اليمن في ظل مناورات الحوثيين

الاثنين 2014/03/24

أن ينسحب الحوثيون من مواقع في ضواحي صنعاء استولوا عليها حديثا لم يعد هو المسألة. أن تعود الاشتباكات إلى مناطق في محافظة عمران يواجه فيها الحوثيون هذه المرّة قوات الأمن اليمنية ليس هو المسألة أيضا. كلّ ما في الأمر أن الحوثيين يتقدمون في هذا الاتجاه أو ذاك، ثم يتوقفون بغية هضم ما ابتلعوه. إنّهم يناورن ببراعة. ينسحبون أحيانا من مواقع معيّنة من أجل تأكيد مدى قوتهم ومدى حسن نيّتهم واهتمامهم بعدم إثارة الحساسيات مع القبائل، خصوصا عندما تكون لديهم مصلحة في ذلك.

ما على المحكّ في اليمن مرتبط بمستقبل البلد ككل، نظرا إلى أن هناك فوضى عارمة في الجنوب، وضياع كامل في الوسط الشافعي، وتغييرات ذات طابع جذري في الخريطة السياسية وموازين القوى في الشمال الزيدي. يضاف إلى ذلك كلّه وجود حكومة لا تعرف ماذا تريد، فيما المجتمع الدولي الذي يفترض أن تمثّله الأمم المتحدة غارق في تصفية حسابات ذات طابع شخصي لا علاقة لها بما يدور على أرض الواقع من قريب أو بعيد.

هناك من يستغلّ هذه المعطيات ويستفيد منها قدر المستطاع، خصوصا أن الإخوان المسلمين عملوا كلّ ما يستطيعون عمله من أجل تدمير مؤسسات الدولة بعدما اعتقدوا في مرحلة معيّنة أن ركوب موجة “الربيع العربي” سيوصلهم إلى السلطة. تجاهلوا تركيبة البلد التي هي تركيبة في غاية التعقيد.

لم يستوعبوا أن خلافة علي عبدالله صالح ليست نزهة وأن انهيار التركيبة التي كانت قائمة، والتي كانوا جزءا لا يتجزّأ منها سيقود إلى إفلاسهم. بل إن انهيار تلك التركيبة بحسناتها وسيئاتها الكثيرة سيجعل الصراع في البلد يدور داخل أسوار صنعاء وفي محيطها وعلى أبوابها.

حتى الأمس القريب، كانت صنعاء تمثّل المركز. صارت اليوم أقرب إلى مدينة مهدّدة، أكثر من أيّ شيء آخر. صار الصراع على صنعاء بعد أن كان الصراع على اليمن يدار من صنعاء وتتحكّم فيه صنعاء.

مرّة أخرى كان لسقوط المعادلة، معادلة «الشيخ والرئيس» (بين علي عبدالله صالح وعبدالله بن حسين الأحمر) التي تحكّمت بالبلد وسمحت بحكمه من صنعاء، نتائج في غاية الخطورة بالنسبة إلى مستقبل البلد.

لن تتكفّل صيغة “الدولة الاتحادية” والأقاليم الستة بمعالجة هذه النتائج، لا لشيء سوى لأنّ هذه الصيغة لا تأخذ في الاعتبار أنّ هناك قوى لا يمكن ضبطها في غياب الدولة المركزية التي كان متوقعا أن تقدم باكرا على الإصلاحات التي تصبّ في اللامركزية الموسعة ووقف الظلم اللاحق بالجنوبيين، خصوصا بعد حرب صيف عام 1994 التي حافظت على الوحدة لكنها أدّت عمليا إلى انهيار التوازن الذي كان سائدا بين الشمال والجنوب، والذي كان قائما على سيبة ثلاثية عرف علي عبدالله صالح كيف يتحكّم بها ويوظفها بما يخدم مصالحه، بصفته اللاعب الأوّل والأهمّ في البلد.. حتى سنة 2012.

كانت هذه الصيغة تضمّ المؤتمر الشعبي العام، وهو حزب علي عبدالله صالح، والحزب الاشتراكي اليمني الذي كان يمثّل عمليا الجنوب وعلى رأسه علي سالم البيض، والتجمع اليمني للإصلاح بزعامة عبدالله الأحمر الذي كان بالفعل تجمّعا هجينا فيه قبليون وإخوان وسلفيون وانتهازيون من كل الأشكال والأنواع. لكنّ العمود الفقري للتجمع كان الغطاء الذي وفّره له عبدالله الأحمر من جهة، وتنظيم الإخوان المسلمين من جهة أخرى.

كان لابدّ من استعادة الماضي لمحاولة فهم التخبط الذي يعاني منه اليمن. فعلي عبدالله صالح صار أسير صنعاء بعد خروجه من السلطة، وذلك على الرغم من أن ليس في الإمكان الاستهانة بالقوة العسكرية التي لا تزال تحت سيطرته. والحزب الاشتراكي اليمني لا يزال يعاني من آثار هزيمة 1994 ومن صعود التيار الانفصالي في الجنوب.

أمّا الإصلاح، الذي فقد توازنه بوفاة عبدالله الأحمر في أواخر السنة 2007، فإنه فقد في السنة 2014 علّة وجوده بعد خسارة آل الأحمر المعركة التي خاضوها في عقر دارهم، محافظة عمران، مع الحوثيين. صار الإخوان المسلمون يختزلون الإصلاح الذي فقد جناحه القبلي.

هناك قوة وحيدة صاعدة في اليمن حاليا. إنها القوّة الوحيدة التي تمتلك حدا أدنى من التماسك والقوى العسكرية المنظمة التي تسمح لها بتحقيق أهدافها. هذه القوة هي الحوثيون الموالون لإيران. هؤلاء يتمددون بكل الاتجاهات رافضين قبول نتائج مؤتمر الحوار الوطني وحدود الأقاليم الستة. يريدون ميناء بحريا، هو ميناء ميدي في محافظة حجة، ويريدون السيطرة على محافظة الجوف الغنية بثرواتها غير المكتشفة وبما تمتلكه من ثروة مائية في باطن الأرض.

في الأيّام الأخيرة طوّق الحوثيون صنعاء ثمّ تراجعوا قليلا، علما أنّهم يمتلكون في الأصل قواعد داخلها. فعلوا ذلك فيما السلطات اليمنية تتفرّج. ليست وحدها التي تتفرّج. العالم يتفرّج معها ولا همّ لدى كثيرين سوى الحديث عن تواطؤ بينهم وبين علي عبدالله صالح.

صحيح أنّ الرئيس اليمني السابق لعب في مرحلة معينة، قبل نحو خمسة عشر عاما، دورا في تشجيع الحوثيين على تكوين حركة خاصة بهم. وهذا عائد إلى حسابات مرتبطة بالخلاف التاريخي مع المؤسسة الزيدية التقليدية.

ولكن في نهاية المطاف، خاض علي عبدالله صالح حروبا عدة مع هؤلاء ابتداء من السنة 2004، بعدما اشتد عودهم وترسّخت علاقتهم بإيران. نتائج الحروب السبع التي اختلطت فيها الأوراق تعتبر سببا أكثر من كاف لاستبعاد حلف ذي أسس متينة بين الحوثيين والرئيس السابق. فتعليق كلّ مشاكل اليمن على شماعة اسمها علي عبدالله صالح بمثابة هروب من الواقع ومن البحث الجدي في التعاطي مع الأمور كما هي، أي مع بلد يتفتت.

هناك دولة حوثية بدأت تتكوّن في الشمال. الحوثيون يسعون إلى هضم الانتصارات التي حققوها، على رأسها الانتصار على آل الأحمر، زعماء حاشد، سابقا، وهم الآن على أبواب صنعاء وفي داخلها. في المقابل هناك واقع آخر يفرض نفسه في الجنوب، في محافظة حضرموت تحديدا، التي أصبحت شبه مستقلة، والتي يوجد اهتمام سعودي خاص بها لأسباب مرتبطة مباشرة بأمن المملكة وتطلعها إلى منفذ على بحر العرب.

نعم، هناك وضع جديد في اليمن. لا يخدم الخروج من حال الضياع، التي تهيمن على هذا الوضع، تجاهل الحالة الحوثية التي يسمّيها كثيرون “الخطر الحوثي”. كذلك، لا يخدم الخروج من الوضع تجاهل ما يجري في المحافظات الجنوبية، خصوصا في حضرموت. كلّ ما عدا ذلك هرب من الواقع لا يمكن تغطيته عن طريق الكلام عن النتائج “الايجابية” التي حققها مؤتمر الحوار الوطني الذي استمرّ سنة كاملة، والذي لا يزال الجدل الذي ساده يراوح مكانه، أي أنّ المؤتمر لا يزال يدور حول نفسه.


إعلامي لبناني

8