اليمين الأوروبي ينهى عن الكراهية ويأتي بمثلها

ما تجذر في الوعي الغربي من مفاهيم محركة لسياساته الدولية المبنية على السيطرة يجعل إدماج مفهوم التسامح صعبا.
الخميس 2018/08/02
نظرات الريبة تلاحق المسلمين

يرى باحثون أن العقل الأوروبي يتصف في خطابه بنوع من الشيزوفرينيا بين المنطوق والفعل على أرض الواقع، سواء كان ذلك على مستوى الممارسة السياسية التي تحكمها النزعة الاستعمارية والنظرة الاستعلائية للمجتمعات والحضارات الأخرى، أو على مستوى الموروث الثقافي. نظرية التسامح تؤسس لأرضية قبول الآخر بثقافته وقيمه وحضارته والاعتراف بالاختلاف، لكن عندما يسارع المجتمع الغربي بنخبته السياسية وبعض مثقفيه وعامته إلى استعمال الحجر الفكري والديني على الآخرين وإجبارهم على التخلي عن هوياتهم وثقافتهم وعقيدتهم بشتى الوسائل بما فيها سلاح وسائل الإعلام، فهذا يضرب مبدأ التسامح في الصميم وينقض نظرية التعايش من الأساس.

فمثلا عندما نتوجه إلى إسبانيا نجد المستشرق الإسباني أنطونيو شافيس، من جامعة إشبيلية، يتساءل متأسفا حول كيف أن قرطبة ومسجدها كانا دائماً رمزاً ومثالاً للتسامح والتعايش بين الثقافات والديانات في أبهى عصورها على امتداد التاريخ، ولا يظهر ذلك خلال هذه الجولات الليلية لهذا المشروع الثقافي والتاريخي والسياحي الضّخم الذي أطلق عليه اسم “روح قرطبة”.

وفي ذات السياق تعتبر خصوصية الإسلام في إسبانيا، حسب ما أكده عبدالواحد أكمير، المفكر ومدير مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، مرتبطة بالإسبان أنفسهم وليس بالمهاجرين كما هو الحال في بقية البلدان الأوروبية، فالإسلام لم يختف مع طرد الموريسكيين، لأن نصف هؤلاء نجحوا في البقاء بعد أن أخفوا هويتهم، وانعزلوا في مناطق نائية حتى لا يلفتوا الانتباه إليهم. واعتبر أكمير، أن تحالف الحضارات هو مستوى أرقى من حوار الحضارات، لاعتبارين اثنين: أولهما أن الأخير يدعو إلى التحاور في إطار التعايش والتنوع مع إمكانية الاختلاف، بينما يدعو الأول إلى ضرورة التحالف والاتفاق على مبادئ ومنطلقات ومرجعيات وقيم، تجعلنا بالضرورة في صف واحد في مواجهة عدوّ مشترك هو التطرف والإرهاب. وثانيهما لأن تحالف الحضارات يعطي الأولوية للجانب السياسي والاقتصادي، بينما حوار الحضارات يعطيها للجانب الثقافي والفكري والأكاديمي.

الغرب هو الذي أسس لمبدأ التسامح دون أن يجبره أحد، فإعلان مبادئ التسامح الذي اعتمده المؤتمر العام لليونسكو في دورته الثامنة والعشرين، باريس 16 نوفمبر1995 يقول إن الدول الأعضاء في المنظمة إذ تضع في اعتبارها أن ميثاق الأمم المتحدة ينص علي أننا “نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد آلينا في أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب (…) وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره (…) وفي سبيل هذه الغايات اعتزمنا أن نأخذ أنفسنا بالتسامح وأن نعيش معا في سلام وحسن جوار”.

 لكننا ننظر بريبة إلى هذا المنحى ونحن نسمع ونرى التدخلات السافرة في دول ومجتمعات إسلامية وعربية وأفريقية دون اعتبار للخصوصية والهوية الوطنية والثقافة بحجة القيم العالمية، فالمادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تقول “إن التربية يجب أن تهدف إلي تنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب والجماعات العنصرية أو الدينية”.

الغرب أسس لمبدأ التسامح دون أن يجبره أحد
الغرب أسس لمبدأ التسامح دون أن يجبره أحد

فالمادة صريحة في نبذ العنصرية وعدم نسج المؤامرات والحروب باسم الدين أو أي قيمة إنسانية رفيعة كالتسامح، ولنا في ما وقع عقب أحداث 11 سبتمبر 2001 خير معين على فهم طبيعة الركون إلى افتراضات تعتمد على حسن النية، فمباشرة بعد التفجيرات، تعالت أصوات من جميع الجهات الغربية تقريبا تسكب الزيت على النار وتلصق تهمة التعصب والإرهاب بديانة وحضارة كانت سباقة إلى إرساء أسس التفاهم والحوار.

وبالعودة إلى ما مثله مسجد قرطبة بإسبانيا من قيمة حضارية وجمالية في التعايش والتسامح نجد أن الإضافات التي طرأت عليه ببناء كاتدرائية بداخله مثل اعتداء صارخا على مبدأ التسامح، وهنا يقول الناقد ميشيل بوتور “إن إضفاء الطابع غير الإسلامي على المسجد والإضافات التي ألحقت به على مرّ التاريخ كانت من السّخف حتى أمست أضحوكة في أعين كل من زاره، وأن الجهود التي بذلت لهزيمة الخصم قد باءت بالفشل، وقد انتصر الأصل دون إعلان أو قيام أيّ حرب”.

ونظرا إلى أن التسامح كقيمة حضارية تتجلى في العمران والثقافة فالمسجد كان يمثل هذه القيمة ويقول ميشيل بوتور “إن الندم والتأسف لا بد أنهما قد صاحبا العديد من سكان المدينة من القرطبييّن على امتداد التاريخ حكّاما كانوا أم مواطنين عاديين، وذلك من جراء محاولات إفساد أجمل معلم حضاري في مدينتهم، بل أجمل المعالم قاطبة التي شيدتها يد شريفة في التاريخ”. ونظرا إلى ارتباط التسامح بقيم التعدد واحترام التنوع الحضاري والثقافي فقد قال مصطفى المرابط، رئيس مركز مغارب للدراسات في الاجتماع الإنساني، إنّ قضية التعدد والتنوع الثقافي، وإنْ كانت مطروحة في ساحة النقاش منذ زمن غير يسير، إلا أنها تظل ذات راهنية وحساسية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مبرزا أنها بقدر ما تفتح رهانات وآفاقا، بقدر ما تفتح باب المخاطر والأزمات.

وأوضح رئيس مركز مغارب أنّ الأهم ليس هو التعدد في حد ذاته، بل السياق الذي يتبلور فيه؛ فإذا كان التعدد، تحصيلا حاصلا باعتباره طبيعةً مرتبطة بالظاهرة الإنسانية، فإنّ السياق هو الرَّحم الذي يستقبله، فيوجّهه إما في اتجاه البناء وإما التدمير، مبرزا أن إحدى إشكاليات العصر الحديث، تتمثل في النظرة إلى الآخر، قائلا إنّه ليس خصما، بل وجوده ضروري لأنّ “الأنا” لا تتجلى إلا بوجود “الآخر”.

وعندما نقرأ في الفقرة الأولى من المادة الأولى من إعلان مبادئ التسامح بأنه، يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثريّ لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا، ويتعزز بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد. التسامح هو الوئام في سياق الاختلاف، وهو ليس واجبا أخلاقيا فحسب، وإنما هو واجب سياسي وقانوني أيضا.

13