاب اليسارية الثلاثة في المبادرة إلى حدّ توقيع اتفاق قرطاج الذي سبق الإعلان عن اسم رئيس الحكومة المكلف. وعند اختيار يوسف الشاهد لتشكيل الحكومة الجديدة، أعلن المسار والجمهوري وحركة الشعب مقاطعة المشاورات في منتصف الطريق أي قبل مناقشة هيكلة الحكومة واختيار الأعضاء المناسبين لتنفيذ اتفاق قرطاج احتجاجا على اسم رئيس الحكومة الذي اقترحه رئيس الجمهورية وباركه الائتلاف الرباعي الحاكم مضافا إليه حزب المبادرة الدستورية، بينما تحفظ اتحاد الشغل على اسم رئيس الحكومة المكلف ولكنه استمر في المسار المتفق عليه.

الأحزاب اليسارية الثلاثة التي غادرت مسار تفعيل مبادرة تشكيل حكومة وحدة وطنية في منتصف الطريق خدمت خصومها التي جاءت لا لتشاركهم وإنما لتفتك منهم جزءا مما بين أيديهم من سلطة. ولكن قادة الائتلاف الرباعي كانوا أكثر حنكة من الأحزاب اليسارية، فلم يهبوها إلاّ قبض الريح بعد أن ضمنوا توقيعها على ميثاق قرطاج الملزم. فلقد وقّعت الأحزاب اليسارية الثلاثة على وثيقة ومسار غادرته بإرادتها دون أن تستكمل دورها فيه. وهو موقف عليها وليس لها ولن يوقف مسار المبادرة ولن يمنع يوسف الشاهد من تشكيل حكومته.

أما الاتحاد العام التونسي للشغل فإنه ملتزم بمواقفه وسائر في مسار الحكومة الجديدة إلى نهايته إذ كان الاجتماع الأول لرئيس الحكومة المكلف مع الأمين العام للاتحاد ورئيس حركة النهضة. ولكن يبدو أنّ الاتحاد يسير على غير هدى، إذ أنّه يتناقض مع شعاراته ومبادئه وخياراته التي عبّرت عنها ومارستها نقاباته القطاعية التي كانت سوط عذاب لوزراء الائتلاف الرباعي بسبب ميلهم إلى تنفيذ برامج صندوق النقد الدولي لا سيما في القطاعات العمومية الكبرى كالتربية والصحة والنقل والاتصالات.

فأي منطق في أن يتصدى الاتحاد لوزراء الائتلاف الرباعي ويتحالف مع الائتلاف نفسه ويشاركه إنتاج نفس الخيارات وإن تغيرت الأسماء؟ الاتحاد كان يردد دائما أنّ ممارسة نفس السياسات والخيارات لا يمكن أن تؤدّي إلاّ إلى نفس النتائج. هذا طبعا إلى جانب الشوائب التي تحوم حول النية الحقيقية من وراء هذه المبادرة.

المعارضة السياسية والنقابية اليسارية التونسية قدّمت لخصومها خدمات مجانية وساهمت في إنقاذ حكمهم الفاشل وزادت في تعميق أزمة الشعب التونسي وأفرغت حكومة الوحدة الوطنية من محتواها، إذ لن تكون حكومة وحدة وطنية تشارك فيها المعارضة اليسارية والاتحاد العام التونسي للشغل، وإنما ستكون حكومة الائتلاف الرباعي الثانية يرأسها وزير من الحكومة التي طردها الائتلاف الذي شكّلها ومنحها ثقته وسيترسم فيها وزراء منها. وهو وضع شبيه بحكومة الترويكا الثانية التي خلف فيها أحد وزرائها رئيسه وآلت إلى فشل أفظع. فلماذا فعل اليسار السياسي والنقابي التونسي بنفسه وبالشعب التونسي ما فعل؟

كاتب وباحث سياسي من تونس

9