اليمن يخوض معركة ضد الإرهاب والقاعدة لفرض الدولة

الاثنين 2014/05/05
الإرهاب ظاهرة لا تزول إلا بزوال أسبابها والحل الأمني العسكري ليس كافيا لوحده

صنعاء - أصبح التحدي الأمني يحتل الأولوية بين التحديات الأخرى التي تواجه المرحلة الانتقالية، والمساعي الدولية الرامية إلى تنفيذ خارطة الطريق وإنهاء حالة الاضطرابات والأزمة في اليمن الذي يشكل استقراره وأمنه أهمية كبيرة في دول المنطقة.

يمر اليمن بمعضلات سياسية وأمنية أثرت على مسار المساعي الرامية إلى وضع البلاد على سكة الاستقرار ولعل ممارسات تنظيم القاعدة المتغلغل فيها من أكبر العوائق التي يحاربها اليمن، ويقول المراقبون إن التطورات الأخيرة التي طرأت على المشهد الأمني في البلاد أكدت أن تنظيم القاعدة لا يزال يشكل عقبة كبيرة أمام الاستقرار المنشود الذي ينتظره اليمنيون.


حملة ضد القاعدة


بدأت السلطات اليمنية مؤخرا حملة واسعة تستهدف ضرب تنظيم القاعدة وعناصره المخربة في البلاد، حيث تتواصل الأعمال القتالية للحملة العسكرية والأمنية لملاحقة عناصر تنظيم القاعدة في اليمن منذُ فجر الثلاثاء الماضي في عدة محاور لثلاث جبهات، هي: “عزان” بمحافظة شبوة و”المحفد” بمحافظة ابين “والصومعة وذي ناعم” بمحافظة البيضاء، وسط تحقيق تقدم على الصعيد الميداني والقتالي في مختلف الجبهات، حيث قتل من عناصر تنظيم القاعدة ما يقارب 50 مسلحا وجرح العشرات منهم في مختلف الجبهات.

وقد لقيت هذه الحملة العسكرية التي تنفذها وحدات من الجيش اليمني لملاحقة عناصر القاعدة، وتدمير معاقله في منطقتي عزان وميفعة بشبوة، والمحفد بمحافظة أبين ومناطق متفرقة في البيضاء، التي بدأت معركتها بالتزامن مع انعقاد الاجتماع السابع لمجموعة “أصدقاء اليمن” في لندن 29 أبريل، تأييدا دوليا كبيرا للتخلص من آفة القاعدة التي تشكل أكبر تهديد لليمن.

وفي متابعتهم للتطورات الميدانية في المشهد اليمني يقول الخبراء إنه على السلطات اليمنية تكثيف جهودها بشكل كبير للقضاء على تنظيم القاعدة ومحو آثاره من اليمن، ومن هذا المنطلق تؤكد الباحثة اليمنية نهى البدوي في دراسة تحليلية تناولت التطورات الجارية في اليمن أنه يجب على القادة والساسة اليمنيين النظر إلى الأوضاع الإدارية في المناطق وبسط نفوذ الدولة، ودراسته بعمق والتحقق من نقاط الضعف والبحث عن العوامل الأخرى التي يمكن منها إسقاط مراهنة التنظيم لإغفال القادة أنظارهم عنها، وأبرز تلك الطرق هي التحديد الأمثل للأساليب التي يمكن التعامل بها مع التنظيم الذي بات التسريع بانتقاله من المركزية إلى اللامركزية واعتماده على سياسة التفريخ التي لجأ إليها ببروز تنظيمات “محلية” كـ”أنصار الشريعة” وجعلها قريبة إلى المواطن، كخطوط خلفية لتنظيم “قاعدة الجهاد في الجزيرة العربية ” لتشكل بذلك خطورة كبيرة وعائقا أمام اجتثاثه، إذ يعتمد التنظيم على انتهاجها كسياسة يرى أنها ناجحة لإطالة بقائه كمصدر لاستمرار الخطر على الخارج وخاصة الولايات المتحدة الأميركية ودول الغرب.

أكثر من 100 هجوم نفذه تنظيم القاعدة داخل اليمن في 2013

و رغم أن الحملات العسكرية السابقة التي نفذها الجيش في بعض المناطق اليمنية لتحريرها من قبضة القاعدة ، إلا أن تلك المعارك رغم تحقيقها معظم أهدافها المحددة، لم تستطع اقتلاع جذور تنظيم القاعدة ، أو شل حركته، بل على العكس لا يزال يشكل خطرا كبيرا على اليمن والخارج، وقد تحولت نتائج بعض الحملات إلى عوامل سلبية على المجتمع، حيث عززت حاجز الخوف لدى المواطنين في بعض المناطق، وهذه الحقيقة حسب البدوي ينبغي التوقف عندها ودراستها وتحليلها من كل جوانبها، حتى لا تتكرر إمكانية تنظيم القاعدة بتوجيهه الضربات المؤلمة التي وجهها سابقاً إلى وحدات الجيش والضباط وألحقت ضررا كبيرا وبأقل تكلفة.

تقول الباحثة في دراستها إن ما يُجمع عليه بعض القادة العسكريين بأن العمليات القتالية التي ينفذها الجيش تتم على أسس تكتيك قتالي متعارف عليه عند الجيوش “النظامية”، يختلف عن طبيعة العمليات القتالية للعدو “تنظيم القاعدة ” “الخاطفة” و”المركزة” – أي أن المهاجم وضع نفسه في وضع أكثر خطورة، وهذا يتطلب اتخاذ أشكال جديدة أكثر جدية لمساندة ودعم الجيش تعزز عمليات التعاطي مع طبيعة التكتيك القتالي الحالي، فكثير من الجيوش العالمية أثبتت عجزها في حروبها مع الجماعات المسلحة لإدارتها المعارك في ضوء اتباعها هذا النوع من تكتيك الحروب بين الجيوش النظامية، وكان آخرها ما حدث في جنوب لبنان عند انسحاب الجيش الإسرائيلي في عام 2000، كما برهنت الحروب في اليمن أن هذه الجماعات المسلحة تتخذ أساليب وتكتيكا قتاليا يقلل من خسائرها في المعارك مع الجيش، وبهذه المعطيات لا يمكن إنكار أن اليمن أمام تحد يتطلب التعامل معه بقوة وصرامة وليس التوقف عند نتائج المعركة فقط، وإنما تطويرها والحفاظ على نتائجها.


معركة شرسة


يقول المحللون إن الوضع في اليمن بحاجة إلى معركة شرسة لتدمير أوكار العناصر الإرهابية، لكن إلى جانب ذلك هناك عوامل أخرى يتطلب توافرها، والتي يصفها كثير منهم بأنها ضرورية ومفصلية لتحقيق أهداف الحملة بالشكل الذي ينبغي أن تكون، دون أن تخلف آثارا ونتائج عكسية كسابقاتها.

الوضع في اليمن بحاجة إلى معركة شرسة لتدمير أوكار العناصر الإرهابية

كما تؤكد الأوضاع في تلك المناطق التي تدور فيها المعارك عدم ملاءمة الأعمال في الجهات الرسمية وضعف الشراكة المجتمعية مع الحملة، وعدم تناغم إجراءاتها مع أهدافها ومساندة أعمالها، واستمرار بقاء أهم العوامل التي يراهن عليها تنظيم القاعدة (ضعف السلطة الادارية وأجهزتها التنفيذية كحاضن قادر على الحفاظ على الانتصار)، الأمر الذي يكشف خللا مهما وشرطا موضوعيا لإنجاح المهام اللاحقة للمعركة، ينبغي التنبه إليه لاتخاذ إجراءات إدارية ضرورية على مستوى المحافظين، والقادة العسكريين، والمسؤولين الذين أثبتت الوقائع والأحداث فشلهم في التعامل مع تمدد تنظيم القاعدة في مناطقهم، وأثبتوا عدم قدرتهم على فرض هيبة الدولة بشكل ملموس للأجهزة التنفيذية، والتشديد والمراقبة على مدى جهوزية الوحدات والأجهزة المعنية، وبسط نفوذها في محافظاتهم، رغم أنهم رؤساء وأعضاء اللجان الأمنية، كي لا يتكرر الماضي القريب قبل تمدد تنظيم القاعدة وحرية حركتهم وتنقلهم لإقامة الاستعراضات والاحتفالات، وكان آخرها في شهر مارس في منطقة جبلية يعتقد أنها بابين، وحسب ما ورد في التقرير السنوي للخارجية الأميركية حول “نزعة الإرهاب” فإنه يؤكد بأن” تنظيم “قاعدة الجهاد في شبة الجزيرة العربية” بقيادة ناصر الوحيشي أصبح يشكل أكثر خطورة، حيث تمكن من تنفيذ أكثر من 100 هجوم داخل اليمن في العام 2013.

وقد لاقت الحملة الأخيرة ترحيبا واسعا في الشارع اليمني، الذي يأمل في أن تؤدي إلى تحسن الوضع الأمني، وتقلّل فرص التدخل الخارجي، وتضع حداً لعمليات “القاعدة” التي سقط ضحيتها مئات الجنود والمواطنين خلال السنوات الماضية، بالإضافة إلى ما ألحقته بالوضع الاقتصادي المتدهور أصلا.

ويرى مراقبون، أن “جدوى الحملة من عدمها، يتحدّد وفقا لجدية السلطات نفسها، حتى لا تكون الحرب نسخة مكررة من الحروب السابقة، التي تمت ضد “القاعدة” بشكل جزئي وغير حاسمة، ينتقل على إثرها عناصر التنظيم من مناطق إلى أخرى.

وإلى جانب المواجهة العسكرية، يرى العديد من المراقبين، أن النصيب الأكبر من المواجهة ضد”القاعدة”، يفترض أن يكون مواجهة أمنية استخباراتية، باعتبار أن نشاط التنظيم، مرتبط ببعد دولي وهجمات إرهابية مباغتة. وكذلك تتطلب المعركة ضد الإرهاب، مواجهة اقتصادية، باعتبار الفقر بيئة حاضنة للجماعات التي تستقطب الشباب، إضافة إلى أهمية العمل الثقافي والفكري والديني بما يفند أفكار التنظيم ويحصّن المناطق التي يلجأ إليها.

7