اليمن.. رؤية جديدة لتقسيم البلاد والعودة إلى ما قبل الوحدة

الجمعة 2013/09/20
في عدن يرفرف علم الجنوب في كل مكان بينما لا يعلو علم الجمهورية اليمنية سوى على المنشآت التابعة لحكومة صنعاء

يترقب الشارع اليمني باهتمام بالغ، هذه الأيام، ما يتسرب من القاعات المغلقة في فندق "موفنمبيك" حيث يشهد مؤتمر الحوار الوطني مخاض الساعات الأخيرة التي من المفترض أن تنتهي بولادة يمن جديد مازال الكثير من الناس بما في ذلك النخب السياسية والثقافية غير قادرين على التنبؤ بشكله.

وفيما يبدي اليمنيون مخاوفهم من تشطر اليمن مجددا تتصاعد هواجس الريبة مما قد تفضي إليه "الفيدرالية" التي يبدو أنها باتت الاحتمال الأكثر واقعية لحل "القضية الجنوبية" وإخماد نيران "المطالبات بانفصال جنوب اليمن". "العرب" حاولت الاقتراب من موقف ونبض النخبة السياسية والثقافية في اليمن لمعرفة رأيها في الخيار الفيدرالي المرتقب.

منذ تسرّب المعلومات التي تتحدث عن اتفاق مبدئي على أن فيدرالية من إقليمين بين الشمال والجنوب قد تكون هي الحل الذي قد يقبل به ممثلو الحراك الجنوبي في مؤتمر الحوار الوطني، والمخاوف في تصاعد مستمر من هذا الخيار. ويعبر عن ذلك وزير الإعلام اليمني الأسبق حسين العواضي قائلا: "نعم لفيدرالية من عدة أقاليم أما فيدرالية بإقليمين فهي انفصال صريح.. الخيارات النبيلة متاحة إن صدقت النوايا والانفصال مستبعد والتشظي أقرب ما لم تستنهض العقول الراجحة".

في ذات الاتجاه يسير الكاتب الصحفي اليمني محمد ياسين الذي يرى أن الفيدرالية "ماهي إلا بديلا لانفصال ثنائي بانفصاليات تحول البلد إلى عدد إضافي من الكيانات".

ويتفق مع هذا الطرح الكاتب عبدالله دوبله الذي يعتبر الفيدرالية أحد الأوهام التي سوقها الساسة معتبرا أن "مسألة الوحدة والانفصال لا يحلّها التقسيم الجغرافي للدولة بقدر طبيعة الدولة كدولة مواطنة ووظيفتها كدولة قانون".

الفيدرالية "ليست البديل حيث أنه لا ينظر إليها البعض باعتبارها طريقة لإنجاح الدولة بل يعتبرونها خطوة في طريق الانفصال.. وأنه يجب أولا أن تتوافر لدى الجميع القناعة بأن كل الحلول هي من أجل إنجاح الدولة اليمنية وليست مجرد براغماتية انفصالية"، وفق المحامي والناشط السياسي نزيه العماد.

في ذات الاتجاه المتشكّك حول مشرع الفيدرالية يتحدث الصحفي يحيى نوري نائب رئيس تحرير صحيفة "الميثاق" قائلا إن "عملية الذهاب إلى الفيدرالية تمثل اتجاها إجباريا لليمنيين يتطلب منهم في الوقت ذاته قراءة تاريخهم وتجاربه الناجحة والإضافة إليها بكل جديد من شأنه أن يعزز من ارتباطهم بتاريخهم الحضاري في مجال الحكم المحلي وتحت أي مسمى عصري كان. غير أن الاتجاه نحو دولة فيدرالية تجمع الشمال والجنوب لن يكون حلا مرضيا لمتطلبات الحاضر اليمني، وهناك من ينظر إلى الفيدرالية كونها مدخلا لتحقيق الانفصال".

يضع عضو مجلس شورى حزب الإصلاح أحمد قائد الأسودي ما يعتبره البديل عن الانفصال والفيدرالية معا وذلك بـ "أن يمنح الحكم للجنوبيين لخمس سنوات والعمل على تحقيق الأمن وإعطاء المحافظات صلاحيات حقيقية واسعة وتعويض وحل المشكلات الحقوقية الرئيسة للجنوبيين وكل المتضررين في المحافظات الأخرى خلال العشرين سنة الماضية واستبعاد كل المسؤولين الموالين لصالح من مختلف المواقع الهامة والمفصلية ووقف التدخلات الخارجية".

تعايش مفقود بين الشمال والجنوب
يمثل تاريخ الثاني والعشرين من مايو عام 1990 ذكرى الوحدة بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بقيادة علي سالم البيض، والجمهورية العربية اليمنية بقيادة علي عبدالله صالح.

وبعد خلافات نشبت بين القيادات الجنوبية والشمالية، أعلن الرئيس علي عبدالله صالح الحرب في السابع والعشرين من أبريل 1994 على القيادة الجنوبية بقيادة علي سالم البيض، الذي أعلن الانفصال في 21 مايو من العام نفسه، أي بعد إعلان الحرب.

واستمرت الحرب حتى تاريخ 7 يوليو 1994، وانتصر فيها علي عبدالله صالح وفرض الوحدة بالقوة، وغادرت القيادة الجنوبية البلد.

ومنذ ذلك الوقت والجنوبيون يتهمون النظام اليمني بتهميشهم وسلب حريتهم وتسريحهم قسريا من وظائفهم. وانطلق إثر ذلك حراك شعبي سلمي بقيادة العسكريين المتقاعدين ينادي بانفصال الجنوب في 7 يوليو 2007.

وخرج علي سالم البيض من منفاه مؤيدا هذه الحركة في 21 مايو 2009، ليعود مرة أخرى إلى العمل السياسي الذي بلغ أوجه إثر سقوط نظام علي عبد الله صالح. ومن المتوقّع أن ينقسم اليمن إلى شطرين مجدّدا ولكن تحت مسمى فيدرالي اتحادي.


تغيير المزاج الانفصالي


بحساسية أقل تجاه الفيدرالية يتحدث عبد السلام محمد الجوفي، وزير التربية اليمني السابق، عن نظرته السياسية إلى هذه التجربة قائلا إن "المركزية أو اللامركزية هي طرق للحكم نجحت في بلدان وفشلت في أخرى، إذا القضية هي من يدير الأمور في المحافظات أو الأقاليم. وأعتقد أن ما يعقد الأمور هو انعدام الثّقة لدى إخواننا في المحافظات الجنوبية والمزاج العام وهذا يحتاج إلى جهد تنموي وثقافي، لأن استمرار انعدام الثقة والمزاج العام المتكون سيجعل الفدرالية طريقا إلى الانفصال لا طريقا إلى حل والوحدة، والسياسيون اليوم يعالجون النتائج وليس الأسباب وجذور المشكلات.. لهذا أعتقد أن اللامركزية أو الحكم المحلي أو الفدرالية هي وسائل وآليات والذي سيحمي الوحدة ليس شكل نظام الحكم وإن كان مهما، ولكن العدالة والشفافية والعمل على تغيير المزاج الانفصالي. أما حسين حازب عضو اللجنة العامة للمؤتمر الشعبي العام فيرى أن الفيدرالية خيار مقبول في حال قامت على نظام الأقاليم الأكثر من أربعة والمتداخلة من المحافظات الشمالية والجنوبية كأقرب الحلول للحفاظ على الوحدة.


فيدرالية مشروطة


ينظر مصطفى نصر، رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، إلى الفيدرالية باعتبارها أسلوبا من أساليب إدارة الدولة وليس لها علاقة بالوحدة أو الانفصال، لكنها في اليمن أصبحت بديلا للانفصال لأسباب سياسية وليست علمية أو اقتصادية. وأضاف "أنا مع خيار الفيدرالية بشروطها وآلياتها الصحيحة المبنية على أسس اقتصادية واجتماعية صحيحة تضمن التنافسية والعدالة وسيادة القانون وتطبيق مبادئ الحكم الرشيد. هناك مطالب للحراك بأن تكون فيدرالية من إقليمين وأنا لا أعتقد أن هذا المطلب هدفه الفيدرالية بقدر ما هو خطوة نحو الانفصال فإذا ما تم اتباع الخيار الاتحادي للدولة أعتقد أن مسألة تقسيم الأقاليم قضية فنية تحتاج إلى معايير".

ويطرح فضل العواضي، عضو مؤتمر الحوار، شرطا آخر لنجاح هذه التجربة السياسية حيث يقول: "في حال إشراك الشعب في تحديد الأقاليم أعتبر أن الفيدرالية هي الحل الأفضل والأقرب إلى ملامسة احتياجات الشعب".

في الجانب المقابل يسخر الأديب والروائي اليمني المقيم في فرنسا حبيب سروري من الانشغال بقضايا مثل الفيدرالية في الوقت الذي يبحث فيه الناس في اليمن عن حلول لمشاكلهم اليومية: نهب ثروات، تعليم فاشل، تنمية معدومة، كهرباء غائبة، قتلة دون محاسبة، فقر، جوع… فيما يأتي الذين "اُنتخبوا لهذا الشعب حلولا فارغة لم تكن يوما في جدول رغباته: فيدرالية، أقاليم… وترسيمات لمزيد من الابتزاز والنهب".

ويرى الكاتب الصحفي عبدالعزيز الهياجم أن المسألة ليست بالسهولة التي يعتقدها المنادون بالفيدرالية أو الرافضون لها، حيث أن فرض استمرار نموذج الوحدة الاندماجية القائمة منذ عام 1990 أصبح صعبا في ظل السقف الذي وصلت إليه مطالب القوى الجنوبية التي أكثرها اعتدالا ينادي بفيدرالية انتقالية من إقليمين تتوج بتقرير المصير، فماذا نقول عن أكثرها تطرفا؟

ويضيف الهياجم: "صحيح أن الفيدرالية لها مزايا كثيرة حيث تنهي المركزية الحادة وبيروقراطيتها وتمنح الأقاليم استقلالية كبيرة في التخطيط والبناء والإنماء، لكن في بلد شديد التخلف كاليمن الرابض على حقول ألغام ومخزون من السلاح الخارج عن سيطرة الدولة وتركة ثقيلة من المنازعات والولاءات الخارجية، وفي ظل كل تلك المعطيات، عجزت دولة مركزية عن فرض سيطرتها وهيبتها على البلد فما بالنا عندما يتجزأ إلى أقاليم عدة، ربما يضاف إلى مصطلح اللامركزية المالية والإدارية لامركزية الحروب والتناحرات".

ويعتقد الهياجم أن "الفيدرالية خيار صعب لا مفر منه، شرط أن نحصل على ضمانات دولية بضخ دعم مالي سخي وسياسي قوي وبإبقاء العصا الأممية الغليظة لردع من يمكنه أن يقودنا إلى الكارثة من بوابة الفيدرالية".

الباحث والناشط السياسي محمد اللوزي ينظر إلى الفيدرالية كبديل مناسب وأقل وطأة من خيار الانفصال معتبرا أنها ساهمت في تخفيف ما أسماه "التطرف الجنوبي" الذي وصل لدى البعض وهم كثر إلى حد المطالبة بفك الارتباط كرد فعل على اللامبالاة تجاه المطالب المشروعة.

ويضيف: "ولعل الفدرالية هنا تخفف إلى حد كبير من التطرف الذي ينادي بالانفصال وهو أمر جيد حتى لا يجد الوطن نفسه أبعد من الفيدرالية ثم إن كل الأنظمة التي نجحت حقيقة في خلق تعايش ومواطنة متساوية هي التي تبنت الفدرالية نظاما لها لحل مشكلات "المناطقية" والطائفية".


فيدرالية مزمنة


القيادي في الحراك الجنوبي عبدالكريم قاسم يتحدث بدوره عن مطالب "الشعب في الجنوب باستعادة دولته كاملة السيادة بعد تجربة لوحدة اندماجية فاشلة تحولت إلى احتلال مباشر من قبل الشمال للجنوب باعتراف قادة شماليين". غير أن قاسم يعود ويستدرك قائلا إن "حل الفيدرالية المزمنة مع حق تقرير المصير لشعب الجنوب هو الحل".

وفي ذات السياق يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة صنعاء والباحث الأكاديمي اليمني فؤاد الصلاحي: "الفيدرالية بمعنى توزيع اليمن ضمن أقاليم متعددة في إطار دولة مركزية قوية تحفظ للاتحاد حضوره وتدعم الأقاليم في وجودها وتوازنها.. الفيدرالية بهذا المعنى هي إعادة توحيد لليمن برؤية سياسية جديدة… لكن مراكز القوى في اليمن تستهدف إضعاف اليمن واستخدام الفيدرالية كحصص وغنيمة لها ولحلفائها ومن هنا سيكون المدخل نحو انهيار الدولة وظهور ممكنات الانفصال… وإذا تم اعتماد رؤية وطنية صادقة يمكن أن تكون الفيدرالية أداة توحيد وتطوير لليمن".

الناشط السياسي عبدالهادي العزعزي يبدو متحمسا لشكل الدولة الفيدرالية "على اعتبار أن هناك حالة من التعدد الجغرافي والثقافي الذي تعكسه البيئة الجغرافية، كما أن هناك تباينا في الإمكانيات وغياب تاريخ للمركزية السياسية في البلد والحاجة الكبيرة إلى إحداث تنمية وفرض حالة من التحدي الحضاري أو تحدي الوجود من أجل تحقيق تنمية حقيقية".

6