اليمين المتطرف واتفاق الهجرة.. موقف مشتق من الإسلاموفوبيا

تزايد حركات الهجرة بسبب الحروب والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية رافقه نمو كبير للأفكار العنصرية وكان أرضية خصبة لنشاط التيارات اليمينية المتطرفة.
الاثنين 2018/12/10
دعوات يتردد صداها

أظهر الجدل القائم بشأن اتفاق الأمم المتحدة للهجرة الذي ستوقع عليه دول عديدة في مؤتمر مراكش المغربية في هذه الفترة بروز نزعة الخوف من الإسلام، وهو ما بات يعرف بظاهرة الإسلاموفوبيا في الخطابات التي تبناها الرافضون لأن تصادق بلدانهم على هذا الاتفاق. والأمر المثير للريبة أكثر هو رفض الحكومات في عدد من البلدان الأوروبية من بينها البعض من بلدان أوروبا الشرقية وإيطاليا إلى جانب تيارات اليمين المتطرف التي من شأنها أن تغذي برفضها لاتفاق الهجرة الدوافع العنصرية والإسلاموفوبية والتي تتسبب في وقوع أحداث عنف تستهدف المسلمين.

لندن- تعارض أطراف عديدة اتفاق الأمم المتحدة للهجرة الذي من المتوقع أن توقع عليه أكثر من مئة دولة الاثنين والثلاثاء في مراكش المغربية، وبالنظر إلى المستجدات على الصعيد العالمي تبرز أسباب الرفض الشعبي في عدد من البلدان الغربية متصلة بشكل وثيق بالإسلاموفوبيا والتمييز ضد المسلمين.

لكن من ناحية أخرى الرفض الرسمي والسياسي لاعتماد هذا الاتفاق من قبل الحكومات والسياسيين المنتمين إلى اليمين المتطرف في أوروبا يثير المخاوف من أن يكون محركا لزيادة منسوب الإسلاموفوبيا في تلك البلدان باعتبار أن الرفض جاء من الحكومات اليمينية أو ذات الأغلبية اليمينية إضافة إلى سياسيين وحركات تنتمي إلى نفس التيار وهذه الجهات تتبنى وتروج بشكل صريح للأفكار القومية التي تغذي النزعة الإسلاموفوبية.

أفكار السياسيين والمسؤولين الرسميين تساهم بشكل كبير في زيادة منسوب الإسلاموفوبيا ولنا في مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبرز مثال على ذلك، حيث تتهم أوساط مختلفة بأنه السبب الرئيسي في ارتفاع عدد أحداث العنف التي تستهدف الأجانب والمسلمين واليهود من خلال إعطاء نوع من الشرعية وبشكل غير مباشر لفكرة “سيادة البيض”.

وتقول تقارير إعلامية إن العنف ضد المسلمين في الولايات المتحدة تصاعد بالمقارنة مع الفترة التي تلت هجمات نيويورك في 2011. ووفق صحيفة “الاندبندنت” البريطانية فإنه “يتعرض المسلمون في الولايات المتحدة حاليا لحالة من التعصب والتطرف، كنتيجة لسلوك وأفعال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أكثر مما كان عليه الوضع بعد تفجيرات 11 سبتمبر”.

وأكدت الصحيفة أن معدل القلق يرتفع لدى المسلمين في الولايات المتحدة، الذين أصبحوا يخافون من إظهار أي علامات تدل على دينهم. وفي كندا ورغم أن المهاجرين مكون أساسي من مكونات المجتمع في البلد ورغم أن السياسات الحكومية تدعم نظام الهجرة وزيادة عدد المهاجرين، إلا أن هذا البلد يظهر بشكل بارز ضمن خارطة الرافضين لاتفاق الأمم المتحدة للهجرة، حيث تظاهر أمام البرلمان في نهاية الأسبوع الماضي يمينيون متطرفون معارضون لانضمام كندا إلى هذا الاتفاق.

أحداث إسلاموفوبيا

أنطونيو غوتيريش: يجب أن نرفض استهداف الناس بسبب جنسيتهم أو عرقهم أو دينهم
أنطونيو غوتيريش: يجب أن نرفض استهداف الناس بسبب جنسيتهم أو عرقهم أو دينهم

تظاهرات أنصار الجماعات اليمينية المتطرفة وتبادل الشتائم والإهانات أمام مقر البرلمان مع متظاهرين آخرين مؤدين للاتفاق يعكسان حالة عامة تسري داخل المجتمع الكندي وتتمثل في حقيقة لا يمكن إنكارها أو إخفاؤها وهي وجود تمييز حقيقي ضد المسلمين وخوف دائم منهم بسبب الأحداث العنيفة التي تورطت فيها جماعات الإسلام السياسي ونقلت صورة خاطئة عن المسلمين.

وتتواتر في كندا الأحداث التي تستهدف المسلمين، ومنها هجوم استهدف أسرتين مسلمتين من أصول فلسطينية وتركية في مدينة تورنتو الكندية في يوليو الماضي. وكان محمد أبومرزوق (39 عاما) الفلسطيني الأصل قد تعرض للضرب خلال وجوده في منطقة نزهات مع أسرته.

وقالت الزوجة حينها إن المعتدين نعتوهم بـ”الإرهابيين” وقالوا لهم “عودوا إلى حيث أتيتم، عرب إرهابيون”. وفي كندا يأتي رفض الاتفاق من مجموعات صغيرة وجود البعض من الأطراف السياسية التي تسعى إلى الحد من الهجرة على غرار المبادرة التي قدمها وزير الخارجية السابق مكسيم بيرنييه.

وفي بلجيكا، استقال عدد من الوزراء من بينهم وزراء الداخلية والدفاع والمالية بعد خلاف مع رئيس الوزراء شارل ميشيل بسبب عزمه على التوقيع على اتفاق الأمم المتحدة للهجرة. هذا البلد الأوروبي بدوره يشهد أحداثا إسلاموفوبية، فقد ذكرت جمعية مكافحة الإسلاموفوبيا في بلجيكا أن نحو 76 بالمئة من اعتداءات الإسلاموفوبيا في بلجيكا بسبب ارتداء الحجاب وفق إحصائيات رصدتها في العام 2017.

وبحسب نفس المصدر فإن اعتداءات الإسلاموفوبيا تبرز في استهداف دور العبادة والعنف الجسدي وبث الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي. وأكدت الجمعية أن “بلجيكا تشهد اعتداء واحدا بسبب الإسلاموفوبيا كل يومين”، ومعظم المعتدين من الرجال. وبين تقرير الجمعية أن الأرقام بخصوص ظاهرة الإسلاموفوبيا في بلجيكا أقل بكثير من الحقيقة؛ حيث يلتزم العديد من الأشخاص الصمت حيال مثل هذه الاعتداءات.

استقالات واحتجاجات

في سلوفاكيا المشهد يبدو مختلفا في تركيبته حيث استقال وزير الخارجية ميروسلاف لايتشاك احتجاجا على رفض الحكومة والبرلمان المصادقة على اتفاق الأمم المتحدة للهجرة.

وتعد سلوفاكيا من بين بلدان أوروبية عديدة ترفض حكوماتها وأحزاب سياسية ناشطة فيها اتفاق الهجرة، وتشترك جميعها في انتمائها إلى التيار اليميني المتطرف الذي يشهد نموا في أوروبا وفي أنحاء أخرى من العالم.

ورغم أن اعتماد الاتفـاق العـالمي للهجرة، هو حدث عالمي يحظى بأهمية كبرى لأنه سيطرح على طاولة قادة العالم، قضية طالما مثلت صداعا لكل الأطراف ذات العلاقة بظاهرة الهجرة، إلا أن الميثاق لا يقرأ باللغة نفسها في كل أرجاء العالم، ولا ينظر إليه بنفس القدر من الاهتمام والتفهم العالميين. والواضح أن سيطرة اليمين الأوروبي المتشدد فرضت قراءة مخصوصة للحدث وللمتجه الأممي المزمع إصداره. ومن المجر إلى بولندا وبلغاريا وإيطاليا والتشيك، وصولا إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، ساد اتفاق على رفض ميثاق الأمم المتحدة للهجرة، وإن قدمت الأحزاب والائتلافات اليمينية الأوروبية أسبابها القانونية والسياسية لرفض الميثاق، إلا ما يفوح مما تحت الدواعي المعلنة، هو تضمن رفضها للهجرة والمهاجرين، بخطاب الكراهية والتحريض ضد المهاجرين ورفض الآخر، لتختصر كل المسارات الرافضة في مصطلح يختزل كامل العلاقة في الإسلاموفوبيا.

أفكار السياسيين والمسؤولين الرسميين تساهم بشكل كبير في زيادة منسوب الخوف من المسلمين
أفكار السياسيين والمسؤولين الرسميين تساهم بشكل كبير في زيادة منسوب الخوف من المسلمين

هذا الموقف أكده الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في كلمة ألقاها في احتفال أقيم بالمقر الدائم للمنظمة الدولية بنيويورك بمناسبة الذكرى السبعين للاتفاقية الدولية الخاصة بمكافحة الإبادة الجماعية الجمعة، عندما تحدث عن “تزايد الخطاب الذي يحض على الكراهية والعنصرية ضد الإسلام”. وقال “يتعين علينا جميعا، فرادى وجماعيا، أن نرفض كل محاولة لاستهداف الناس بسبب جنسيتهم أو عرقهم أو دينهم، أو أي شكل آخر من أشكال الهوية”.

تزايد حركات الهجرة بسبب الحروب والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية رافقه نمو كبير للأفكار العنصرية وكان أرضية خصبة لنشاط التيارات اليمينية المتطرفة. وفي نوفمبر الماضي، كشفت دراسة حديثة أنجزها باحثون من الجامعة دريسدن التقنية وجامعة دويسبورج-إيسن الألمانيتين أن وصول أكثر من مليون طالب لجوء إلى ألمانيا تسبب في بروز نزاعات قديمة بين المواطنين.

ووفق الدراسة فإن “الهجرة جعلت انقسامات إقليمية وقُطرية واضحة، مثل بين الشرق والغرب في ألمانيا والشمال والجنوب في إيطاليا وبين المركز والأطراف في بريطانيا”. كما أظهرت أن هذه النزاعات المستترة بعضها ذات طابع ثقافي أو اقتصادي-اجتماعي أو سياسي. وأوضحت الدراسة أن “أزمة اللاجئين” لم تكن السبب في هذه النزاعات، بل المحفز على الشعبوية التي انتشرت في إطارها.

بريطانيا هي الأخرى لم تكن بمنأى عن أحداث الإسلاموفوبيا، فقد رصدت مؤسسة “تيل ماما” الحقوقية، التي تتبع جرائم الكراهية في بريطانيا وقوع 608 حوادث مرتبطة بهذه الظاهرة، خلال 6 أشهر، من أصل 685 حادثة مرتبطة بالعنصرية بالبلاد. وأشار تقرير المؤسسة إلى أن غالبية الحوادث المرتبطة بظاهرة الإسلاموفوبيا وقعت في شوارع المملكة المتحدة. وبحسب التقرير، 207 من حوادث الإسلاموفوبيا المذكورة ارتكبت عبر الإنترنت، ما يعني نسبة 34 بالمئة من إجمالي هذه الحوادث.

13