اليسار في الثورة السورية

الأربعاء 2015/01/14

في ظل واقع الأحزاب الشيوعية التقليدية ومواقفها الانتهازية، كان الرهان على انبلاج يسار جديد من رحم الانتفاضات. فلن تتمكن هذه الانتفاضات من أن تتحول إلى ثورات حقيقية دون يسار ثوري يهبها الرؤية والمشروع والبرامج، ويحميها من تغول القوى المضادة للثورة وسطوة الظلاميين.

في سوريا، ومنذ الأيام الأولى للثورة، برزت مجموعات يسارية عديدة تشكلت من ناشطين مدنيين تتوزع في عدة مناطق. منها ما هو مستجد ومنها ما تشكل من عناصر شيوعية غادرت أحزابها. وفيما كان الخطاب اليساري يحاول فرض نفسه في قلب الثورة، بدا أن المهمة ستكون معقدة وصعبة وشديدة الخطورة.

فالذين تركوا أحزابهم كان ينقصهم الوعي الثوري والتجربة السياسية والمقدرة التنظيمية، ولم يتمكنوا من التخلص من الموروث الشيوعي القديم الذي حكم نظرتهم إلى ذواتهم وإلى الواقع، فكانت رؤيتهم يشوبها الكثير من الخلل الذي أعاق عملهم، وبالأخص توحيد يسار الثورة لكي يصبح قوة يعتد بها وليرسم مشروعه ويعلن خطابه.

والذين ائتلفوا كيسار جديد كانت تنقصهم الخبرة والكوادر والإمكانيات كي يتوسعوا ويتوحدوا في تيار يساري مؤثر.

ورغم انخراطهم في العمل المباشر على الأرض، والذي تجسد في التظاهرات السلمية ورفع الشعارات الثورية وتوزيع المنشورات وتعبئة الشباب، ولاحقا في عمليات الإغاثة، ورغم المحاولات الكثيرة لتشكيل ائتلاف واسع، لم يتمكن يساريو الثورة السورية من تحقيق هذا الهدف الأولي والضروري. قد تكون العوامل الموضوعية لعبت الدور الأبرز في ذلك، ومن هذه العوامل:

- كان على يساريي الثورة في سوريا أن يواجهوا مواقف الأحزاب الشيوعية الرسمية محليا وعربيا، وأن يدحضوا المزاعم التي تطلقها في وجه الثورة، كانوا مضطرين لخوض معارك سياسية لا تنتهي مع كوادر من تلك الأحزاب الذين لعبوا دورا خسيسا في الإساءة بحق عناصر أساسية في يسار الثورة، ما ساهم في تعطيل محاولات لإنتاج جبهات يسارية فاعلة تسهم في تجنيب الثورة مآزق غياب القيادة السياسية الثورية، وتركها فريسة لقوى الظلام والإرهاب الديني.

- كان عليهم أن يقنعوا الشارع بأن يسارا منخرطا في قلب الثورة هو أمر ممكن، وأن الأحزاب الرسمية هي أحزاب ملحقة بالنظام.

- كان عليهم أن يدخلوا نقاشات في ما بينهم من أجل تشكيل تيار يساري في الثورة، ما أخذ الكثير من وقتهم وجهدهم.

- وكان عليهم مواجهة النزعة الطائفية التي فرضها سلوك النظام والمليشيات التي تدعمه وترتكب من أجل حمايته المجازر، وصعود الجهاديات المدعومة إقليميا.

- ولكن الأخطر كان حقيقة تمثيلهم النقيض الحقيقي للنظام الذي شن منذ البدء حملة دموية ضدهم لاستئصالهم بشكل كامل. فمنذ البداية كانت الملاحقات والاغتيالات والخطف ينتظر كل من طاولته أجهزة النظام. وكان القتل تحت التعذيب ينتظر كل من يعتقل منهم، رغم أنهم لم يمارسوا أي فعل مسلح.

أما في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، فكانت القوى الظلامية المخترقة من أجهزة النظام ومن أجهزة استخبارات عربية وإقليمية تلاحقهم، ما اضطر عددا متزايدا منهم إلى الخروج من سوريا. أبرز التجمعات اليسارية المنخرطة في الثورة كانت:

- تيار اليسار الثوري وقد عمم خطابا يساريا مؤيدا للثورة داعيا إلى تجذيرها وتوسيع مساهمة العمال والمفقرين فيها.

- هيئة الشيوعيين السوريين حاولت تجميع الشيوعيين الذين تركوا الأحزاب والتحقوا بالثورة ولم تحقق ما تصبو إليه.

- ائتلاف اليسار السوري الذي تشكلت نواته قبيل الثورة ثم بدأ يتوسع منذ الأيام الأولى لها، حيث شارك في المظاهرات العديدة في دمشق وريفها وأصدر نشرية “يساري” التي تضمنت رؤيته وتحليله السياسي ومواقفه، وكانت له مساهمة أساسية في إطلاق “الشباب السوري الثائر”، التيار الشبابي الذي ضخ في رئتي الثورة السورية نفسا شابا وطنيا وحدويا، ورفع مطالب الشعب السوري في الحرية والشغل والعدالة الاجتماعية وفي تحرير الجولان وفلسطين.

ظل اليسار في سوريا أمينا على أهداف الثورة ولم يرتهن للأجندات الخارجية، ولم تلوثه أساليب الدعم الخارجي المشبوه، وظل يعتمد على التمويل الذاتي المحدود رغم أن جميع عناصره تنتمي إلى الطبقات الفقيرة التي كانت عصب الثورة ووقودها.

لم يحرم يسار الثورة من أي دعم داخلي أو خارجي فحسب، ولكنه حرم من تظهير نشاطاته إعلاميا. ففي حين كانت وسائل الاعلام العربية والأجنبية تعمل على تظهير أي سلوك طائفي يخترق أي نشاط، كانت تتعامى عن نشاطات الشباب السوري الثائر.

اليوم، وبعد أن سيطرت أجندات الأنظمة على الساحة السورية عبر الحرب بالنظام، والحرب بداعش وبالنصرة وأخواتهما، والحرب عليهما، في ظل سيطرة المليشيات الظلامية سواء المؤيدة للنظام أو التي سيطرت في المناطق التي خرجت عن سيطرته. في ظل نزوح الحاضنة الشعبية وبعد استئصال الناشطين السلميين هنا وهناك، تراجع دور يسار الثورة بانتظار إعادة تنظيم نفسه بالطرق التي تناسب المرحلة، ليكون العين التي ترى والعقل الذي يفسر واليد التي ترتفع والصوت الذي يهتف مجددا بالأهداف والشعارات التي تعبر عن طموحات وأهداف الشعب السوري من ثورته.


كاتب لبناني

9