اليمين الألماني في البرلمان، تحد بحجم كارثة

الأربعاء 2017/09/27
اليمين المتطرف يطرق باب البرلمان الألماني

بون (ألمانيا) - دشنت فراوكه بيتري زعيمة حزب البديل من أجل ألمانيا اليوم الأول بعد فوز حزبها بتمثيل نيابي في البوندستاغ (البرلمان الاتحادي) بعمل استعراضي توقفت عنده أسئلة وسائل الإعلام؛ ففي مؤتمر صحافي كان يُنتظر فيه أن تقرع وقيادات حزبها أنخاب النصر، أعلنت بيتري أنها لن تجلس مع حزبها كنائبة في البرلمان بل ستمثل نفسها كنائب مستقل، مؤنبة “أنّ على الحزب أن يعالج المعارضة في داخله قبل دخول العملية السياسية” ثم غادرت قاعة المؤتمر غاضبة.

واعتبر ألكسندر غاولاند، وهو القيادي الأبرز اليوم في حزب البديل، تقدمه الملحوظ في الانتخابات البرلمانية بمثابة إعلان حرب على الحكومة الألمانية المقبلة بزعامة ميركل، مشيرا بالحرف الواحد “على الحكومة المقبلة، وعلى السيدة ميركل أن تستعد جيدا، فسوف نقوم بمطاردتها وسنستعيد بلادنا وشعبنا”، وهو تعليق عده كثيرون خشنا وهجوميا للغاية.

ويثير الصعود الصاروخي للتيار اليميني المتشدد مخاوف أطراف عدة، فخلال أربع سنوات نجح حزب البديل لأجل ألمانيا في الحصول على 88 مقعدا برلمانيا، ما يعد اختراقا غير مسبوق للمشهد السياسي الألماني منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ونظرة إلى تاريخ غير بعيد تكشف أنّ مثل هذا السيناريو حدث مع الحزب النازي (حزب العمال الوطني الاشتراكي الألماني) في ثلاثينات القرن العشرين بقيادة أدولف هتلر الذي نجح خلال سنوات قليلة في القضاء على خصومه، مستفيدا من ديمقراطية جمهورية فايمر المتسامحة للقضاء على الجمهورية والديمقراطية نفسها.

المخاوف تنطلق أولا من الحلقات الأضعف في المجتمع، فالمهاجرون القادمون من كل أنحاء العالم والذين لا يعرف أحد عددهم بالضبط في هذا البلد (تتحدث إحصاءات غير رسمية عن وجود 18 مليون مهاجر دائم ومؤقت متجنس أو مقيم في ألمانيا الاتحادية) ينتظرون أياما صعبة مع تعاظم نفوذ اليمين الشعبوي بقيمه القريبة جدا من الفاشية والنازية.

واعتبر الصحافي منصف السليمي في تصريح لـ“العرب” أنّ “وصول حزب البديل إلى البوندستاغ بنسبة تزيد عن 13 بالمئة يمنحه منبرا لإثارة ملف الهجرة واللجوء من منظوره المناهض لاستقبال اللاجئين والهجرة.. وبحكم سياسات عمل البرلمان فإنّ حضوره في اللجان البرلمانية وجلسات المناقشة البرلمانية العامة سيمنحه فرصا لتشديد ملاحقته للحكومة في ملف اللاجئين، كما توعد زعيمه ألكسندر غاولاند”.

ومضى الصحافي الألماني ذو الأصول التونسية إلى المزيد من التعريف بمخاطر المشاركة البرلمانية لحزب البديل لأجل ألمانيا فقال “سيكون لحضور هذا الحزب اليميني الشعبوي في المشهد السياسي الألماني دور في النقاشات السياسية عبر وسائل الإعلام والمؤسسات السياسية، وأعتقد أنّ ذلك سيساهم في خلق أجواء نقاش تكتسي أكثر حدة وانقسامات حول موضوع اللاجئين بهدف إحراج المستشارة أنجيلا ميركل ودفع حزبها والأحزاب الحليفة مستقبلا إلى تقديم تنازلات في ملف اللاجئين”.

برنامج حزب البديل من أجل ألمانيا بمثابة قطيعة تاريخية مع مفهوم الوسطية الألمانية ومع تقاليد الثقافة السياسية التوافقية

واعتبر لؤي المدهون، المحلل السياسي المختص في الشؤون الألمانية، أنّ “برنامج ‘البديل من أجل ألمانيا’ بمثابة قطيعة تاريخية مع مفهوم الوسطية الألمانية ومع تقاليد الثقافة السياسية التوافقية”.

لا تقتصر المخاوف على المسلمين، حيث أبدت الكنيسة الإنجيلية على لسان رئيسها هاينريش بيدفورد ـ شتروم قلقها من نفوذ اليمين الشعبوي في أوساط الشباب خاصة “أن حجم التأييد من قبل الشباب لحزب يميني شعبوي هو دعوة إلى اليقظة لكل الذين يؤمنون بتعايش سلمي وتضامني في ألمانيا منفتحة على العالم“.

أما الكاثوليك في ألمانيا فبدوا أكثر تماسكا، وقد قال توماس شتينرنبيرغ، رئيس اللجنة المركزية للألمان الكاثوليك “علينا التفكير بمشاهد أوروبية مشابهة، ففي كل أوروبا هناك أحزاب يمينية متطرفة مماثلة، المهم ملاحظة أنّ 87 بالمئة من الألمان لم يصوتوا لحزب البديل وهو يعكس واقع الحال حتى الآن، ولا أحد بوسعه التكهن بما سيصير إليه الحال بعد 4 سنوات”.

وقال جوزيف شوستر رئيس المجلس الأعلى لليهود في ألمانيا “للأسف تأكدت مخاوفنا: لقد أصبح حزب يميني متطرف ممثلا في كل برلمانات الولايات وحتى في البرلمان الاتحادي، حزب يحرض ضد الأقليات“.

وكشفت صحيفة “فرانكفورتر روندشاو” عن قلق الشارع وتذبذبه بين الدفاع عن قيم ألمانيا العريقة القوية، وبين المحافظة على قيم التسامح وقبول الآخر التي تركزت في الضمير الألماني بعد سقوط النازية عام 1945. وقالت إن “البرلمان الألماني في خطر، لأنه سيتحول إلى أرضية رنانة لأجندة شعبوية ونظريات المؤامرة الشيزوفرينية، وتقوي بهذا الشكل التمكن بسهولة من السيطرة على المجال العام. وهذا من أجل التسلل بشكل منهجي لتفريغ البديهية الليبرالية لمجتمع منفتح”.

عمليا يعني ذلك أنّ البديل سيكون من أحزاب المعارضة في البوندستاغ، ولكنّ الاشتراكيين حسموا أمرهم منذ إعلان هزيمتهم في تولي قيادة المعارضة البرلمانية، وهذا بالتأكيد سيحد من قوة اليمين وتأثيره، وهو ما عبّر عنه لصحيفة “العرب” الناشط في حقوق الإنسان والحريات كمال سيدو بالقول “هم الحزب الأقوى في المعارضة البرلمانية. عمليا ليس للحزب أي تأثير على اتخاذ القرارات إذا تم تشكيل ائتلاف بشكل سريع وإذا تعاملت القوى الديمقراطية مع بعضها البعض بشكل وثيق.

أما في حال ظهور تناقضات حادة بين هذه الأحزاب وعدم إمكانيتها في التوافق على القضايا الأساسية وأخذ مخاوف الألمان بجدية فقد تكون هناك تأثيرات سلبية، وقد يخرج هذا الحزب اليمني بشكل أقوى، المسألة جدية”. والتناقضات متوقعة بالطبع، لا سيما أنّ الاشتراكيين يلعقون جراحهم وهم يحتلون منصة المعارضة في البرلمان، كما أنّ الخضر والليبراليين (الحلفاء المنتظرون لحزب ميركل وظهيره البافاري) ليسوا على وفاق مع ميركل في الكثير من المسائل، وخاصة المتعلقة بأوروبا الموحدة وبسياسة المناخ والعولمة.

لكنّ الصحافي منصف السليمي حاول أن يقلل من قدرة حزب البديل على التأثير على قرارات المشرعين الألمان وسلطتهم التنفيذية (الحكومة) مشيرا بالقول إنه “لا ينبغي المبالغة في حجم تأثير حزب البديل لأنّه في نهاية المطاف يمثل أقلية داخل البرلمان، وحتى داخل المعارضة، فّإنه في حال التزم الحزب الاشتراكي الديمقراطي بالبقاء في المعارضة، فإنّ ذلك سيقلل من تأثير الحزب اليميني الشعبوي”.

بنيويا، يتكون حزب البديل من أجل ألمانيا من جناح “معتدل” تقوده فراوكه بيتري التي انشقت عنه علنا الثلاثاء بعد أن استمر تهميشها من قبل حزبها وبعد أن واجهت مشاكل قانونية، وجناح متشدد يقوده ألكسندر غاولاند الذي نجح بالتدريج في انتزاع القيادة من بيتري. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن غاولاند وهو صحافي ومحام كان عضوا فاعلا لمدة 40 عاما في الحزب الديمقراطي المسيحي الذي تقوده ميركل ، ثم تركه احتجاجا على سياسات الهجرة التي تبنتها ميركل وحزبها.

بعد أن انفصلت فراوكه بيتري عن الحزب الثلاثاء، تسلط الأضواء على القيادية “المعتدلة” أليس فايدل البالغة من العمر 38 عاما والتي تعيش بين ألمانيا وسويسرا مع صديقتها ومعهما طفلان.

6