اليعسوب في زمن التكنولوجيا، طائرات وروبوتات

استفاد الإنسان في تطوير حياته من محاكاته للطبيعة، واستوحى معظم اختراعاته منها، فاختراع الطائرة لم يكن سوى محاكاة للطيور، وكان اليعسوب إحدى الحشرات التي تطير بكفاءة عالية ملهمة صانعي الطائرات والربوتات الطائرة خاصة، وهذه الحشرة تتمتع بتصاميم مبهرة في جسمها وأجنحتها، وتمتلك أنظمة طيران مذهلة، ولديها حيوية كبيرة وسرعة فائقة في المناورة والطيران واتخاذ طريق معيّنة، فهي تقف في الهواء، وتطير نحو الخلف، وتملك قدرة الهبوط والصعود العموديين، كما تتحلى بنظام رؤية خارقة.
الاثنين 2016/08/22
هليكوبتر تحاكي الـ"أودونات"

أنقرة – "حشرة الفتاة"، "حشرة الطائرة"، "حشرة الهليكوبتر"، "عذارى المياه".. أسماء متعددة تطلق على حشرة "اليعسوب" ذات السرعة الفائقة في الطيران، والقدرات العالية في المناورة، بفضل ما تملكه من أجنحة ذات تصميم استثنائي ونظام رؤية خارقة، جعل منها مصدر إلهام لإحدى أكبر الشركات المصنعة لطائرات الهليكوبتر من طراز “سيكورسكي” الأميركية، وامتد تأثيرها أيضا إلى مجال الإنشاءات ليتخذ منها نموذج محاكاة لتصميم ملعب “ميونخ” الأولمبي الشهير في ألمانيا.

ويعدد الباحث في علم الحيوانات، التركي أوميت إينجه قره "صفات هذه الحشرة قائلا إنها "أكبر الحشرات من حيث كبر عينيها مقارنة مع حجم رأسها، حيث تشكل الاثنتين نصف حجم رأسها، وكل واحدة منهما تحتوي على 30 ألف خلية صغيرة، وفي مقدمة كل واحدة منها توجد عدسات”.

وأضاف الخبير التركي موضحا ما تتميز به هذه الحشرة من نظام رؤية فائق أن "الصورة الكبيرة التي تتشكل لدى اليعسوب تتكون من جميع الصور الواردة من تلك العدسات الصغيرة، تساعدها على ذلك عيناها الكبيرتان اللتان تمتدان حتى خلف رأسها، وتمكنانها من مراقبة كل ما حولها"

ميزة أخرى تتميز بها اليعسوب تساعدها على الصيد، وهي السرعة التي تصل إلى 95 كم في الساعة، تستطيع خلالها القيام بحركات بهلوانية في الجو لا يستطيع أي كائن حي آخر فعلها، حيث تقوم بمناورات أفقية وعمودية حادة، تساعدها على صيد الحشرات الطائرة التي تتغذى عليها، لذلك ألصقت بها صفة "بريداتور" أو الحيوانات المفترسة التي تتغذى على تناول الحشرات الأخرى.

ذكر اليعسوب يلقح الأنثى مرة واحدة طوال حياته، وعقب عملية التلقيح تأكله الأنثى بعد أن تفصل رأسه عن جسده

ولفت الخبير التركي إلى أن إحدى ميّزات حشرة اليعسوب، هي أن أجنحتها تعتبر مصدر إلهام للعديد من العلماء، استنادا إلى نظرية "محاكاة الطبيعة" حيث يتم تطوير المنتجات الاصطناعية عبر تقليد الطبيعة.

وقال إينجه قره إن "هذه الحشرات يتم استخدامها في محاكاة الطبيعة بشكل كبير، وأجنحتها رقيقة جدا بحيث تبلغ سماكتها 1/3000 ميلي متر، ولا تتمزق رغم رفرفتها الآلاف من المرات في حيز زمني قصير، كما أن مقدمة أجنحتها تحتوي على خلايا كثيفة مما يزيد من ثقلها، وهذا بدوره يحول دون تضرر تلك الأجنحة من الاهتزازات".

ويكمن سر سرعة هذه الحشرة في هذه الأجنحة القوية التي تتكون من آلاف القطع الصغيرة، وعند النظر إليها من قريب تظهر وكأنها عبارة عن خارطة مليئة بالخطوط والقطع، وطريقة ارتباط هذه القطع ببعضها تكسبها قوتها، وهي الفكرة التي استلهمها مصممو ملعب "ميونخ الأولمبي" في ألمانيا الذي تغطيه مظلة عملاقة شفافة تشبه في شكلها أجنحة اليعسوب.

طائرات سيكورسكي

مميزات السرعة وقوة الأجنحة والقدرة على المناورة والطيران بشكل عمودي وأفقي، دفعت بمصممي طائرات الهليكوبتر إلى محاكاة هذه الحشرة، ليخرجوا في النهاية المروحية "سيكورسكي" التي تشبه الحشرة الطائرة كثيرا من حيث التصميم والقدرة على المناورة التي تم استلهامها منها.

الحشرة التي تموت بعد أول تزاوج

ويعتبر نظام الطيران عند هذه الحشرة معجزة من معجزات التصميم، ما جعل شركات الطيران تصمم طائراتها الهليكوبتر والدرونز على منوال حشرة اليعسوب، وذلك بعد أن أجرى العلماء أبحاثا حولها، فاندهشوا عندما رأوها تتمتع بتصاميم مبهرة في جسمها وأجنحتها، وبتقنية عالية في طريقة طيرانها، فوجدوا أن هذه الطائرة الحية تمتلك أنظمة طيران مذهلة، ولديها حيوية كبيرة وسرعة فائقة في المناورة والطيران واتخاذ طريق معيّنة… إنها تقف في الهواء، وتطير نحو الخلف، وتملك قدرة الهبوط والصعود العموديين، وتتحلى بنظام رؤية خارقة.

ووضعت شركة “إي بي أم” التي ساعدت “سيكورسكي” في مشروعها نموذج اليعسوب على أحد أنظمة الحاسوب وتم تنفيذ ألفي طريقة أداء على الكمبيوتر في ضوء المناورات التي تقوم بها اليعسوب في الهواء. وبذلك تم بناء نموذج سيكورسكي للطائرات الحربية ولطائرات النقل على غرار نموذج اليعسوب، كما صممت الشركة الإيطالية “دي اف” مروحية متعددة الأغراض وخفيفة للغاية، نموذج اليعسوب “دي اف 33″، صممها الإيطاليان أنجيلو وألفريدو كاستيغليوني مستفيدين من برمجيات تكنولوجيا القرن وارتفاع معدل الحركة في الفضاء.

وقد قام جيلز مارتن، المصور للظواهر الطبيعية، بإجراء دراسات على اليعسوب استغرقت سنتين، ويقول إن هذه المخلوقات لها آلية طيران غاية في التعقيد.

ويقول الباحث الإنكليزي روبين ووتون “كلما كان فهمنا أدق لعمل أجنحة الحشرات، بدا لنا تصميمها أروع، لقد صممت بنية الأجنحة بإتقان، وصممت الآليات لتحريك أجزاء العضو بطرق تضمن سهولة التنقل”.

واللافت للنظر أنه إذا وقع أي تغير في موضع جسم اليعسوب، سرعان ما يتم تنبيه الشعيرات الكائنة بين رأسها وجسمها؛ فتقوم الخلايا العصبية في جذور هذه الشعيرات، بإرسال الإنذارات إلى عضلات اليعسوب لإخبارها عن موضعها في الهواء، عندها تقوم عضلات الأجنحة ببرمجة سرعة وعدد رفرفة الأجنحة أوتوماتيكيا، وهذا يساعدها على التحكم بجسمها، ويحفظ لها توازنها ووجهة طيرانها حتى في أصعب المناورات… وهذا النظام بحدّ ذاته أمر خارق في هندسة الطيران.

يطير ويحط كاليعسوب

وتمكن باحثون من صناعة طائرات بلا طيار للتجسس مستوحاة من القدرة العجيبة لليعسوب، ويختبر الجيش البريطاني حاليا طائرة صغيرة جدا دون طيار على شكل حشرة اليعسوب، من المرجح أن تدخل الخدمة قريبا، وذلك للتجسس على الإرهابيين.

وتتكون الطائرة من أربعة أجنحة وأربع أرجل، وتشبه إلى حد كبير حشرة اليعسوب، ولا يتجاوز حجمها مساحة راحة اليد، ويمكنها الطيران بسرعة كبيرة.

وتتميز الطائرة الحشرة بقدرتها على اختراق المباني والشقق السكنية من خلال النوافذ المفتوحة، ومن الممكن أن تهبط بسهولة على الأسطح للتنصت والتجسس.

وتتجه وزارة الدفاع الأميركية في السنوات الأخيرة لتطوير أجيال جديدة من تلك الطائرات لا يزيد حجم بعضها على حشرة اليعسوب. والبحوث تجرى بسرعة فائقة في مستودع قاعدة القوات الجوية “رايت باترسون” في أوهايو، على تطوير هذه الطائرات المصغرة التي تستخدم تكنولوجيا “الأجنحة المرفرفة”، الأمر الذي يسمح بإبقائها مرتفعة في الجو، ويسمح لها بأن تحط في أي مكان تقريبا، من دون اكتشاف وجودها.

ويقول الباحثون إن العمل كان قائما على قدم وساق في السابق على استنساخ آلية الطيران لدى الطيور، لكن جناح حشرة اليعسوب يمكن استنساخه وتقليد وظيفته بسهولة أكبر، كما يمكن تحويله إلى أجزاء متحركة.

الروبوت اليعسوب

أعلنت شركة “فيستو” الألمانية المتخصصة في أبحاث الروبوتات وصناعتها عن آخر نماذجها وما توصلت إليه؛ روبوت على هيئة يعسوب قادر على الطيران ومحاكاة اليعسوب الحقيقي في حركاته من العوم في الهواء، الطيران إلى الخلف، ونحو الأمام، وعلى جنب.

روبوت بذكاء حشرة الفتاة

ما يجعل هذا الروبوت قادرا على محاكاة حركة اليعسوب الحقيقية هو إمكانيته على التحكم بكل جناح بشكل منفرد. أجنحته التي ترفرف بوتيرة 900 إلى 1200 رفرفة في كل دقيقة تملك مفاصل تقوم بالتحكم بدرجة ميلان الجناح وطول المسافة التي يقطعها كل جناح في الرفرفة مما يجعل حشرة اليعسوب الروبوتية قادرة على القيام بما ذكرناه آنفا.

وهذا الروبوت مزود أيضا بالعديد من المستشعرات والحساسات التي تقوم بمراقبة مختلف المعطيات وإرسالها إلى وحدة التحكم الصغيرة المثبتة فيه والتي تقوم بحساب خوارزميات التحكم وإدارة طيران هذا الربوت اليعسوب. كما أنه يملك هوائيا يستقبل أوامر التحكم اليدوية من قبل المستخدمين عبر هواتفهم الذكية.

الطريف أن ذكر اليعسوب يلقح الأنثى مرة واحدة طوال حياته، وعقب العملية تأكله الأنثى بعد أن تفصل رأسه عن جسده فعندما يقرّر ذكر اليعسوب تلقيح الأنثى فإنه يكون قد وضع الموت نصب عينيه، لأن ذلك سيكون نهاية حياته، فالذكور تغامر بذلك بهدف استدامة النسل فقط.

ولفت الخبير التركي إينجه قره إلى أن “هذه الحشرات ليست سامة وغير ضارة بالإنسان، لذلك ينظر الناس إليها بمحبة، كما أنها تستخدم في المكافحة البيولوجية، وتساعد على التوازن البيئي عبر تناول بعض الحشرات الضارة مثل البعوض، وتمنع من الضرر بالبشر عبر تقليل عددها، وهكذا فإن لها دورا في الطبيعة أيضا”.

وحشرة اليعسوب التي تعيش على أطراف المياه يُطلق عليها في اللاتينية بـ”أودونات”، بالإضافة إلى أسماء مختلفة منها “حشرة الفتاة” و”الحشرة الطائرة” و”حشرة الهليكوبتر” و”عذارى المياه”.

ويوجد حول العالم نحو 6 آلاف نوع من حشرة اليعسوب، التي تتميز بجمال ألوانها، وتعيش على ضفاف البحيرات والأنهار التي تتميز برونقها ونظافة مياهها. وأكد الباحث التركي أن مكان تواجد اليعسوب يدل على نظافة المياه الموجودة في تلك المنطقة.

20