اليمن مهدد بالعودة إلى الانشطار

الثلاثاء 2015/03/24
خلل أمني يهدد اليمن بالتقسيم

صنعاء- الأوضاع المضطربة التي يمرّ بها اليمن منذ اجتياح جماعة الحوثي للعاصمة صنعاء، وما نتج عن ذلك من انفلات أمني جراء تغييب دور الجيش والأمن وسيطرة شبه كاملة على سلاح الدولة من قبل ميليشيات "أنصار الله" الشيعية المدعومة من إيران، باتت تنبئ باحتدام الصراع أكثر في اليمن الذي أضحى مهددا بالتقسيم والعودة إلى حالة التشرذم التي كان عليها قبل توحيده في بداية التسعينات من القرن الماضي.

ليس هناك موقع في اليمن هذه الأيام، شمالا أوجنوبا، يمكن أن نُطلق عليه منطقة آمنة، إذ يلحظ المتابع تسارعا دراماتيكيا للأحداث وخاصة على 4 جبهات تعتبر الأكثر اشتعالا. فمنذ الـ21 من سبتمبر الماضي، تاريخ اجتياح جماعة “أنصار الله” (الحوثي)، للعاصمة صنعاء، اشتعل الصراع في العديد من المحافظات اليمنية نتيجة الممانعة الشديدة التي يُقابل بها الحوثيون من قبل أهالي تلك المناطق، خصوصا ذات التركيبة القبليّة التي ترفض سيطرة المسلحين على أراضيها.

ومع إصرار الحوثيين على التقدّم، تزداد فرضية اندلاع حرب مفتوحة ستعيد اليمن كما كان قبل أن يتوحّد شطراه الشمالي والجنوبي، وإن لم يكن أسوأ وفق الخبراء. ويؤكّد المبعوث الأممي إلى اليمن جمال بنعمر أن “الوضع في اليمن معقد جدا وهش، واحتمالات تطوره كبيرة”، مؤكدا أن الدولة انهارت تقريبا، والهوة نحو اتجاه الانفصال والتقسيم باتت تضيق أكثر فأكثر.

وتعيش البلاد منذ أشهر وضعا أمنيا منفلتا، نتيجة تغييب قوات الجيش والأمن، وسيطرة شبه كاملة على سلاح الدولة من قبل مليشيات الحوثي، الشيعية المدعومة من إيران، ومحاولاتها المستميتة لمدّ نفوذها بقوة السلاح، نحو 4 جبهات مشتعلة.

* مأرب: (شرق) منذ أشهر تحاول جماعة الحوثي السيطرة على مأرب، ودارت اشتباكات بينها ورجال القبائل من جهة محافظة الجوف شمالا، لكن الجماعة فشلت في ذلك. ويبدو أن الحوثيين غيروا استراتيجيتهم في ما يخص جبهة مأرب، فمنذ 3 أيام حشد الحوثيون مسلحيهم على تخوم مأرب من الجهة الجنوبية على الحدود مع محافظة البيضاء، وتحديدا في منطقة “قانية” مديرية “ماهلية”.

الوضع يحمل بذور انفجار كبير في اليمن الذي يمر بأزمة تشمل مكوناته السياسية والقبلية والطائفية لتشكل صراعا معقدا

وتكمن أهمية مأرب في وجود حقول النفط بها، ومنها يمتد الأنبوب الرئيسي لضخ النفط من حقول “صافر” بالمحافظة إلى ميناء رأس عيسى على البحر الأحمر غربي البلاد، إضافة إلى وجود محطة مأرب الغازية التي تمد العاصمة صنعاء وعدة مدن يمنية بالطاقة الكهربائية.

* تعز: (وسط) تعتبر العاصمة الثقافية لليمن، وكبرى مدنه من حيث التعداد السكاني، ومنها انطلقت شرارة ثورة 11 فبراير 2011 التي أدت إلى إقصاء علي عبدالله صالح من رئاسة اليمن، وهي اليوم تنتفض في وجه مسلحي الحوثي الذين وصلوها، السبت.

وقُتل الأحد، أول متظاهر وأصيب 10 آخرون، جراء إطلاق مسلحي الحوثي الرصاص الحي باتجاه تظاهرة رافضة لتواجدهم، الأمر الذي ينبئ بانفجار الوضع وتكرار سيناريو محاصرة القوات الخاصة في عدن.

* عدن: (جنوب) العاصمة الاقتصادية للبلاد، وكبرى مدن الجنوب، وبها أقدم ميناء في المنطقة، ولها أهمية استراتيجية لقربها من خط الملاحة الدولي. ومنذ وصول الرئيس هادي إلى عدن، في 21 فبراير الماضي، أعلنها عاصمة مؤقتة للبلاد حتى انتفاء الأسباب التي أجبرته على مغادرة صنعاء، ممثلة بتواجد مسلحي جماعة الحوثي وسيطرتهم على مؤسسات الدولة، بما فيها القصر الرئاسي.

* لحج: (جنوب) أقرب المحافظات إلى عدن، وبها قاعدة “العند” الجويّة، أكبر قاعدة لسلاح الجو اليمني. وتشهد لحج أعمال عنف، كان آخرها اقتحام مستشفى “ابن خلدون”، في مدينة “الحوطة” عاصمة المحافظة، السبت، من قبل مسلحين مجهولين، وقتل عدد غير محدود من الجنود الذين يعملون كحراسة للمستشفى.

ويرى الخبراء أن تحركات الحوثيين وفق خارطة محدّدة وإصرارهم على المضي قدما نحو مناطق بعينها، بعد سيطرتهم على العاصمة صنعاء، مركز القرار السياسي، تكشف أنهم، في الوقت الحالي، ليسوا مهتمّين بالحكم المباشر لليمن، بقدر ما يسعون إلى القوة المادية التي توفّرها مأرب العائمة على بحر من النفط، وعدن، العاصمة الاقتصادية للبلاد، وكبرى مدن الجنوب، التي ستعني سيطرتهم عليها إجهاض محاولات الانفصال، والنقطة الرئيسية الأخرى هي السيطرة على مضيق باب المندب، الذي سيكون، في جانب منه، هدّيتهم لراعيتهم إيران.

إيران عند باب المندب

الأطراف الرئيسية في الأزمة اليمنية
يمر اليمن بأزمة تشمل مكوناته السياسية والقبلية والطائفية لتشكل صراعا معقدا قد يجر إليه المملكة السعودية ومنافستها الإقليمية الرئيسية إيران.

* الحوثيون أو أنصار الله: بدأت كحركة لمجموعة من الشبان تحت اسم “الشباب المؤمن” عام 1992 لدعم حقوق الطائفة الزيدية الشيعية وقاتلت الحكومة من عام 2003 حتى عام 2009. وفي الآونة الأخيرة ارتدت عباءة الثورة وتقدمت وسيطرت على العاصمة صنعاء، ويرأسها اليوم عبدالملك الحوثي، وهي متحالفة مع إيران.

* عبدربه منصور هادي: انتخب كرئيس مؤقت للبلاد عام 2012. حاصر الحوثيون مقر إقامته في صنعاء بعد أن سيطروا عليها. استقال في يناير 2015 ووضعه الحوثيون قيد الإقامة الجبرية في منزله ولكنه فر الشهر الماضي إلى عدن وتراجع عن استقالته وشكل حكومة هناك ودعا الجيش إلى الانضمام إليه.

* علي عبدالله صالح: رئيس البلاد بعد توحيد اليمن الشمالي واليمن الجنوبي اعتبارا من عام 1990. أرغم على التنحي في عام 2011 بعد احتجاجات شعبية، غير أنه ظل رئيسا شرفيا حتى عام 2012. يتهمه الغرب باستغلال نفوذه وقاعدته العسكرية وتحالفه غير المتوقع مع الحوثيين لإضعاف هادي في محاولة لاستعادة السلطة.

* تنظيم القاعدة في جزيرة العرب: أنشط أفرع تنظيم القاعدة، ورغم عمليات عسكرية متكررة لطرده من معاقله في جنوب البلاد وشرقها إلا أنه شن سلسلة من الهجمات الدامية ضد قوات الأمن اليمنية.

* الحراك الجنوبي: ائتلاف جماعات تريد إلغاء وحدة اليمن وإحياء دولة اليمن الجنوبي.

* الإصلاح: حزب يمثل التيار الإسلامي الإخواني. بدا وكأنه سيكتسب المزيد من السلطة خلال الفترة الانتقالية إلا أنه خسر أمام تقدم الحوثيين.

لا شكّ أنّ الدعم الذي تغدق به إيران على جماعة الحوثي، يفرض على هذه الأخيرة ولاء تاما لطهران، ويلزمها بتحقيق المآرب التوسعية الإيرانية في كل الاتجاهات، وصولا عند باب المندب.

وتقول الأخبار القادمة من اليمن إن الحوثيين باتوا قاب قوسين من مضيق باب المندب الاستراتيجي. ويكفي بالنسبة إلى الحوثيين أن يتقدموا قليلا نحو الغرب ليصبحوا على الساحل المطل على المضيق، ويكفي بالنسبة إلى القوى الإقليمية والدولية أن يحقّق الحوثيون خطوة من هذا التقدّم حتى يأخذ الصراع في اليمن بعدا دوليا.

ويقع المضيق الذي يفصل الجزيرة العربية عن أفريقيا على مقربة من مدينة تعز التي سيطر الحوثيون، الأحد، على مطارها ويسعون إلى السيطرة عليها بشكل كامل، وهي مطلة بشكل مباشر على مضيق باب المندب، بين خليج عدن والبحر الأحمر، والذي يملك خصائص جيوبوليتيكية واستراتيجية وعسكرية مهمة قد تجعل منه ساحة صراع دولية.

أي تقدّم يمكن أن يحققه الحوثيون في مضيق باب المندب يستوجب في مرحلة أولى تدخل السعودية ومصر لحماية أمنهما الإقليمي، وفي مرحلة أخرى تدخّلا دوليا حيث أن مضيق باب المندب يمر به قسم هام من الملاحة الدولية.

فالقوى الكبرى لا تستطيع أن تقبل بسيطرة مجموعة مرتبطة بإيران على مضيق باب المندب خصوصا أن طهران تسيطر في الأساس على مضيق هرمز، وهو المضيق الاستراتيجي الآخر الذي يربط بين الخليج وبحر العرب.

وكانت مصادر مصرية، كشفت، في وقت سابق لـ “العرب” أنه تم بالفعل رصد تواجد قطعتين بحريتين تابعتين لإيران في منطقة عدن، بالقرب من باب المندب. فيما أكّد علي حفظي، الخبير العسكري المصري، أن القوى الدولية لن تسمح بتمركز نفوذ عسكري لطهران أو حلفائها في مدخل البحر الأحمر، الذي توجد على مسافة قريبة منه جملة من الأساطيل الدولية. وقال حفظي، لـ”العرب”، إن هناك تقديرات لموقف استراتيجي تقوم بها المخابرات العامة والحربية والجيش المصري، حول التحركات الإقليمية للقوى الفاعلة في المجال الحيوي والأمن القومي.

الانفجار الكبير

لم يعد الخبراء يشكّكون في أن الصراع المستمر بين الحوثيين وخصومهم، سيفضي إلى مواجهة كبرى، بدأت ملامحها تظهر، بعد عملية تفجير مسجدي بدر والحشوش بصنعاء، التي تبنّاها تنظيم داعش. وقد أعلنت هذه الحادثة عن دخول تنظيم داعش إلى اليمن، ونزوله إلى ساحة الحرب. وهو دخول يقول خبراء إنه سيجهض على ما تبقّى من أمل في النهوض بالبلاد.

حرب داعش في اليمن ستكون مفتوحة على جبهات عدّة، أولها ضدّ جماعة الحوثي الشيعية، وثانيها ستكون ضدّ السلطات اليمنية وداعميها، أما الثالثة فيوتقّع خبراء أن تفتح بين داعش وتنظيم القاعدة، الذي يتخذ فرعه العربي الأقوى من جبال اليمن مقرّا له.

يحمل هذا الوضع بذور الانفجار الكبير في اليمن الذي يمر بأزمة تشمل مكوناته السياسية والقبلية والطائفية لتشكل صراعا معقدا، ويضم أيضا الانفصاليين الجنوبيين الذين يراقبون التطورات في الشمال بشكل وثيق ليغتنموا الفرصة لمحاولة تحقيق الانفصال من جديد، والإخوان، الذي يتحينون بدورهم الفرصة للانتقام من كلّ من استعملهم أداة لتحقيق تقدّمه، على غرار الرئيس اليمني السابق عبدالله صالح، الذي بدوره يسعى أنصاره إلى الانقلاب على ثورة 2011 التي أطاحت بنظامهم.

الأمم المتحدة: الصراع في اليمن يكرر سيناريو العراق وليبيا وسوريا

هذا الوضع سيؤدّي إلى مرحلة دموية لا تنبئ بحلّ قريب وسلمي لأزمة اليمن، بقدر ما تؤكّد أن الوضع يزداد خطورة والمرحلة الانتقالية المضطربة أصلا في البلاد لن تكون نهايتها كما كان يأمل المتظاهرون الذين خرجوا في 2011 مطالبين بالتغيير الديمقراطي.

وأطلع جمال بنعمر وسيط الأمم المتحدة بشأن اليمن مجلس الأمن على تطورات الأوضاع وقال إن اليمن يُدفع إلى “هاوية حرب أهلية وأنه سيكون ضربا من الوهم أن نتصور أن الحوثيين قد ينجحون في شن هجوم والنجاح في السيطرة على البلد بأكمله. كما سيكون خطأ أن نعتقد أن هادي يستطيع حشد ما يكفي لتحرير البلاد من الحوثيين”. وأضاف “أي جانب يحاول دفع البلاد في أي الاتجاهين سيُدخلها في صراع طويل”.

وأدان مجلس الأمن سيطرة الحوثيين على كثير من أجزاء اليمن وحثهم على الانسحاب وأبدى دعمه لهادي وطالب بإنهاء الاعتدءات. وهدد أيضا “باتخاذ مزيد من الإجراءات ضد أي طرف في الصراع باليمن”

وقال سفير بريطانيا لدى الأمم المتحدة مارك ليال جرانت للصحفيين قبل اجتماع المجلس “إذا كانت هناك أي خطوات يمكن اتخاذها، لتفادي حرب أهلية، فسندرسها حتما. العقوبات هي الخيار الأساسي بالطبع″.

وعبر مجلس الأمن عن القلق من أن يستفيد تنظيم القاعدة من الوضع المتدهور في اليمن. وهذا الثوب الطائفي الإقليمي الدولي الذي يرتديه الصراع في اليمن لن يؤدي إلا إلى تعقيد الأزمة وتصعيد منسوب أمد الصراع وإطالته.

6