اليمنية لارا الظراسي: أكتب حكايات الزمن الطفولي في حضرموت

تشغل متناقضات الحياة وتقلباتها قصة الكاتبة اليمنية المقيمة بالإمارات لارا الظراسي، حيث تحاول القبض على انعكاسات ذلك على الذات الإنسانية، وقد نجحت الكاتبة في التعبير عن ذلك متوسلة رؤية شفافة ولغة حيوية تستمدّ مقوّماتهما من الواقع المعيش بكل ما يضجّ به من أحداث. بدأت الظراسي بالنشر في الصحف والمواقع الإلكترونية، وأخيرا فازت مجموعتها القصصية الأولى “زرقاء عدن”، بجائزة القصة القصيرة في مسابقة دبي الثقافية. كان لـ”العرب” لقاء معها، دار أثناءه هذا الحوار الذي نتعرف من خلاله على عالمها الإبداعي.
الجمعة 2015/10/30
أنا لا أكتب عن ذاتي لكني مثل الممثلة أتقمص دوري جيدا

غالبا ما تكون البداية في الأدب هي الأكثر خطورة وشدّة على كل مبدع، حول بدايات الكتابة والأجواء التي أحاطت بانطلاقتها تقول الكاتبة والقاصة اليمنية لارا الظراسي: البداية كانت مع أمي؛ أتذكر جيدا كيف كانت ترغمني على القراءة قبل السماح لنا باللعب، أنا وأخواتي، كان هناك قانون واضح في بيتنا لا يكسر، وهو أن علينا قراءة 10 صفحات من أيّ كتاب نختاره يوميا، وكانت -المسكينة- تجلس قبالتنا تراقبنا وتتأكد أننا نقرأ، وقتها كنت طفلة أقرأ وألتهم الحروف بسرعة حتى أتمكن من اللعب فقط، مخيلتي لم تتسع لأكثر من هذه الفكرة، لم يخطر ببالي أن هذه الكلمات ستعيد تشكيل حياتي وتجعلني أتعلق بها.

ومع الوقت استأنست هذه الكلمات، ربتُ عليها، فأدخلتني مدن الخيال الفارهة جدا، جعلتني أعيد تغيير مسار حياتي، تغيير الحلم من أن أصبح طبيبة إلى أن أمتهن الكتابة وأعيش في مدن لا يدخلها إلا المبدعون الحالمون. والظريف في الأمر أني اكتشفت مؤخرا أن أمي ليست من هواة القراءة، ولكنها تؤمن بأن القراءة هي الطريق الأفضل لأطفالها.

المرأة اليمنية

على الرغم من أن قصص لارا الظراسي كانت لفترة طويلة موضع ترحيب على صفحات الجرائد والمجلات، إلا أنها لم تصدر مجموعة قصصية حتى جاءتها جائزة دبي الثقافية، وتفسيرا لهذا تقول الكاتبة: المتعة الحقيقية للكاتب هي فعل الكتابة، أن يعيش تلك الحياة التي يكتبها، أن يتسلل إلى الحبكة ويكون مستمتعا بتلك الشخصيات والأحداث التي اخترعها.

وعلى الرغم من أهمية النشر لإيجاد القارئ، إلا أني لم أكن مستعجلة، كنت أطبخ كلماتي بنار الجودة أكتب وأتعلم وأعيد الكتابة وأنشر هنا وهناك في الصحف والمواقع والمجلات لأعرف أين أنا، ولكن فوزي بجائزة دبي الثقافية أعطاني الفرصة لأبدأ بالتفكير الجديّ لطباعة أول أعمالي.

تحتل المرأة موضعا بارزا في جل كتابات الظراسي التي ترى أن “المرأة هي أنا ووالدتك وأختك وزوجتك وابنتك وجدتك وجارتك وزميلتك في المكتب وصديقتك وحبيبتك، ألا تعتقد أنه يحق لي أن أحتفي بهذا الكائن الجميل. المرأة تشغل حيزا كبيرا في تفكيري وفي كتابتي، لأني أؤمن بمقدرتها على إضفاء السعادة على الحياة، تخيّل حياة خالية من النساء، ستكون غابة خاوية حتى من الريح. ليس من السهل أن تولد امرأة في مجتمع من العالم الثالث يقدّس الرجل ويؤمن بأنه إله في البيت وفي العمل وفي الشارع، ليس من السهل أبدا أن تنجح في غابة الذكور وهم يعتقدون أنها عورة. أعتقد أنه علينا إعادة الدعم والكتابة في إحداثيات المرأة، هي كائن يستحق ردّ اعتبار يليق بصبرها”.

في معظم الأحيان تكتب المرأة عن تجربتها الذاتية، وهذا ما يؤكده كثير من النقاد، لكن الظراسي نفت ذلك، تقول: إذا كتبت عن ذاتي فهي سيرة ذاتية، وذلك فن متشعب له أدواته، أنا لا أكتب عن ذاتي لكني مثل الممثلة أتقمص دوري جيّدا لأمتع القارئ بلوحة فنية عالية الطراز. للأسف في العالم العربي دائما التجربة النسائية تحمل الكثير من علامات الاستفهام، وتعامل بنوع من الريبة. لمن كتبت؟ ولماذا كتبت؟ نحن أولا وآخرا بشر نتقاسم المشاعر ذاتها ونلهو بالأدوات الكتابية نفسها.

من خلال كتاباتها تحاول القاصة لارا الظراسي أن تلقي الضوء على مشاكل النساء في المجتمعات النامية بشكل عام

تحكي الظراسي في كتاباتها عن جدتها، كأنها هي السابقة، حتى تصيرا بتأثير التماهي شخصية واحدة، فهي تعتبر جدتها لأمها، بركة محفوظ عبيد امرأة من الشحر في قلب حضرموت بجنوب اليمن، هي أصل الحكاية، وتتذكر صباحاتهما التي كانت تبدأ بالحكايات عن الزمن الأول، عن أخلاق الناس الطيبة، ومعتقداتهم البسيطة، عن الخرافة التي تحكمت بحياتهم، عن أحلامهم التي لم تتعدّ الستر. فجدتها هي “ضحكة الله في الأرض”، وتجزم ضيفتنا أنها تتقاسم معها ذات الروح، لهذا أثرت فيها كثيرا وكانت حاضرة جدّا في مجموعتها القصصية “زرقاء عدن” والفائزة بجائزة القصة القصيرة في مسابقة دبي، حيث كان لها دور مهمّ في نمنمات الحكاية، في غرائبيتها وجمالها.

الخيال نعمة

وعن أوضاع المرأة في اليمن، تؤكد الظراسي أنها صعبة للغاية، وإن صح التعبير خطيرة للغاية، وكما قالت سابقا إن الأنثى في مجتمعات العالم الثالث تعتبر عورة يختبئ منها الجميع تحت ضوء الشمس، ويلاحقها بعضهم في العتمة. المرأة التي تولد في بلد كاليمن مليء بالفكر القبلي والذكوري تكون حياتها شبه معدومة. المرأة التي تولد ليخبرها أهلها منذ صرختها الأولى بالبكاء أنها عورة، ويجب عليها أن تخفض صوتها كثيرا حتى يلامس الأرض، هي امرأة تحتاج إلى الدعم والرعاية، لذلك تحاول القاصة من خلال كتاباتها أن تلقي الضوء على مشاكل النساء في المجتمعات النامية بشكل عام.

وحول تنقلها بمهارة وخفة مميزة بين الشعر والقصة، تقول الظراسي: فعل الكتابة ساحر، فكلما هاج جنيّ الإبداع في داخلي أكتب، ولا أكتشف نوع العمل الأدبي وجنسه إلّا عند الانتهاء. إنه مخاض يهزني وقت الكتابة، فلا تهدأ الروح إلا وهي ترى كلمات جديدة على الورق، الشعر والقصة كلاهما جنون، وأنا أحب الجنون.

تسعى الظراسي في كتابتها إلى تحقيق الدهشة وتقديم الجديد رؤية وأسلوبا، وتؤكد الكاتبة أن الدهشة هي “أناها”، فهي دائما تحب أن تستمتع بقراءة كتاب، والكتاب الذي لا يجعلها تسقط في تيه الدهشة في رأيها كتاب فاشل، الكتاب الذي تتوقع جملته التالية أو نهايته، كتاب يدعو حسب رأيها إلى الشفقة. ومن خلال الكتابة تحاول دائما أن تجعل قارئها يتّقد منذ الكلمة الأول حتى النهاية بنفس واحد. فعندما تكتب، تحرص على التأكد من أن الرؤية في زاوية كتابتها جديدة لم يسبقها إليها أحد، وتهتم كثيرا بابتكار ما هو غير متوقع.

وتلفت لارا الظراسي إلى أن الخيال نعمة، وهو عندها من أهم ركائز الكتابة، ولا توجد كتابة منزوعة من الخيال، فالخيال هو غذاء الروح ومحبرة الفكرة، تقول “تخيّل كاتبا بلا خيال، لن تجد ذلك مطلقا، فالخيال هو ظل الكاتب الذي لا يفارقه”.

وحول مقولة بعض النقاد عن انحسار مكانة القصة لصالح الرواية، تقول ضيفتنا: هذه المقولة برزت في السنوات الأخيرة، فالجوائز الأدبية التي خصصت للرواية، والزخم الإعلامي الذي رافقها جعلا الرواية تحتل الصدارة في المشهد الأدبي، لكن الجيّد يفرض نفسه سواء في الشعر أو القصة القصيرة أو الرواية. وأعتقد أن الموضوع يتمحور حول وسائل الإعلام واهتمامها الكبير بعالم السرد، واحتفائها بكتّاب الرواية على حساب الفنون الأخرى، وبين فترة وأخرى يبزغ فن أكثر من غيره، لكن بعد فترة من الوقت ينحسر، ويترك مكانه لفن آخر، وهكذا… إنها دورة الحياة التي يصعب التحكم فيها.

15