اليمينيون صاروا معتدلين في أوروبا

تنتظر أوروبا سلسلة من الانتخابات المتعاقبة التي من المتوقع أن تسفر عن صعود اليمينيين الشعبويين إلى الحكم. وبعد فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية، ينجح المتطرفون في سحب أوروبا بسهولة أكبر إلى مرحلة من التطرف تذكر بمرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية.
الثلاثاء 2017/01/17
الانتصار على الديمقراطية

لندن – في كلمة لها أمام مؤتمر حزب الديمقراطيين المسيحيين الحاكم الذي تنتمي إليه، قالت المستشارة أنجيلا ميركل للوفود في وقت سابق من ديسمبر الماضي، إن انتخابات البرلمان الألماني التي ستعقد الخريف المقبل ستكون الاختبار الأكثر صعوبة للحزب منذ إعادة توحيد ألمانيا في عام 1990. وتكمن تحديات مماثلة أيضا أمام الجمهوريين في فرنسا و"حزب الشعب للحرية والديمقراطية" الهولندي، وهما اثنان من الأحزاب ذات التفكير المتماثل، اللذان يواجهان انتخابات في عام 2017.

ولا يكمن الخطر في أن يمين الوسط يواجه مخاطر التعرض للهزيمة على يد خصومه من يسار الوسط التقليدي، بل على العكس من ذلك، أظهرت استطلاعات الرأي حصول الديمقراطيين المسيحيين والجمهوريين وحزب الشعب للحرية والديمقراطية بكل سهولة على مرتبة متقدمة على منافسيهم من الأحزاب الديمقراطية أو الاشتراكية الاجتماعية.

ويقول مراقبون إن الانتخابات في ألمانيا قد تتسبب في انشقاق الهيئة التشريعية وانقسامها إلى ستة أحزاب، ما يجعل من الصعب على ميركل، فيما لو فازت، أن تشكل حكومة ائتلافية، لكن في ألمانيا وفرنسا، مثلما في بريطانيا وإسبانيا، اليسار منقسم ومحبط وغارق في أزمة تمزج بين فقدان قصير الأجل في الشعبية، وتدهور طويل الأجل في الهيكل.

وستكون المهمة الأصعب والأكثر حساسية بالنسبة إلى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي والجمهوريين وحزب الشعب للحرية والديمقراطية، هي إيقاف زحف اليمين المتطرف.

ويقول توني باربر “في وقت سابق على تصويت البريطانيين لمغادرة الاتحاد الأوروبي وانتخاب الأميركيين دونالد ترامب رئيسا، كان يمكن أن يقنع يمين الوسط الناس برسالة مفادها أن المتطرفين من الأحزاب اليمينية يقدمون حلولا خطيرة ومبسطة للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة، لكن في عام 2017 لن يكون هذا النهج كافيا".

التحذيرات الأخيرة من السياسيين في التيار العام وأجهزة الأمن الوطني بأن روسيا ربما تتدخل في الانتخابات بغرض تشويه سمعة الديمقراطية الغربية، وحتى التأثير على النتائج، ربما يجري تجاهلها إلى حد كبير.

في ما يتعلق بالإسلام والأمن الوطني والسياسة الخارجية، لا شيء تقريبا يميز فيون عن السياسية اليمينية المتطرفة مارين لوبن، حتى التقارب مع بوتين صارا يتنافسان عليه

يمكن القول إن اليمين المتطرف ليس لديه تقريبا أي احتمال حقيقي للفوز بالسلطة في فرنسا وألمانيا وهولندا. مع ذلك تجده يركب موجة التأييد الشعبي. وسواء أكانت سطحية أو تحريضية لمسامع الناخبين المعتدلين، فإن بعض شعارات اليمين المتطرف المناهضة للمؤسسة يتردد صداها لدى مجموعات من الناخبين.

ويقول باربر “الآن أصبح من الواضح أن الكثيرين من يمين الوسط الأوروبي يعتزمون التصدي لهذا التحدي من خلال اعتماد سياسات تردد أصداء مواضيع تخص اليمين المتطرف".

ففيما يتعلق بالإسلام والهجرة والهوية الوطنية والمواقف تجاه الاتحاد الأوروبي، يصبح يمين الوسط أقل وسطية وأكثر يمينية. ويوضح مؤتمر حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي هذا التوجه. وبشكل مضاد لرغبات ميركل، صوت الحزب لمصلحة قوانين أكثر صرامة ضد الجنسية المزدوجة.

وطالب يينس سبان، الوزير من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي والمرشح لأن يصبح مستشارا في المستقبل، بتخفيف الحواجز على ترحيل المهاجرين الذين لم يحصلوا على تصنيف لاجئ، حتى أن ميركل دعت إلى فرض حظر جزئي على ارتداء النقاب، الذي لا ترتديه أي مسلمة تقريبا في ألمانيا.

ولا تعمل تلك المبادرات على دفع حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي كثيرا نحو اليمين، لكن نشطاء الحزب العاديين يرغبون في المزيد من سياسات المحافظين القوية. استفاد الحزب الشعبوي “البديل من أجل ألمانيا” في عام 2016 من سياسة الباب المفتوح أمام اللاجئين التي اعتمدتها ميركل، إضافة إلى اعتداءات جنسية وعمليات سطو في كولونيا وجريمة قتل طالب في فرايبورغ من قبل طالب لجوء أفغاني. بسبب التهديد الانتخابي الذي يشكله حزب "البديل من أجل ألمانيا"، لم يعد المسار الوسطي الذي تنتهجه ميركل منذ 11 عاما، بوصفها مستشارة، يرضي المؤيدين المخلصين لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي.

جون كيري: إذا كانت السياسات سترسم في 140 حرفا على تويتر ويتم تجاوز كل مقياس معقول للمساءلة ولا يهتم الناس بذلك، فإننا نواجه مشكلة

صعود ترامب

يبدي الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب مواقف مبالغا بها، وهو نزق الأطباع، يعجز عن إخفاء اعتداده، لكنه يعتمد في سياسته على حدسه، وهو أول من استشف مشاعر الخيبة والغضب التي تحرك شريحة من الاميركيين، هي طبقة العمال البيض الذين يعانون من تدهور أحوالهم المادية نتيجة العولمة والتبادل الحر، فاستغلها في حملته الانتخابية.

ويشبه ترامب في ذلك الكثيرين من السياسيين الشعبويين في أوروبا، الذين استشعروا غضبا كامنا بين طبقات المحافظين والمتعصبين البيض، وقفزوا على مشاعرهم لاستغلالها في توجيههم أمام صناديق الاقتراع.

وكان هؤلاء المحرك الرئيس في الاستفتاء الذي أجري في يونيو الماضي، وأسفر عن التصويت بالأغلبية لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وأعطى هذا الخروج المفاجئ لترامب دفعة كبيرة للإطاحة بوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون من السباق الرئاسي الأميركي في نوفمبر الماضي.

وليس هناك الكثير من القواسم المشتركة بين ترامب وأولئك الذين يدعي تمثيلهم والدفاع عنهم في وجه نخب وقيادات سياسية يحمل عليها بشدة. فهو يقيم في مانهاتن، في أعلى برجه “ترامب تاور”، في شقة من ثلاثة طوابق مسرفة في الفخامة والترف. وهو يسافر في طائرة خاصة وأنفق خمسين مليون دولار من ثروته الشخصية على حملته الانتخابية.

وقال حين اختارته مجلة “تايم” رجل السنة، “أعيش في شقة لم ير أحد مثيلا لها، ورغم ذلك أمثل عمال العالم".

ويدعو ترامب إلى عودة الوظائف إلى الولايات المتحدة، وهو يشدد الضغط على الشركات منذ انتخابه وقبل تولي مهامه حتى، فيعلق على عملها مستحسنا أو مستنكرا.

وتأتي هذه السياسة أحيانا بنتائج، حيث أعلنت عدة مجموعات لإنتاج السيارات عن استثمارات في الولايات المتحدة أو عن إعادة مصانع من المكسيك.

وقال الملياردير خلال مؤتمر صحافي “قلت إنني سأكون أكثر من يستحدث وظائف على وجه الارض، وهذا ما أعتقده فعلا”.

ويثير ترامب قلق السود والمتحدرين من أميركا اللاتينية والأقليات والأجانب المقيمين في الولايات المتحدة.

في ظل حكومة لوبن يمكن أن تنسحب فرنسا من منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي وفي ظل عهد فيون يمكن أن تبقى فرنسا

ودفع ذلك وزير الخارجية المنتهية ولايته جون كيري للقول أثناء منتدى في واشنطن إنه “من الأفضل لكل بلد في العالم أن يبدأ في القلق بشأن الشعبوية السلطوية وغياب الجوهر عن حوارنا”.

وأضاف كيري “إذا كانت السياسات سترسم في 140 حرفا على تويتر ويتم تجاوز كل مقياس معقول للمساءلة ولا يهتم الناس بذلك فإننا نواجه مشكلة”.

وكان هنا يشير إلى قدرة ترامب على التواصل مع الناس وإدارة معاركه وشن حملاته الشخصية عبر تويتر. ومثله مثل السياسيين الشعبويين في أوروبا، الذين يواجهون وضعا سياسيا معقدا في القرن الحادي والعشرين، يدعو ترامب إلى التقارب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يعتبره العديد من الجمهوريين الأميركيين عدوا لأميركا.

وتسري تكهنات كثيرة حول حقيقة علاقات ترامب مع موسكو. فأجهزة الاستخبارات تؤكد ان الروس حاولوا دعم ترشيح ترامب من خلال القيام بعمليات قرصنة استهدفت مراسلات الحزب الديمقراطي وتحديدا حملة منافسته كلينتون.

اليمين الفرنسي

تمادى الجمهوريون في فرنسا في تبني هذا المسار من خلال اختيار فرانسوا فيون مرشحا لهم في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في الربيع المقبل. ويرغب فيون، صاحب كتاب “هزيمة النزعة الشمولية الإسلامية”، في خلق تقارب مع روسيا بقيادة فلاديمير بوتين. في ما يتعلق بالإسلام والأمن الوطني والسياسة الخارجية، لا شيء تقريبا يميزه عن مارين لوبن، زعيمة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة.

توني باربر: كان يمكن إقناع الناس برسالة مفادها أن المتطرفين يقدمون حلولا مبسطة للمشاكلات المعقدة. لكن في عام 2017 لن يكون هذا النهج كافيا

الاختلاف بينهما يتعلق بالطرق المتعلقة بالسياسة الاقتصادية والاتحاد الأوروبي. فهو يعد بتخفيض الإنفاق العام، وتقليص دولة الرعاية الاجتماعية، وتخفيض الضرائب على الشركات.

وعلى النقيض تماما، تجد لوبن تشبه أحد اليعاقبة الثوريين في عام 1793 في دعوتها إلى فرض ضوابط اقتصادية شاملة. في ظل حكومة لوبن يمكن أن تنسحب فرنسا من منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي. وفي ظل عهد فيون يمكن أن تبقى فرنسا، لكن، وهذا أمر له دلالة مهمة، ستفرض المزيد من التركيز على السيادة الوطنية.

في هولندا يتعرض حزب الشعب للحرية والديمقراطية لتهديد حزب “الحرية”، بقيادة جيرت فيلدرز اليميني المتطرف المعادي للمهاجرين والمناهض للتكامل الأوروبي. في عهد مارك روتي، رئيس الوزراء وزعيم حزب الحرية الهولندي، أقر مجلس النواب في البرلمان فرض حظر محدود على ارتداء البرقع.

وليست فقط الضغوط الانتخابية هي التي تساعد يمين الوسط في فرض سيطرته وهيمنته عبر أوروبا، بل المواقف الاجتماعية آخذة في التشدد أيضا. وفقا لدراسة مسحية أجراها “يو جوف” في نوفمبر، القيم الليبرالية آخذة في فقدان مكانتها في بلدان مثل بريطانيا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وهولندا وبولندا، في الوقت الذي تتصاعد فيه المشاعر المعادية للمهاجرين وينفد الصبر حيال الاتحاد الأوروبي.

تعمل تلك القوى الأكثر عمقا على دفع تقدم اليمين الراديكالي. يبدو أن حزب “البديل لألمانيا” متأكد من فوزه بمقاعد في البرلمان الألماني للمرة الأولى، حتى أنه يمكن أن ينتهي به الحال ثالث أكبر حزب في الهيئة التشريعية الألمانية.

تستعد لوبن لخوض الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وربما تخسر أمام فيون، خصمها المحتمل في جولة الإعادة. مع ذلك، يتوقع قليلون أن يكون أداؤها سيئا مثل أداء جان-ماري لوبن، والدها، الذي فاز بـ17.8 في المئة من الأصوات، عندما خاض المنافسة في عام 2002 ضد جاك شيراك من يمين الوسط.

بعض الدراسات المسحية الهولندية التي أجريت أخيرا أظهرت تقدم حزب الحرية على حزب الشعب للحرية والديمقراطية. مع ذلك، الممارسات الهولندية في تشكيل الحكومات الائتلافية التي تستبعد المتطرفين تجعل من غير الوارد أن يكون فيلدرز وحزب الحرية من المشاركين في الحكومة المقبلة.

في جميع البلدان الثلاثة، السؤال يدور حول الثمن الذي يستعد يمين الوسط لأن يدفعه مقابل تحييد اليمين الراديكالي. بحسب الاتجاهات العامة الحالية، هذا الثمن يتصاعد الآن.

13