اليمن بين تهديدات القاعدة والانفصاليين.. لا يزال حلم الاستقرار قائما

الثلاثاء 2014/01/21
تراخي القبضة الأمنية أدى إلى تفاقم عمليات العنف وتغلغل القاعدة

صنعاء - سلطت الحوادث الأخيرة في اليمن الضوء على الأوضاع الأمنية المتدهورة والمشحونة في أجواء سياسية متوترة تشهدها البلاد منذ تنحية الرئيس السابق علي عبدالله صالح عن الحكم. ولكن مثل ما هو متعارف فإن أية فترة انتقالية تشهدها أية دولة تحتاج إلى وقت لإعادة بناء الدولة والسيطرة على الأمن، بعد التخلص من مخلفات النظام القديم السلبية.

و لكن اليمن مع اقتراب العام الثالث على انتفاضته الشعبية التي أطاحت بنظام صالح، لا يزال يراوح مربع الصفر، فكل ما تم إحراز أي تقدم سياسي على صعيد إنجاز الحوار الوطني للخروج بالبلاد من المرحلة الانتقالية، إلى فترة جديدة من الاستقرار السياسي، إلا وتدخل البلاد في موجة من العنف زادها عدم توافق اليمنيين على العديد من القضايا، غير أن ما زاد الوضع تعقيدا، هو تغلغل القاعدة ومحاولاتها لضرب كل محاولات بناء أسس دولة، وترسيخ مفهومها لدى اليمنيين.


مستقبل اليمن


تجول تساؤلات عديدة في أذهان اليمنيين أبرزها المستقبل الذي ينتظرونه، وماذا يخبئ لهم، وهو السؤال الأكثر حضورا في ذهن اليمنيين، سواء كانوا مواطنين عاديين أو سياسيين، إلا أن الشعور بـ”القلق من المستقبل الغامض” يلتقي عنده الجميع، خاصة مع تحديد 25 يناير الجاري، موعدا لاختتام مؤتمر الحوار الوطني الذي انطلق في 18 مارس 2013 بمشاركة 565 شخصية تمثل شرائح المجتمع اليمني، وهدفه وضع حلول للعديد من القضايا التي تقف وراء أزمات اليمن، من بينها قضية الجنوب، وقضية صعدة، وبناء الدولة وقضايا ذات صلة بالحقوق والحريات، والعدالة الانتقالية والتنمية، إلا أن عدم سرعة التوافق على بعض قضايا المؤتمر مثل القضية الجنوبية أجبر الأمانة العامة لمؤتمر الحوار على تمديد فترته، التي كان من المقرر أن تنتهي في سبتمبر الماضي.

عند محاولة قراءة سيناريوهات المستقبل المحتملة في اليمن، يمكن الانطلاق من الواقع السياسي للبلد، فعندما، حل الربيع العربي 2011، كان الواقع اليمني أكثر تعقيدا من الحالات المشابهة في البلدان العربية، التي اجتاحها الحدث، ففيما كان الهدف في مصر وتونس تحديدا، هو إسقاط النظام، كانت الحاجة الأكثر إلحاحا في اليمن، هي “إيجاد النظام نفسه”. وبينما كانت الديمقراطية مطلوبة في مصر وتونس، كانت حاجة اليمن الأساسية إلى “الدولة” ذاتها، حيث كانت “فكرة الدولة لا تزال هشة” عند الجميع، سواء الثوار، أو من قامت ضدهم الثورة.

حسب العلوم السياسية، فإن أول ما تحتاجه الدولة لتكتسب وجودها، هو احتكار العنف، وممارسة القسر، ومن ثم العدالة، وتوفير الخدمات، وفي مراحل أكثر تقدما تحتاج إلى الحريات، والديمقراطية، لتكتسب خاصية الاستمرار. وتحتاج الدول أيضا عند تأسيسها، إلى قادة أفراد في العادة، مدعومين بقوة عنيفة “الجيش”، أو حماسة وطنية جارفة، أو الاثنين معا، كما تحتاج إلى وحدة مجتمعية صلبة، تنبع عن شعور وطني حقيقي، أو شعور قصري ناتج عن ممارسة العنف.

وهذا ما يحتاجه اليمن. وحسب مراقبين فإن ثمة تعقيدات أمام وجود الدولة في اليمن وأدواتها المتوفرة وتتمثل هذه التعقيدات في أنه يوجد الإيمان الشعبي بالدولة اليمنية الموحدة، والحاجة إليها، حيث ارتفع سقف المطالب بالانفصال، وبعد أن كانت تقتصر فقط على الجنوبيين، انضم أبناء محافظة المهرة (جنوب شرق)، إلى قائمة المطالبين بإقليم مستقل يجمعهم مع جزيرة سقطرى، تحت مسمى “إقليم سقطرى والمهرة”، في حين كانت محافظة حضرموت (جنوب)، سباقة إلى عمل “هبة شعبية”، هدفها الرئيسي الخروج بـ “إقليم منفرد لحضرموت”، بدأت ملامحه تتشكل بتسليم النقاط العسكرية في المحافظة، لعسكريين من أبنائها فقط، ومنح شبابها الأولوية في وظائف الشركات النفطية.

الحوثيون.. الانفصاليون.. القاعدة

لا يبدو المستقبل غامضاً في جنوب اليمن فقط، فشماله أيضا ملتهب، ولا يمكن التنبؤ بمصيره، خصوصاً مع استيلاء “جماعة الحوثي” وهي جماعة زيدية شيعية، خاضت مع الدولة 6 حروب وتحكم محافظة صعدة الشمالية منذ 2011، على مديريات في محافظة عمران عقب معارك مع قبليين، وطموحها الكبير في إقامة كيان طائفي، والتوغل أكثر بالاستيلاء على عدد من المحافظات.

و يجمع المتتبعون للشأن اليمني على أن البلاد تمر بمراحل خطيرة في تاريخها الانتقالي بعد أن أصبحت مرتعا حقيقيًّا لأعضاء “تنظيم القاعدة”، مما يمثل تحديًا أمنيًّا خطيرًا، نظراً إلى تدفق المال والسلاح الإيراني لمطامع قديمة في ضم الخليج العربي إليها، كما لا يستبعدون الدعم الإيراني المالي والسياسي واللوجيستي للكثير من اللاعبين في جنوب اليمن، ومن بينهم بعض زعماء جبهة “الحراك”، التي تضم علي سالم البيض رئيس اليمن الجنوبي السابق، وأعضاء مختلفين من الحزب الاشتراكي اليمني.

كان الهدف في مصر وتونس تحديدا، إسقاط النظام، بينما كانت الحاجة الأكثر إلحاحا في اليمن، هي "إيجاد النظام نفسه"

كما أن عدم ملاحقة تنظيم القاعدة عسكريًّا، وتراخي القبضة الأمنية أديا إلى تغلغل نفوذها داخل البلاد، لوجود عناصر من المتمردين أبرزهم “الحوثيون” في الشمال، والحركة الانفصالية وتنظيم القاعدة في الجنوب.

ووسط كل ذلك بدت الدولة الطرف الأكثر ضعفا بين كل تلك المجموعات، وظهر ذلك جليا في الحرب التي اندلعت منذ نحو 3 أشهر، بين سلفيي مدينة “دماج” بجنوب شرق صعدة (شمال)، والحوثيين، وأدت إلى تهجير، نحو 15 ألفا من طلاب دار الحديث السلفي وعائلاتهم، وشكلت الدولة لجنة وساطة بين الطرفين بقيادة الرئيس عبدربه منصور هادي.

معاناة اليمن مع تنظيم القاعدة ليست جديدة باعتبار أن النظام السابق مسؤول عن تغلغل التنظيم هناك لتأمين بقائه في الحكم طيلة 33 عامًا، كما أن بعض السياسيين والقيادات الأمنية والعسكرية ما زالوا متواطئين ويدينون لصالح وأقاربه بالولاء، ويسهلون لأفراد القاعدة الحصول على الأسلحة والهجوم على الثكنات العسكرية لهدم معنويات الأفراد والضباط والقيادات المتوسطة في الجيش، حيث لا تزال القاعدة تطمح في السيطرة على مناطق الجنوب اليمني وضمها تحت ولايتها للإعلان عن تأسيس إمارة إسلامية في الجنوب، وبالتالي يصبح الجنوب اليمني مستقطبًا ومأوى جديدًا لأفراد الجهاد والتنظيمات الإسلامية المسلحة في العالم.


معوقات عديدة


تقف العديد من المعوقات حاجزا أمام وجود الديمقراطية في اليمن، والتي تتمثل في عدم وجود الدولة الوطنية القوية والمستقرة التي تمارس، في إطارها الديمقراطية، بشكل منظم وآمن، فالموجود دولة هشة، ومفككة وطنيا، إضافة إلى ذلك افتقاد اليمن فكرة أن الشعب مصدر وحيد للسلطات، والمتكون من مواطنين أفراد يعبرون عن خياراتهم بكل حرية من خلال أحزاب أو مستقلين، فواقع اليمن عبارة عن مجموعات من مراكز القوى تتقاسم المواطنين، في ما بينها على اعتبارات جهوية أو مذهبية كعصبيات دون الدولة، والأحزاب ليست استثناء عن هذا الواقع، وأدواته تحتكم لامتلاك القوة، وليس للتفويض التصويتي كما تفترض الديمقراطية.

التحديات التي تواجه اليمن كثيرة أبرزها تحقيق الوحدة الوطنية اليمنية والالتفاف حول مصلحة البلد أولا، وبناء مؤسسات الدولة وهيكلة قوات الأمن والشرطة والجيش ثم تحديد استراتيجية يتم على ضوئها ملاحقة عناصر ومجموعات القاعدة التي أصبحت تمثل تهديدًا حقيقيًّا لأن عدم ملاحقة القاعدة، وتراخي القبضة الأمنية سيؤديان إلى تغلغلها أكثر ومن ثمة إمكانية تحول البلاد إلى أفغانستان ثانية أو إلى سودان آخر إن لم يتوصل اليمنيون إلى توافق وطني شامل، للقضاء على وجود عناصر المتمردين الحوثيين في الشمال والحركة الانفصالية وتنظيم القاعدة في الجنوب.

6