اليمن بين الحزم والأمل

السبت 2015/04/25

أصعب ما في إستراتيجيات الحروب هو تحديد موعد نهاياتها، ولذلك عندما تنتهي “عاصفة الحزم” بقرار حازم فإن ذلك يضعنا أمام فكرة نموذجية عن إدارة الحرب، وهو أنه يمكن اتخاذ قرار بنهايتها يراعي عدة اعتبارات سياسية وعسكرية وإنسانية، ذلك ما حدث بالتحول من العاصفة إلى “إعادة الأمل”، حيث تتزامن التحولات العسكرية والسياسية في حالة أشبه بالإحلال والإبدال.

إعلان انتهاء العاصفة له دلالات مهمة في السياق الإستراتيجي، وأولها أن الحرب ارتكزت إلى عامل أخلاقي كبير وهو ترسيخ الشرعية واستقرار اليمن دون مزايدات على أغراض وأهداف مبطّنة، تمت فيها تسوية إشكالات مفتعلة من فئة عسكرية وإعادتها إلى المسار السياسي، فتحقق أهم هدف للعمليات العسكرية بالعودة إلى العملية السياسية قبل الاستقواء العسكري لفئة أو فئات بعينها في الطيف اليمني.

لم يكن هناك غرض غير مصلحة اليمن، تلك النتيجة الحاسمة للحزم العسكري الذي حدث، ربما هناك من أراد المزايدة الطائفية وانقسام اليمن والأمة بأكملها، ولكن حيثيات الواقع قطعت الطريق على المزايدين، وتمت إعادة الأمور إلى نصابها، لتنتهي العاصفة بنتائج ميدانية تتلخص في انسحاب الحوثيين، وتحولهم لحزب سياسي، وتسليم السلاح الثقيل، الذي هو في الأصل عهدة الجيش اليمني، وتمت إساءة استخدامه بصورة متعسّفة أضرّت بأمن البلاد.

من الدلالات المهمة في انتهاء عمليات عاصفة الحزم تأكيد أن القرار الأمني والعسكري والإنساني لم يعد يرتكز إلى العامل الخارجي، وإنما هو من صميم المصالح الوطنية العليا، سواء محليا أو خليجيا أو عربيا، وذلك أمر ربما بدأ مفقودا لعقود من الزمن فيما يتعلق بأفكار كبيرة مثل المصير المشترك، والتحرك الإيجابي الفاعل في ملفاتنا الإقليمية، فالعرب أدرى بشؤونهم، ولذلك استعادوا تلك الملفات للتحرك فيها وفقا لمصالحهم كأولوية سياسية أو عسكرية وأمنية.

الانتقال التالي للعاصفة إلى إعادة الأمل مترادف ومتزامن مع ما حدث، فلا يزال هناك حصار بحري وتأمين للدولة اليمنية لتمضي في مسيرة الحوار الداخلي بغطاء عربي، وذلك مهم لكل الدول العربية ولا يتوقف على الحالة اليمنية فحسب، وإنما يمكن أن يتمدد لكثير من الملفات المتأزمة التي ظلت تحتاج إلى حل عربي خالص يعي متغيراتها ويستوعب مستجداتها، وبالتالي يوفر حلا حازما بذات العزيمة التي توفرت في عاصفة الحزم.

من المهم أن يستوعب الحوثيون وجماعة علي عبدالله صالح أن خيارات السلطة لا تمر إلا عبر العملية السياسية السلمية، فتمزيق السلطة القائمة يقود مباشرة إلى أنفاق مظلمة على نحو ما حدث قبل العاصفة، ذلك أصبح من ثوابت الحالة اليمينة، فلا مجال للعبث والاستطالة بالطموحات إلى أبعد من الداخل، وذلك لا يعني ممارسة غواية سياسية تستهدف تحقيق منجزات على نسق الأمر الواقع اعتمادا على فوضى ليست خلاقة ولا يمكن أن تنتهي إلى الاستقرار.

اليمن يفترض أن يظل سعيدا كما هو عبر التاريخ، وأيّ محاولات للقفز السياسي فيه تصل باليمنيين إلى صعود هاوية الانكسار والتمزق، تلك تجربة ودرس مستفاد من الأحداث، والطاولة السياسية مهيأة لجميع الأطراف حسب أوزانها الحقيقية والواقعية، فلم يتم إقصاء أي طرف، ما يؤكد أن عاصفة الحزم لم تكن تستهدف إلا المساهمة الإيجابية في استقرار البلاد وحفظ حقوق مواطنيها الوطنية والسياسية وتلك أسمى الأهداف التي تحققت، فليس من هدف أفضل من أن تعود السلطة الشرعية والمتنازعون إلى قواعدهم أو مقاعدهم في طاولة الحوار وصولا باليمن إلى سيرته الآمنة والمطمئنة، ومن حولهم جوار يسعى إلى إعادة الأمل والمساهمة في البناء والإعمار، وتقريب مسافات الفرقاء، ومساحات التعايش والتقارب.

كاتبة سعودية

9