اليمن العربي أم الإيراني

الثلاثاء 2015/03/24

اليمن الآن هو البؤرة الأسخن دوليا وعربيا وخليجيا، خاصة بعد أن سيطر المسلحون الحوثيون مع قوات موالية للرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح على مطار مدينة تعز. ومن المؤكد أن تعز ستشكل قاعدة انطلاق عسكرية إلى عدن، التي لجأ إليها الرئيس عبدربه منصور هادي بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء ووضعه، وهو الرئيس الشرعي، تحت الحراسة إلى أن نجح في الهروب متنكرا، ليعلن من عاصمة الجنوب السابقة حربا تبدو غير متكافئة مع الحوثيين وقوات صالح.

قدر هادي وأنصاره ومؤيديه من القبائل أن يواصلوا الحرب، بما لديهم من إمكانيات ضعيفة، ضد الإرادة الإيرانية في اليمن، حتى لو كان الثمن الانزلاق إلى حرب أهلية تقضي على ما تبقى من آمال يمنية في الوحدة والاستقرار، بعد أن كانت الآمال، وقت ثورة اليمنيين على نظامهم الأسبق، خروج البلاد من نفق الفساد والفقر والتخلف الذي يعصف بمكونات غير قليلة من الشعب اليمني.

إلى جانب قدره المحلي الصعب يعاني هادي من قدر خليجي وعربي ليس إلى الآن، بحسب مراقبة أوضاع ونتائج ما يجري هناك، على مستوى المخاطر التي تحيق باليمن كدولة عربية وجزيرية، نسبة إلى الجزيرة العربية، ورئة إستراتيجية للعرب على البحر الأحمر عبر مضيق باب المندب، الذي تمرّ منه كل عام 25 ألف سفينة تمثل 7 بالمئة من الملاحة العالمية. وقد أصبح هذا المضيق الآن، حسب مراقبين محليين، على خارطة تربص الحوثيين تمهيدا لجعله في مرمى طهران.

الموقف العربي الوحيد الواضح إلى الآن بوجه الأطماع الإيرانية في اليمن، هو تأكيد رئيس هيئة قناة السويس الفريق مهاب مميش، أن مصر لن تقبل بإغلاق مضيق باب المندب في اليمن، بأي حال من الأحوال، وسوف تتدخل عسكريا إذا تم ذلك من خلال قوة عسكرية جاهزة للتدخل إذا حاولت الجماعات المتطرفة في اليمن إغلاق المضيق. ومع ذلك كانت ردة الفعل الإيرانية هي تأجيل السيطرة على المضيق لأن هذا ليس وقته كما قالت رسالة إيرانية وصلت إلى الحوثيين ونقلتها صحيفة “الشارع” اليمنية.

ويعني هذا أن الإيرانيين لا يستبعدون حربا عربية إيرانية في الوقت الذي يحددونه هم، بعد أن يكونوا مستعدين لهذه الحرب من خلال حيازة الموقف اليمني الداخلي كله باختيار الحوثيين، وكلاءهم في تخريب وإحراق اليمن، وبإكراه باقي اليمنيين الذين لا يجدون نصيرا عربيا حقيقيا لهم لشل اليد الإيرانية العابثة بهم وبمقدرات بلدهم.

ولذلك يلجأ اليمنيون الآن، بقيادة عبدربه منصور هادي، إلى المؤسسات الدولية ومجلس الأمن الدولي ليجرّبوا الورقة الأخيرة في إنقاذ اليمن من حرب أهلية ومن السيطرة الإيرانية. ولا أعتقد أنهم سينجحون في هذا المسعى، بدليل أن غيرهم لم ينجح من قبل في ذات المسعى، بل إنني أزعم أن هذه الورقة تعلن أو تشرعن فوضى الحرب في اليمن وتركه لمصيره وللقدر الإيراني، كما حدث من قبل في العراق وسوريا، وكما حدث في ليبيا التي يدير أهلها حوار طرشان هذه الأيام.

أصبحنا نعرف النتائج بالغة السوء بمجرد أن يعين مندوب أممي لإدارة حوار بين الفرقاء في أي بلد كما هي حال جمال بنعمر في اليمن، وتوالي بيانات الإدانة والاستنكار والدعوة إلى الحوار والتعقل من مجلس الأمن الذي يجتمع وينفض دون إحداث أي أثر. ما يفعله هذا المجلس، في كل مرة، هو مجرد وصفات مسكّنة تعظم المخاطر بدلا من أن تحد منها. ولذلك قال عبدالله الثني، رئيس الحكومة الانتقالية في ليبيا بعد التفجير الإرهابي في مدينة “القبة” الليبية، إن هذا التفجير يثبت التقاعس الدولي في دعم الجيش الليبي، وأن ليبيا لا تعول على ما يصدر عن مجلس الأمن، وإنما تعول على التعاون مع مصر والدعم العسكري العربي الحقيقي لليبيا.

على العرب، في مواجهة التنازع الدولي على إقليمهم أن يتخلصوا في قمتهم في شرم الشيخ بعد أسبوع من ترف الأقوال والانتظار إلى الأفعال الناجزة والعمل الجاد

هناك، بطبيعة الحال، كفر عربي كبير بمجلس الأمن بعد الكفر بأميركا والدول الأوروبية التي كانت ظهيرا لحلفائها العرب في المنطقة، قبل أن تفتح خطوطا جديدة مع طهران وتضع قدرا لا يستهان به من المصير العربي على طـاولة المفاوضات النووية معها. ولست أستبعد أن يكون اليمن هو الجائزة الدولية الكبرى للإيرانيين مقابل تنازلاتهم في الملف النووي، الذي تلعب إيران بورقته بدهاء كبير، مستغلة اليد الأميركية المرتعشة لإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما.

على العرب إذن، في مواجهة التنازع الدولي على إقليمهم، أن يتخلصوا في قمتهم التي ستنعقد في شرم الشيخ بعد أسبوع من ترف الأقوال والانتظار إلى الأفعال الناجزة والعمل الجاد، الذي يجعل مصيرهم في حكمهم هم وليس في حكم غيرهم من الدول الكبرى التي تغض الطرف عن زحف الإمبراطورية الإيرانية المستأسدة على المنطقة.

وعلى العرب، في اليمن وفي غيره من البلدان العربية، أن يدركوا أن اجتماعهم الآن لتكوين قوة عسكرية فاعلة وضاربة هو رهانهم الوحيد للبقاء أسيادا مستقلين في دولهم. وإذا لم يفعلوا ذلك ويوفروا شروط السياسية والاقتصادية بالدرجة الأولى، فلن يرغموا لا إيران، ولا غيرها، على إعادة النظر في حساباتها وأطماعها.

كاتب سعودي

8