اليمين المتطرف يتعهد بعصر جديد في ألمانيا

دشن المشهد السياسي في ألمانيا مرحلة جديدة عقب وصول نواب الأحزاب اليمينية إلى البرلمان في تركيبته النيابية الجديدة وعقب النجاح التاريخي الذي ناله القوميون في الانتخابات الفيدرالية الأخيرة. وقد عاد اليمين المتطرف للمرة الأولى إلى البرلمان الألماني منذ الحرب العالمية الثانية كقوة سياسية ثالثة في مجلس النواب الجديد، لتنتقل بذلك الحياة السياسية في برلين المعتادة منذ عقود على تبادلات مسيّسة بين الأحزاب وسياسة التحالف إلى إعلان الحرب ضد المنافسين، وبدت بذلك المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، المدافعة عن المهاجرين والمبادئ الأوروبية الحرة، في موقف ضعيف في مستهل ولايتها الرابعة.
الأربعاء 2017/10/25
تحديات صعبة أمام المستشارة الألمانية

برلين- تعهد اليمين المتطرف الثلاثاء بعصر جديد في البلاد إثر مشاركته الأولى في مجلس النواب المنتخب حديثا في استعراض غير مسبوق للقوة من قبل القوميين منذ الحرب العالمية الثانية.

وصرح بريند باومان أحد ممثلي النواب الـ92 الأعضاء في حزب البديل من أجل ألمانيا في الجلسة الافتتاحية للبوندستاغ (مجلس النواب الألماني) الذي تشكل إثر الانتخابات التشريعية في 24 سبتمبر الماضي. وهذه هي المرة الأولى في تاريخ البلاد منذ الحرب العالمية الثانية، التي يشارك فيها مثل هذا العدد من نواب اليمين المتطرف في البرلمان.

وندد باومان بـ”المناورات” من أجل التحول دون أن يدلي نائب من حزبه بكلمة الافتتاح. فهذه المهمة منوطة بالعضو الأكبر سنا وكان من المفترض أن تعود هذه المرة إلى النائب من حزب البديل من أجل ألمانيا، فولفغانغ فون غوتفريد (77 عاما).

إلا أن هذا النائب من المشككين في محرقة اليهود. ولقطع الطريق عليه غير البرلمان الألماني قواعده. وبالتالي لم يعد أكبر النواب سنا بل النائب الذي يشغل المقعد لأطول فترة هو الذي يلقي الكلمة. لذلك سيلقي نائب ليبرالي في الـ76 من عمره الكلمة الافتتاحية.

وصول القوميين إلى البرلمان شكل صدمة لقسم كبير من الرأي العام الألماني، الذي مازال يعيش تحت وطأة عقدة النازية

ومضى الحزب إلى حد مقارنة مصيره بما فعله النازيون بمعارضيهم في برلمان 1933 وقال باومان بانفعال “منذ العام 1848 يقوم التقليد على أن يدشن النائب الأكبر سنا الجلسة الافتتاحية”.

وتابع “الاستثناء الوحيد كان في العام 1933 عندما كسر النازي هيرمان غورينغ هذه القاعدة لأنه أراد استبعاد منافسيه السياسيين”. إلا أن ماركو بوشمان من الحزب الليبرالي رد عليه بالقول “لقد تجاوزت حدود الأدب بمقارنة أنفسكم بضحايا غورينغ”.

ويشكل دخول اليمين المتطرف البرلمان تغييرا في الحياة السياسية في ألمانيا المعتادة منذ عقود على تبادلات مسيّسة بين الأحزاب التي سيتعين عليها في وقت ما تولي الحكم معا ضمن تحالفات كما يفرض ذلك نظام الاقتراع النسبي.

مع أن الحزب المحافظ بقيادة المستشارة أنجيلا ميركل فاز في الاقتراع، إلا أنه سجل أسوأ نتيجة منذ العام 1949 ما يضع المستشارة في موقع ضعيف في مستهل ولايتها الرابعة.

وتواجه ميركل دخول حزب البديل من أجل ألمانيا المعادي للهجرة إلى البرلمان بعد حصوله على 12.6 بالمئة من الأصوات في أواخر سبتمبر الماضي، في ما شكل سابقة لحزب من هذا النوع في تاريخ البلاد لما بعد الحرب العالمية الثانية، مستغلا استياء الناخبين من وصول أكثر من مليون طالب للجوء إلى البلاد.

ووعد حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني القومي المناهض للمهاجرين بألمانيا، بعدما حقق اختراقاً تاريخياً في الانتخابات التشريعية التي جرت في سبتمبر الماضي بتغيير ألمانيا.

ويأتي صعود اليمين المتطرف في ألمانيا في ظل عودة سياسية قوية للأحزاب المحافظة بأوروبا، التي استفادت من فوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب في سباق رئاسة الولايات المتحدة في يناير 2017.

ودعمت نفاذَ الأفكار اليمينية في الغرب الهجمات الإرهابية التي عصفت بكبرى المدن الأوروبية كباريس ولندن وبروكسل في الآونة الأخيرة، ووجهت أصابع الاتهام إلى لاجئين من جاليات عربية وقعوا في فخ استقطاب تنظيم الدولة.

سابقة لليمين المتطرف

لكن تصاعد الإرهاب في القارة الأوروبية أربك زعماء الغرب المنادين بالقيم الأوروبية الحرة وبروح الانفتاح، في حين استغلت الأحزاب المحافظة ظاهرة التطرف وموجة اللاجئين والانفصال البريطاني، لتغذية الأفكار القومية والتحريض على الانعزالية اقتداء بشعار ترامب “أميركا أولا”.

قوة ثالثة

وجدت المستشارة الألمانية التي توصف بـ”زعيمة العالم الحر” نفسها في منافسة شرسة على منصب المستشارية ورغم أن الألمان جددوا ثقتهم بها واختاروها للمنصب، إلا أن وصول اليمين المتطرف إلى البرلمان يعيق سياستها الداخلية والخارجية ويعيق أوروبا التي تطمح إليها الأحزاب الليبرالية .

وبات نواب اليمين المتطرف (92 نائبا) القوة السياسية الثالثة في مجلس النواب الجديد بعد حصول الحزب على 12.6 بالمئة من الأصوات في أواخر سبتمبر الماضي، في ما شكل سابقة لحزب من هذا النوع في تاريخ البلاد لما بعد الحرب العالمية الثانية، مستغلا استياء الناخبين من وصول أكثر من مليون طالب للجوء إلى البلاد.

وخصصت الجلسة الافتتاحية لانتخاب الرئيس الجديد للمجلس، وانتخب أعضاء البرلمان الألماني الجديد وزير المالية والسياسي البارز في “الاتحاد المسيحي” (يمين وسط)، فولغانغ شويبله، رئيسا للبرلمان للسنوات الأربع المقبلة.

وحصل شويبله على 501 صوت من أصل 709 هي إجمالي أصوات أعضاء البرلمان. واعترض 173 نائبا على تولي الرجل منصب رئيس البرلمان، فيما امتنع باقي الأعضاء أو غابوا عن جلسة التصويت.

ويخلف شويبله بذلك السياسي البارز في الاتحاد المسيحي، نوربرت لامرت، الذي ترأس البرلمان خلال السنوات الأربع الماضية. وفي خطابه عقب إعلان النتائج، قال شويبله “أتوجه بالشكر إلى نوربرت لامرت.. لقد كان رئيسا عظيما للبرلمان خلال السنوات الماضية”.

ومضى مخاطبا نواب البرلمان “أود أن أشكركم أيضا على الثقة التي أوليتموها إلى شخصي بانتخابي لهذا المنصب”. ويحق لحزب البديل من أجل ألمانيا شغل مثل هذا المنصب بما أنه كتلة نيابية. لكن الأحزاب الأخرى عارضت مرشحه البريشت غلاسر بسبب مواقفه إزاء الإسلام الذي يشير إليه بأنه “عقيدة” لا تشملها حرية الديانة التي يضمنها الدستور.

وكثف اليمين القومي الألماني حملته ضد الهجرة والإسلام إبان السباق الانتخابي، وقد تزامن معها ارتفاع شعبيته في استطلاعات الرأي، ما أدى إلى ضغوط على حزب المستشارة أنجيلا ميركل. وبرنامج الحزب معارض للهجرة بشكل كبير، ومعاد للمسلمين بشكل خاص. ودعا الحزب إلى حظر مآذن المساجد ويعتبر الإسلام معارضا للثقافة الألمانية.

حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني القومي المناهض للمهاجرين، بعدما حقق اختراقاً تاريخياً في الانتخابات التشريعية التي جرت في سبتمبر الماضي، يعد بتغيير ألمانيا

الحرب على ميركل

استهدف الحزب ميركل، موجها إليها تهمة الخيانة وتعريض أمن البلاد للخطر. في المقابل هاجمت الأحزاب الكبيرة البديل من أجل ألمانيا للحد من تقدمه، معتبرين أن البلاد التي عانت من النازية يجب أن تمنع وصول اليمين المتطرف إلى البرلمان.

لذلك شكل وصول اليمين المتطرف إلى البرلمان صدمة لقسم كبير من الرأي العام الألماني، الذي مازال يعيش تحت وطأة عقدة النازية. وسبق لليمين أن خرق العديد من المحرمات الوطنية خلال حملته خصوصا تنديده بالتعويضات عن جرائم النازية.

كما تعهد أحد أبرز مسؤوليه في البرلمان ألكسندر غولاند “شن الحرب على ميركل”. أما زميلته أليس فيدل فتريد تشكيل لجنة تحقيق نيابية في مسألة استقبال اللاجئين. إلا أن هذا الحزب يشهد انقسامات حتى في صفوفه. فإحدى المسؤولات فيه فراوكه بيتري استقالت مؤخرا منددة بالتطرف القومي للحزب.

وعبر يوزف شوستر رئيس الجالية اليهودية عن قلقه. وقال “لا استبشر خيرا، أقولها بصراحة”. وأضاف في مقال في صحيفة “يوديشه الغيماينه” أنه “من المقلق معرفة أن البرلمان بات فيه أشخاص يريدون إخفاء الماضي النازي ويؤلبون الرأي العام ضد المسلمين وطالبي اللجوء”.

وتظاهر الآلاف من الأشخاص الأحد في برلين ضد دخول اليمين المتطرف إلى البرلمان. وفي الوقت الحالي لن تكون أمام البرلمان مهام كبيرة لأن الحكومة الحالية برئاسة ميركل ستتولى الثلاثاء رسميا تسيير الأعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة.

وبدأت محادثات صعبة في هذا الصدد بين ثلاثة تشكيلات لكل منها برنامج يختلف كثيرا عن الآخرين وهي المحافظون بزعامة ميركل والليبراليون وحزب الخضر. ومن المقرر أن تستمر المحادثات حتى نهاية العام الحالي وربما تتواصل في 2018.

6