اليمن ونهاية الحوثي

الجمعة 2014/11/21

ظن الحوثيون أن الدخول لمعترك السياسة في اليمن يكون بسهولة احتلالهم للعاصمة صنعاء والحديدة وعمران، لكن ما تخفيه الأيام لهم هو خسارتهم التي لن تطول لتتحقق، وسيغرقوا كل يوم أكثر وأكثر في دوامة الصراع المسلح في اليمن، التي لم تعرف الاستقرار منذ استقلالها وحتى توحدها. فهي غارقة في وحل التفكك بسبب القبلية والفساد الحكومي والفقر المدقع رغم وفرة الموارد، كما أنها ترزح تحت ثقافة سلطة شيخ القبلية ووجهاء المدن وسياسة المحاصصات والتوافقات البعيدة عن الالتزام بروح القانون ونصوص الدستور، الذي بحاجة إلى أن يُعاد كتابته بما يتناسب مع احتياجات اليمن اليوم، بشماله وجنوبه الطامح للاستقلال، بعد أن عانى من التهميش والإهمال الحكومي المقصود.

ربما يكون من السهل، كما حصل مع جماعة الحوثي، أن تشكل تنظيما وميليشيا مسلحة، وأن تحصل على الدعم لذلك من قوى خارجية تملك مصالح، وحتى داخلية من الوطن نفسه لاستخدامهم في تحقيق مآربها، وهو الذي تحقق لهم في الآونة الأخيرة وبشكل لا يخلو من الريبة والشك.

لكن الأصعب والأخطر، وهو الذي لم يدر بخلدهم على ما يبدو، هو مدى قدرتهم على البقاء في الساحة وبنفس القوة التي دخلوا بها والنفوذ الذي تحقق لهم، وهل يا ترى سيكون بمقدورهم تحمل الخسائر الناجمة عن دخولهم معترك السياسة في اليمن، والذي كان لهم وأسهم في فرض شروطهم بالقوة التي ما كانت لتحصل لولا التخاذل والتآمر والطمع في السلطة ولو كانت على حساب تدمير الوطن وجعله ساحة جديدة للمطامع الإيرانية الطامحة للسيطرة على مضيق باب المندب بجانب هرمز.

بعد حين، سيدرك القائمون على هذا التنظيم وعلى رأسهم عبدالملك الحوثي أنهم لم يكونوا سوى حجارة على رقعة الشطرنج من صنف الجنود يتم التلاعب بها وتسييرها وفقا للأهواء، وسيتم التخلص منهم حالما ينتهي دورهم، وهو ما سيقرره الحليف قبل العدو لهم، فهم أقرب ما يمكن وصفهم به أنهم كطالبان الأفغانية التي ظهرت من العدم وأنهت وفي فترة قصيرة حالة الحرب الأهلية التي عاشتها أفغانستان بفعل تحارب تحالف الشمال مع بعضه البعض، والذي ما لبث بعد فترة أن وضع يده مع الولايات المتحدة والغرب وتحالفوا فأسقطوا حكم طالبان التي لم نعد نسمع عنها أي خبر في وسائل الإعلام!

حال الحوثيين الآن ومكاسبهم الآنية لن تصمد طويلا حين ينفك الدعم لها، ولن تتحمل حجم الخسائر التي ستنجم عن مواجهاتهم العسكرية ليس مع الجيش اليمني، وإنما مع القوات الموالية للقبائل اليمنية ومعها، بالطبع، تنظيم القاعدة، الذي يرى في حربه مع جماعة الحوثي قتالا عقائديا لا صلح فيه أو تنازل، وهو بمثابة محاربة أميركا والغرب بالنسبة إليه، فهو يراهم ممّن ساهموا في زرع هذه الجماعة الوليدة وحديثة العهد في خاصرة اليمن، لتنفيذ أجندة دولية استبقت توجه الشارع اليمني نحو الأحزاب ذات التوجه الإسلامي، ومن ثم سيطرتها على الحكم عقب نجاح الثورة في الإطاحة بحكم علي عبدالله صالح.

الحكومة المركزية برئاسة عبد ربه منصور هادي فشلت، أو أُفشلت، في الإسهام في تنفيذ بنود المبادرة الخليجية التي كانت الأنسب للانتقال باليمن إلى حالة الاستقرار الممهّدة لقيام الجمهورية الديمقراطية الثانية، بدستور توافقي يقسّم اليمن إلى ستة أقاليم، ويعيد الحقوق لجنوبه، ويكرس سلطة القانون ونزاهة الانتخابات التي كان من المفترض أن ينتج عنها برلمان ديمقراطي يشكل الحكومة المرتقبة.

تصنيف جماعة الحوثي كأحد المنظمات الإرهابية من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة ستتبعه خطوات مماثلة من دول خليجية أخرى في القريب، وهو ما سيزيد من الضغوط الدولية على الجماعة، وسيسهم في تحويلها من فئة ثورية (كما تسمي نفسها) إلى جماعة خارجة عن القانون وستكون خارج اللعبة السياسية، ولن تنجح إيران في جعلها ذراعها الطويلة في اليمن كحزب الله في لبنان. أما حزب المؤتمر الشعبي العام، فستشهد الأيام القادمة عودته بقوة إلى الساحة السياسية وإن كانت بغير شخص الرئيس السابق علي عبدالله صالح، ولكن بمؤيدين له وبشكلٍ يُماثل ما حدث في تونس بعد فوز حزب نداء تونس بالأغلبية البرلمانية وهو الذي كان يُحسب على نظام زين العابدين بن علي.

الفترة المقبلة ستشهد اندحارا لقوة المعارضة اليمنية الحالية وعودة إلى للتحالف بين الحكم السابق في اليمن والقبائل وبعض التيارات الإسلامية، ولكن هذه المرة بطريقة قد تكون الأقرب إلى الديمقراطية من سابقاتها، كما ستشهد بعد انفضاض الجمع من حول الحوثي، محاكمات ستطال قيادات له تلطّخت أيديها بدماء اليمنيين.

مع العلم أن إيران التي أوجدت هذه الميليشيا قد تكون أول من يتخلى عنها إذا تحقق لها الوصول إلى اتفاقية مرضية بشأن برنامجها النووي تسهم في رفع العقوبات الدولية المفروضة عليها، ولو بشكل جزئي، مع السماح لها بسحب أرصدتها المجمدة لدى البنوك الغربية، بالرغم من كون الجماعـة تمثل بالنسبة إلى حكام طهران خيارا استراتيجيا إلا أنها مستعدة لخسارتها مقابل مكاسب أخرى، وهو الدال على أن جنون الحكم الفارسي هو، وبشكلٍ أساسي، المسيّر لسياسات إيران الخارجية وإن كانت تستغل المذهبية والانتماء للطائفة الشيعية في تحقيق ذلك وإيهام الشيعة العرب!


كاتب عربي مقيم في السعودية

8