اليمن ينزلق تدريجيا إلى أحضان إيران

الثلاثاء 2014/09/30
يمني من أتباع الحوثي يقف حارسا لجامعة الإيمان الإسلامية في صنعاء

صنعاء- المأزق اليمني الذي تجلّى مؤخرا مع الأزمة التي أحدثها تغلغل الحوثيين في البلاد وسيطرتهم على مناطق حيوية عدّة، بدأ يكشف عن مخطط مدبر مسبقا، يثبت تورط إيران وتخاذل جهات نافذة في السلطة اليمنية، التي فقدت بوصلتها فأسهمت في تعميق الأزمة، حسب دراسة صادرة عن مركز التحليل والدراسات الاستراتيجية اليمني.

استغل الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، لتحميل مجهولين خارجيين مع أركان النظام السابق مسؤولية سقوط العاصمة صنعاء بأيدي مسلحي الحركة الحوثية، وما يجري من عنف واضطرابات في البلاد.

ومقابل هذا التوظيف الرئاسي، أو ما يبدو أنه محاولات لدفع تهمة تمكين المتمردين الحوثيين من الاستيلاء على العاصمة، تأتي الوقائع على الأرض، كاشفة خيوط صفقة سياسية مع زعيم الجماعة ومن خلفه إيران، نتج عنها تمكين مسلحيه من السيطرة على صنعاء ومؤسسات الدولة السيادية، قبل أن يتم إدخاله إلى دوائر صناعة القرار بتعيين قيادي في الجماعة (يحمل مؤهلا دراسيا من جامعة دينية إيرانية) مستشارا في رئاسة الدولة.


هل عقد الرئيس اليمني صفقة؟

في اليوم التالي لتوقيع اتفاق “أمر واقع” مع الحركة الحوثية، نفى الرئيس اليمني سقوط صنعاء، لكنه استدرك بوصف ما حدث، بأنه “مؤامرة تجاوزت حدود البلاد”، فيما كان عدد من المسؤولين الأمنيين قد وصلوا عدن على متن طائرة خاصة، لوضع اللمسات الأخيرة، لجزئية من صفقة كبيرة مع إيران، برعاية كاملة من سلطنة عمان.

ولئن كان النظام اليمني يلقي بمسؤولية السقوط المدوي لعاصمة الدولة بيد ميليشيا الحوثي، على جهات داخلية وخارجية، من ضمنها إيران، فقد أمر بإطلاق سراح خبيرين من الحرس الثوري اعتقلا هذا العام، وهما في مهمة تدريب مقاتلين حوثيين في معقلهم شمال اليمن.

من جهة أخرى، تفيد الدراسة الصادرة عن مركز التحليل والدراسات الاستراتيجية، واستنادا إلى معلومات من مصادر أمنية رفيعة، بأن وكيل جهاز المخابرات للشؤون الخارجية (الأمن القومي) ومعه وكيل جهاز الأمن السياسي، في محافظات عدن ولحج وأبين (شقيق الرئيس اليمني) عقدا لقاء مغلقا بوفد الوساطة العمانية، بقيادة السفير السابق لدى اليمن، بصالة كبار الضيوف بمطار عدن الدولي، وانتهى بتسليم الجانب اليمني للجانب العماني، خبيرين عسكريين في الحرس الثوري الإيراني.

وحسب المصدر، فقد تم الترتيب للقاء بصورة سرية، إذ انحصر بين وكيلي جاهزي المخابرات اليمنية، ووفد الوساطة العمانية، فيما لم يسمح لضباط بدرجة رؤساء دوائر وشعب في جهازي المخابرات بحضور جلسة النقاش، لتنتهي بتسليم العنصرين الايرانيين، ومغادرة الوساطة على متن طائرة خاصة في اتجاه مسقط. وتؤكد معلومات موثقة أن خطوة الإفراج تمت بعد جهود وساطة قادها دبلوماسيون عمانيون في اليمن، على أن العملية جزئية ضمن تفاهمات معينة توصل إليها النظام ومسؤولون إيرانيون بالوكالة عن حليفهم المسلح شمال اليمن، ولعبت سلطنة عمان دور الوسيط.

عبدربه منصور هادي: الحوثيون يبلورون كيانا تحت سيطرتهم ينطلقون منه لتكبيل الدولة


كيف تمت الصفقة؟


ما يعزز هذا الاتجاه، حسب الدراسة، هو أن الرئيس اليمني ابتعث مندوبا رفيعا إلى مسقط، مع بداية التصعيد الحوثي المسلح داخل العاصمة، يحمل رسالة إلى سلطان عمان، تتضمن طلبا يمنيا بمساعي التوسط لدى السلطات الإيرانية، في إعطاء أوامرها لجماعة الحوثي، لتمرير صيغة الحل الذي أعلنه هادي من طرف واحد، تزامنا مع الحشد المسلح في مناطق العاصمة.

وتؤكد المعلومات أن التسوية قضت بتمكين الحوثيين من القرار السياسي في البلاد، وأن توافق صنعاء على استقبال سفير إيراني، وهو ما كان اليمن يرفضه، على خلفية اتهامات طهران بدعم الحوثيين، وزراعة خلايا تجسس في البلاد، مقابل الإفراج عن المعتقلين الإيرانيين لدى السلطات اليمنية، إلى جانب ضغط إيران على تيار الحراك الجنوبي المرتبط بنائب الرئيس اليمني السابق علي سالم البيض، حتى لا يكون له دور في تعطيل عملية التحول السياسي في البلاد.

في سياق آخر، فإنّ خطوة الإفراج عن الخبيرين الإيرانيين، تزامنت مع قيام مجموعات مسلحة من الحركة الحوثية بفرض حصار خانق على مقري جهاز الأمن القومي (المخابرات اليمنية) في منطقتي “صرف” بضواحي صنعاء، و”شعوب” وسط العاصمة، قبل أن تداهم المبنيين بدافع إطلاق 3 آخرين على صلة بالمتمردين الحوثيين، ورابع في قضية تجسس. في هذه الإطار، بدت الصورة أكثر وضوحا في ما يخص ضلوع السلطات اليمنية في صفقة سرية مع الطرف الإيراني، إذ نقلت المعتقلين الإيرانيين، وهم خمسة أفراد، من سجن أمني بصنعاء إلى آخر في عدن مطلع الشهر الجاري، تمهيدا لعملية التسليم على ضوء الرد الذي تلقته من عمان بخصوص فتح قنوات اتصال مع طهران، مع الإشارة إلى أن التفاوض مستمر بشأن الـ3 خبراء الذين مازالوا معتقلين لدى السلطات.


أي دور لإيران في الأزمة اليمنية؟


أشارت الدراسة إلى وجود حقيقة بدأت الآن تبرز بشكل جلي في اليمن، مفادها أن العامل الإيراني ظهر فاعلا وجليا في الاندفاعة الحوثية للسيطرة على العاصمة صنعاء، وسط ما بدا أنه اتفاق ضمني عقد مع جزء من سلطة المبادرة الخليجية (حكام ما بعد سقوط نظام صالح)، خاصة وأنها جاءت في توقيت بدا محسوبا جدا ومترافقا مع التطورات الكبيرة التي تشهده المنطقة، خاصة تلك التي حصلت في العراق.

يؤكد هذا، أن الرئيس هادي نفسه، رد في وقت سابق على سؤال عمّا يريده الحوثيون، بالقول “إنهم يبلورون كيانا تحت سيطرتهم، ينطلقون منه لتكبيل الدولة”، مؤكدا أن مطلبهم الفعلي هو الحصول على ميناء على البحر الأحمر، قبل أن يضع النقاط على الحروف بقوله “إن منْ يُمسك بمفاتيح باب المندب ومضيق هرمز لن يكون محتاجا إلى قنبلة نووية”، وكان يشير بذلك إلى أنّ الاندفاعة الحوثية جزء من المشروع الإيراني الكبير.

من هنا، فإن التحرك الحوثي الأخير، وإن قدم نفسه تحت عناوين مطلبية وسياسية محلية، إلا أنه في حقيقته وأبعاده، رد إيراني على انتكاسات في دول محيطة، بالاتكاء على الكتلة الحليفة التي تندرج حركيا تحت هذا الإطار المذهبي. ويؤكد هذا تشابه عمل وتكتيكات التنظيمات المسلحة التي تعتمد عليها إيران في تصدير الثورة الخمينية أو مشروع الشرق الأوسط الجديد، سواء حزب الله في لبنان أو جماعة الحوثي المسلحة في اليمن.

اتفاق السلم والشراكة أخطر بكثير من اجتياح العاصمة، حيث منح الحوثيين مكاسب سياسية وعسكرية ميدانية


ماهي أخطار اتفاق السلم والشراكة؟


أيا يكن الأمر، فإن التطورات الميدانية، والسقوط المتسارع للمؤسسات السيادية والعسكرية في صنعاء أمام زحف الحوثيين، كان مفاجئا للكثير من المراقبين، ويكشف عن وجود خطة طويلة المدى اشتركت فيها أطراف عدة. ويبدو أن قرار الحكومة اليمنية القاضي برفع قيمة المشتقات النفطية كان بمثابة الرافعة المتحركة لقرار السيطرة.

المرجح هنا، أن اتفاق السلم والشراكة، أخطر بكثير من اجتياح العاصمة، حيث منح المتمردين الحوثيين مكاسب سياسية وعسكرية ميدانية، تفوق ما راكمته الأحزاب خلال ثلاثة عقود. والأهم أنه يشرعن كل أعمال ميليشيا الحركة داخل البلاد، كما لو أنها القوة التي آلت إليها السيادة، إلا أن عددا من ممثليها رفضوا التوقيع على الملحق الأمني لملامسته النشاط المسلح للجماعة في الجزء الشرقي من البلاد وصولا إلى المناطق المتاخمة للسعودية شمالا، وهم في هذا يتسقون مع الواقع الجديد الذي فرضوه بالقوة، وفي ذات الوقت يتماهون مع المشروع الإيراني في البلاد.

اللافت، حسب ما خلصت إليه الدراسة الصادرة عن مركز التحليل والدراسات الاستراتيجية، هو أنّ الاتفاق الموقع يلزم الحركة الحوثية بإخراج ميليشياتها المسلحة من العاصمة صنعاء وتسليم مؤسسات الدولة التي استولت عليها في غضون التوقيع، لكنها وعوضا عن ذلك اتجهت لتنفيذ عمليات نهب واسعة، لسلاح الجيش، وإفراغ المعسكرات من المعدات الحربية الثقيلة، وترحيلها إلى مخازن سلاح خاصة في معقلها بصعدة شمال اليمن، على أنّ مكمن الخطر في استيلاء المتمردين على ملف أمني خاص بحروب صعدة الست، من مكتب القائد الأعلى للقوات المسلحة، يضم وثائق ومعلومات سرية تمس أمن الدولة.

6