اليمن.. فساد وأجندات خارجية وهروب رأس المال.. عوامل محفزة على الصراع

الجمعة 2013/11/22
اليمن يعاني من معدلات عالية جدا من الفقر والجوع

لندن- «اليمن: الفساد، هروب رأس المال والعوامل الدولية المحفزة على الصراع»، دراسة صدرت عن المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية، يسلّط من خلالها دجيني هيل وبيتر سالسبوري وليوني نورثدج ودجين كنينمونت الضوء على المشهد السياسي والاقتصادي في اليمن، البلد الأكثر فقرا في منطقة الشرق الأوسط، في محاولة لفهم التحولات السياسية المعقدة التي أعقبت «الربيع العربي» وكذلك السياسات الدولية الخاصة بالدول الهشة والحرب على الإرهاب.

يرى معدّو الدراسة أن تنازل الرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح، عن السلطة في شهر نوفمبر – تشرين الثاني 2011 وتفويض صلاحياته إلى نائبه عبد ربه منصور هادي، بعد ثلاثة عقود من حكم الجمهورية العسكرية، جنّب البلاد خطر الانزلاق إلى حرب أهلية وشيكة. وقد دفع هذا التحول ببعض المراقبين إلى اعتبار العملية الانتقالية في اليمن قصة نجاح إقليمية، بل وأشاروا إلى أنه يمكن أن تقدّم نموذجا للدول المتضررة من النزاع بما في ذلك سوريا.

إلا أن نتائج المرحلة الانتقالية لا تزال غير واضحة أو مؤكدة. وبعيدا عن اعتبارها الطريقة الصحيحة لضمان تحقيق مستقبل آمن ومزدهر، يواجه اليمن مخاطر جدية من عدم الاستقرار السياسي، بالإضافة إلى أزمة الموارد التي تلوح في الأفق، وهو ما قد يجبر الحكومة الانتقالية الحالية على استنفاد احتياطيات اليمن من النفط لدعم الموازنة العامة للدولة بشكل عاجل.

وعلى الرغم من الجهود المتضافرة من جانب الجهات المانحة لزيادة المساعدات في مجال التنمية وتعزيز الإصلاحات المتعلقة بالحوكمة خلال العقد الماضي، فلا يزال اليمن يعاني من معدلات عالية جدا من الفقر والجوع. ويقدر برنامج الغذاء العالمي أن أكثر من 10 ملايين يمني، أي 46 في المئة من السكان، لا يملكون ما يكفي من الطعام. ويزداد الوضع سوءا بسبب سلوك الإثراء الذاتي الذي يميز النخب في البلاد من خلال استنزافهم لموارد اليمن، وتحويل مكاسبهم غير المشروعة والأرباح غير الخاضعة للضرائب إلى الخارج، بالإضافة إلى معارضتهم بشدة في أغلب الأحيان للإصلاحات الهيكلية التي أصبحت مطلبا ملحا في هذا البلد.

وضعت الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في اليمن سنة 2011 أزمة الشرعية السياسية للدولة على واجهة الأحداث، إضافة إلى إذكاء الصراع العلني والمفتوح بين مختلف الفصائل الحاكمة

وقد تم إعداد خارطة طريق للفترة الانتقالية في اليمن من الأطراف الدولية على أساس مؤتمر الحوار الوطني الطموح وإعادة هيكلة الجيش والقيام بإصلاحات دستورية. وتمثل هذه العملية، التي من المقرر أن تنتهي بتنظيم انتخابات جديدة في سنة 2014، فرصة تاريخية لإعادة النظر في بنية الدولة.

وعلى غرار العديد من القيادات الانتقالية التزمت الحكومة اليمنية المؤقتة بالقيام بإصلاحات سياسية واقتصادية بيد أن تطبيقها على أرض الواقع قد يكون صعب المنال في ظل تضاربها مع مصالح النخبة الحالية. وفي الواقع يتساءل العديد من اليمنيين حول ما إذا كان الاتفاق الانتقالي يمثل بداية مفاوضات تاريخية للوصول إلى حل سياسي أو أنه خطة خفيّة تهدف إلى المحافظة على السلطة والثروة من قبل أعضاء من النخبة الحالية الحاكمة.

وبعد دعم وإجراء الوساطة لنقل السلطة من الرئيس صالح إلى هادي في محاولة لضمان انتقال سلس للسلطة، فإن الأطراف الخارجية الفاعلة، وخاصة الأمم المتحدة والولايات المتحدة والمملكة المتحدة والمملكة العربية السعودية، تعمل على تكثيف مشاركتها بشكل يومي في متابعة تنفيذ اتفاق نقل السلطة المتفق عليه وتوفير الزخم الدبلوماسي المطلوب والدعم التقني لإنجاح المسار الانتقالي. وفي الواقع تتميز العملية الانتقالية في اليمن بتوفر القدرة على إرساء الأسس لشكل سياسي شامل ومسؤول من شأنه أن يهيئ بمرور الوقت لعملية انتقالية موازية في مجال الاقتصاد السياسي. ولكن تحقيق هذا الوعد على أرض الواقع يتطلب مشاركة دولية رفيعة المستوى تتجاوز دور الدبلوماسية التقليدية .


الأطراف الخارجية


بدورها تشكل الأطراف الخارجية قوة استقرار وعامل خطر في نفس الوقت عندما تتعارض سياساتها، المدفوعة في أغلب الأحيان بالأولويات قصيرة الأمد لمكافحة الإرهاب، مع التصورات اليمنية للشرعية المحلية إلى حد تقويضها بشكل مباشر في بعض الأحيان وخاصة في ما يتعلق بإستراتيجية الولايات المتحدة الأميركية للطائرات دون طيار. وعلى امتداد العقود الماضية كان الإنفاق في مجال المساعدات التنموية لا يحظى بأولوية كبيرة من قبل المانحين الدوليين على غرار المساعدات العسكرية وهو ما يرسل في حد ذاته برسائل إلى قادة اليمن حول الأولويات التي يريد منهم شركاؤهم الدوليون متابعتها.

صاغت المصالح الأمنية إستراتيجيات الحكومات الغربية والخليجية في اليمن على مدى العقد الماضي بما في ذلك الجهود المبذولة لدعم العملية الانتقالية في سنة 2011

وينبغي أن يبعث اعتماد اليمن على المساعدات الخارجية ببعض الأمل على الأقل في أن الجهات الخارجية المانحة يمكن أن تكون بمثابة وسيلة للضغط من أجل التغيير، فوفقا لصندوق النقد الدولي ارتفعت المنح الخارجية إلى اليمن من حوالي 1 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في السنوات السابقة إلى نحو 6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2012، ولكن قيمة المساعدات الأجنبية المهمة لم تخف الحجم الكبير من رؤوس الأموال المهربة إلى الخارج إذ تصنف اليمن في المرتبة الخامسة من بين البلدان الأقل نموا التي شملتها دراسة هروب رأس المال بين سنتي 1990 و2008. وقد حفزت الملاذات الضريبية الدولية هذه التدفقات المالية غير المشروعة بهذا الحجم. ويلحق هروب رؤوس الأموال إلى الخارج أضرارا بعائدات الضرائب المحلية والاستثمار المحلي اللازم لتمويل المشاريع التنموية في اليمن.

في هذا الصدد، يسجل بعض التضارب بين سياسات المعونة للدول الغربية المانحة وبين سياساتها تجاه مسألة التهرب الضريبي الدولي، ولكن اليمن يمر بفترة يمكن، بل ويجب، أن يضاعف فيها المانحون الدوليون جهودهم بأكثر فاعلية. في عالم تشتد فيه العولمة لا يمكن أن يكون الدعم الدولي لبرامج الإصلاح في الدول النامية بمعزل عن إزالة الحوافز الدولية التي تسمح بالإثراء الشخصي على حساب الحكم الرشيد. وفي مواجهة السيناريو البديل ليمن أكثر تفقيرا ومعتمد على نحو متزايد على المساعدات الخارجية، يشكل اهتمام دول مجموعة الثماني في الآونة الأخيرة الذي يركز على مسائل الشفافية الضريبية الدولية والحد من الفقر في العالم مستقبلا كما أبرزها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون خلال رئاسة المملكة المتحدة لقمة مجموعة الثماني لسنة 2013، فرصة مهمة تحظى بإجماع كل الأطراف لرسم سياسة مشتركة وعلى نطاق أوسع في هذا المجال.


فهم الاقتصاد السياسي في اليمن


تم بناء الاقتصاد السياسي في اليمن حول نخبة صغيرة متكونة من العسكريين والقبائل والطبقة السياسية والقطاع الخاص. وخلال العشرية الأولى من الألفية الثانية، ظهر جيل جديد من «الورثة» من بين النخبة الحاكمة تدريجيا وبدأ التنافس على الاستثمارات يشتد تزامنا مع انخفاض إنتاج النفط. وظلت البنى التحتية للاقتصاد السياسي تحت حكم صالح سليمة إلى حد كبير طوال الفترة الانتقالية، وتشير كل الأدلة إلى «إعادة التوازن» الداخلي بين المستفيدين من النخبة في مقابل التغيير الجذري.

ويبقى مستقبل اليمن رهن مزيد وعي حكامها أكثر من ذي قبل بالتهديدات التي تشكلها الفصائل المتنافسة داخل النخب الحاكمة، مع إعطاء الأولوية في تحديد سياساتها على الغضب الشعبي بسبب فشل الحكومة في تخصيص المزيد من الموارد على نطاق أوسع.

تم بناء الاقتصاد السياسي في اليمن حول نخبة صغيرة متكونة من العسكريين والقبائل والطبقة السياسية والقطاع الخاص

لقد صاغت المصالح الأمنية إستراتيجيات الحكومات الغربية والخليجية في اليمن على مدى العقد الماضي بما في ذلك الجهود المبذولة لدعم العملية الانتقالية في سنة 2011. كما أن قدرة الأطراف الدولية على التفاوض تصطدم بعراقيل من قبيل تضارب التوجهات السياسية بسبب تضارب المصالح والأولويات على مستوى البلد وكذلك الأجندات المختلفة في الوكالات الدولية المتعددة.

وعلى الرغم من التعهدات بتقديم مساعدات دولية كبيرة إلى اليمن خلال الفترة الانتقالية، فإن ضعف قدرات الدولة، إضافة إلى مقاومة النخب للإصلاح والتنافس بين الفصائل يشكل عائقا أمام عملية تحويل المساعدات.

وتتزايد المنافسة بين النخب في اليمن من خلال هروب رأس المال، حيث تعد اليمن خامس أكبر مصدر في العالم لتدفقات رؤوس الأموال غير المشروعة من بين البلدان الأقل نموا بين سنتي 1990 و2008، حيث تم تسجيل تحويل 12 مليار دولار من الأموال خارج البلاد. وبسبب تدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج مع توفر الملاذات الضريبية التي تسهل هروب رأس المال تتضاءل تدفقات المعونة الدولية إلى اليمن حيث سجل في الفترة الممتدة من سنة 1990 إلى 2008 تهريب 2.7 دولار خارج اليمن مقابل كل دولار واحد تتلقاه اليمن في شكل مساعدات.

إن الفشل في تحقيق إصلاح مهم في النظام الاقتصادي القائم على المحسوبية يمثل العائق الأكبر لتخطي الفترة الانتقالية بنجاح.

6