اليمن والعودة إلى المربع الأول

الأربعاء 2014/10/01

لم يكن يخطر ببال اليمنيين، هذا الشعب المنكوب بنرجسية حُكامه منذ أكثر من نصف قرن، أن يصوم الدهر ويفطر ببصلة. أجهضت ثورة 2011 من قبل الإسلام السياسي بشقيه الطائفي والمؤسسة العسكرية/ الجنرال المنشق المتحالف مع القبيلة. فهؤلاء ازيحوا إلى غير رجعة مع كل اللعنات. ولكن اليمنيين في الأحداث الأخيرة انتقلوا من زاوية هيمنة جهة إقليمية عربية، إلى أخرى أعجمية، وهؤلاء الذين يهيمنون على المشهد السياسي اليوم دأبوا على انتقاد خصومهم من الإصلاح، ويتناسون ما يحدث اليوم من خلط الأوراق واستدعاء القاعدة لمقارعتهم بدليل الأحداث التي جرت في الأيام الماضية في مأرب والبيضاء وسواهما.

كان الإصلاح في الحكومة المُطاح بها قد شارك بصورة ديمقراطية وليس بتهديد السلاح وبصورة توافقية في الحكومة المؤقتة بناء على المبادرة الخليجية، وكانت الحكومة المنصرمة على أعتاب الرحيل في سياق خارطة الطريق بعد مؤتمر الحوار وعلى أعتاب الدستور الجديد، وللعلم فإنه لم يكن الوحيد في المشهد حيث كان جزءا مما عرف بأحزاب اللقاء المشترك، وكان الحوثيون أنفسهم جزءا من تلك الحكومة التي سيطر عليها بما لا يقل عن النصف حسب تلك المبادرة.

ومن كان يفترض بأن ثورة 11 فبراير قامت ضده غدا مشاركا بأكثر من النصف، انتهت بفتح أبواب صنعاء أمام خصومه. فالسياسة لا تعرف الخصومة الدائمة وأنصار الله الذين قتل الرئيس السابق زعيمهم، تناسوا ذلك فالأيديولوجيا تتوارى أمام المصالح الآنية، فبدلا من الشروع برأس الرئيس السابق، فقد مُنح الأمان لأن المقابل كان كبيرا.

لم يكن أنصار الله يستطيعون الخروج من كهوفهم في صعدة ومران، والوصول إلى عمران، ومن ثم إسقاط صنعاء بقوة السلاح لولا تواطؤ الرئيس السابق والدولة العميقة. فالمؤسسة العسكرية في أغلبها تدين بالولاء له، لأنه ببساطة كان جيشا طائفيا. هذا الجيش والمؤسسة الأمنية التي كان يصرف لها أكثر من ثلث ميزانية هذا البلد الفقير ومن قوت المواطن، لم يعد محايدا فقط بل مشاركا، بدليل قيادة قافلة من الدبابات والتي لا يمكن التعامل معها وسياقتها إلا من عناصر محترفة. فقد شاهد المواطنون قافلة من الدبابات والمعدات العسكرية الثقيلة تخرج من المعسكرات إلى عمران. وهنا سؤالان يطرحان للمراقب، لماذا تتجه شمالا وليس جنوبا، أو تبقى في مكانها طالما صاروا هم الحاكمين. السؤال الأهم، من يستطيع قيادة هذه الأعداد الضخمة من الدبابات والمصفحات غير فريق عسكري من المحترفين.

فتح “بيضة الإسلام” عاصمة اليمن، أشبه بسقوط بغداد حيث كان الذهول سيد الموقف لبضعة أسابيع بل وشهور، ولم تأتِ ردود الأفعال في بلاد الرافدين إلا بعد فترة. ونخشى في اليمن أن يكون الحال بهذا الصورة. فالأحداث بدأت تشير إلى أن شيئا ما يخطط داخليا وخارجيا. فالقاعدة التي كانت في المحافظات الجنوبية غدت تكرس نشاطها في المحافظات الشمالية. والعنف يولد العنف وقد يلقى له حاضنة على غرار داعش في العراق بعد التنكيل بأهل السنة، إلا بعد أن أيقن المواطنون بسلوك الفاتحين، وهو الأمر نفسه في اليمن. فالراصد المحايد وكذا هيئات حقوق الإنسان رصدت سلسلة من التجاوزات التي يندى لها الجبين.

الأوطان تضيع في زمن الميليشيات، وعلى اليمنيين أن يتعلموا دروسا من العراق الذي تسيطر عليه أحزاب دينية بميليشيات، وقد تخلص اليمنيون من حكم عسكري متحالف مع القبيلة والإسلام السياسي، ولكنه دخل حقبة أخرى أكثر تطرفا، لتبدأ مرحلة “مظلومية أهل السنة” الذين يشكلون الأغلبية في اليمن، عكس العراق الذي حكمه السنة عدة قرون بدءا بالعثمانيين، مرورا بالحكم الملكي السني، وانتهاء بحكم قاسم والأخوين عارف ومرحلة البعث، رغم أن شيعة العراق العرب أكثر من سنته. بينما في اليمن العكس صحيح، الزيدية أقل من ربع السكان وهم الذين حكموا اليمن أكثر من ألف سنة، حتى العصر الجمهوري منذ مطلع الستينات وحتى اليوم. لدي الشجاعة لأن أؤكد أن اللاعبين الأساسيين في المشهد السياسي هم من لون واحد ومذهب واحد، فأين بقية اليمن؟

ومن هنا فلا مستقبل للإسلام السياسي في اليمن، وإنما الدولة المدنية التي تضمنها مخرجات الحوار الوطني ومشروع الدستور، والذي كان سيعرض للاستفتاء بعد أسابيع فسبقته الأحداث الأخيرة، لتحقق انتصارات وتفرض أمرا واقعا، وندخل مرحلة انتقالية أخرى. فهل قدر للشعب اليمني أن يكون حقل تجارب لمراهقي السياسة؟

لقد استغل الفاتحون ضعف الدولة وتصارع أركانها وهموم الشارع وشظف العيش والجرعة القاتلة لتحقيق مشروعهم، ولاحظ الكثيرون مدى ديماغوجية هؤلاء وتكتيكهم، وتأخير توقيع اتفاق الشراكة، وحسب قناة سكاي نيوز عربية فإن 76 بالمئة من اليمنيين يتوقعون ألا يصمد اتفاق السلم والشراكة، بدليل التجاوزات بعد التوقيع، وحتى بعد توقيع الملحق الأمني والعسكري.

كما أن جمال بنعمر نفسه يبدي تشاؤمه مما يحدث في ما يتعلق بصمود الاتفاق، ويعترف بأن هناك خطورة من محاولات لتقويض الاتفاقية، ويؤكد أنهم أبلغوا الحوثيين بخرقهم الاتفاقية، ويقول إن الحوثيين فرضوا الأمر الواقع باحتلال مسلحيهم العاصمة.

في خضم هذه الغوغاء يرى العقلاء من أبناء اليمن أن الوطن رغم أنه على كف عفريت قد لا ينزلق في حرب أهلية طائفية. وشخصيا أتوقع ذلك أيضا، إلا إذا مَوّلت بعض الأطراف الإقليمية تشكيل جماعات مسلحة تستهدف أنصار الله، ونتمنى أن لا يحدث ذلك. لكن الإشكال الآخر أن القاعدة قد انتقلت من كل أنحاء الجزيرة العربية، في عهد الرئيس السابق لليمن واوكلت لليمن مقارعة تلك الجماعات بالنيابة عن دول الخليج، ولكن النظام السابق لم يكن جادا في مقارعتها وكذلك حروبه في صعدة كانت مجرد حرب تحريك وليست تحريرا، للفت أنظار المجتمع الدولي، ومن هنا يُخشى بأن الأمور قد لا تستتب. وحتى اقتصاديا فالعالم سوف يحاصر اليمن، طالما قد اعتبر جماعة أنصار الله إرهابية، والقاعدة بدل أن كانت في جنوب اليمن، سوف تنتشر في كل اليمن.

وفي سياق انجرار اليمن إلى أسوأ النماذج، قسمت الحكومة سياسيا، وسيضاف البعد الطائفي بحيث تكون الصيغة اليمنية الجديدة للحكم مزيجا من سلبيات العراق ولبنان برؤية إيرانية.

توغل أنصار الله في الدولة بدأ منذ الاعتراف بهم في الحوار الوطني، وكان يفترض يومذاك تسليم سلاحهم والتحول إلى حزب سياسي. ومن هنا فالأخطاء المركبة والمتلاحقة هي التي جعلت منهم مكونا أساسيا، في الوقت الذي يتحركون فيه على الأرض ليخلقوا كل يوم واقعا جديدا، ويتفاوضون كل مرة من آخر انتصاراتهم، وترتفع بالتالي مطالبهم. فما كان مستحيلا وغير مستحق بالأمس أصبح اليوم مطلبا شرعيا لهم.

عندما يرى المراقب ما يجري على أرض الواقع من انهيار متواصل لأجهزة الدولة ومؤسستها العسكرية، يتساءل كيف تسقط عاصمة دولة دون مقاومة؟ وبداهة فإن ذلك كان انقلابا ناعما شارك فيه الرئيس السابق.

بعد “الفتح المبين” تم اجتياح المؤسسات والمنشآت الحكومية مدنية وعسكرية، وكذا منازل خصوم الفاتحين، حتى غرف النوم لم تسلم من ذلك وهذا ليس تجنيا أو دعاية مضادة، فقد وثقته هيئات مستقلة لحقوق الإنسان بل تم نشره من أنصارهم.

لا يختلف اثنان على أن اجتياح صنعاء قد خلط الأوراق. فأحداث الأسبوع المنصرم قلبت الأوضاع رأسا على عقب. الجرعة القاتلة ستعيد اليمن إلى المربع الأول. النخب الوطنية لا تحبذ انقلابا ولكن لو حدث انقلاب عسكري من داخل المؤسسة العسكرية وبدوافع وطنية، لكان أفضل وسيفرض نفسه على المجتمع الدولي كأمر واقع. هذا السيناريو المفترض كان مناسبا لليمن لأن الانقلابين سيفترض بأنهم ليسوا مؤدلجين، وبالتالي ستكون عودة الديمقراطية ممكنة مثلما حدث في موريتانيا، ويمكن أن تتحقق هذه الفرضية إذا وعدوا ببسط الأمن والتهيئة لمرحلة انتقالية قصيرة، تنتهي بما اتفق عليه اليمنيون تنفيذا لمخرجات الحوار الوطني.

ولكن ما حدث في اليمن مؤخرا استبق خارطة الطريق، وأدخل اليمن في صراع طويل قد لا ينتهي إلا بعد عقود، لأن إيران لن تسلّم بسهولة. فإيران كسبت نقطة هامة: حاصرت الجزيرة العربية من أغلب الاتجاهات، وستقايض بها في سوريا ولبنان.


دبلوماسي يمني وكاتب سياسي

8