اليمين المتطرف يعيد تعويم الأسد وبوتين في الوجدان الغربي

الأربعاء 2016/11/30
مفاهيم جديدة

لندن - يتابع المراقبون بقلق ملامح تيار بدأ يصبح عالميا يحمل الأفكار نفسها التي كانت تعد في مرحلة ما عنصرية فاشية، وصارت عادية تدرج داخل البرامج الانتخابية لما يفترض أن يكون أحزابا تقليدية.

وإذا ما كانت التيارات السياسية استعارت سابقا بعض أفكار اليمين المتطرف في الدول الديمقراطية لأغراض الحملات الانتخابية وعدّة الشغل اللازمة لحصد الأصوات، فإنه منذ الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في يونيو الماضي وانتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة هذا الشهر، انتقلت الأفكار الشعبوية لتصبح برامج حكم مطيحة بعقود من القيم التي أسست للعالم الغربي نقيضا للتوتاليتارية في العالم.

وفيما اعتمدت أحزاب اليمين المتطرّف منذ عقود في مناكفتها للأنظمة السياسية في أوروبا على فكرة استقلالية الدولة وتفضيلها لمواطنيها ودعوتها إلى إعادة إقفال الحدود ورفض منطق المجتمع متعدد الثقافات، رفضا للأجنبي وكرها له، فإن الحجج التي أدت إلى البريكست البريطاني وفوز ترامب في الولايات المتحدة استندت على كل هذه الأفكار بأشكال مختلفة وبتقديمها وفق مسوّغات انتهازية تتناسب مع الاستحقاق.

ورفض أنصار البريكست في بريطانيا حرية تنقل الأفراد داخل الاتحاد الأوروبي، صونا لصفاء المجتمع البريطاني وحمايته من الضغوط الاقتصادية التي تفرضها منافسة “الآخر”، رافعين شعار “بريطانيا أولا”، وإعادة المملكة المتحدة إلى عقلية الجزيرة التي تفصلها حواجز مائية عن اليابسة.

في المقابل انتخب الأميركيون دونالد ترامب بعد أن وعدهم بمنع المسلمين من دخول البلاد وسحب الولايات المتحدة من دورها في العالم دون مقابل مادي والتعهد بأن تكون “أميركا أولا”.

وعليه فإن النظام الذي حكم العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية سيترك مكانه لصالح نظام سياسي يطيح بالتحالفات التي كانت تضع الغرب بقيادة واشنطن مقابل الشرق بقيادة موسكو وبكين من جهة أخرى.

ويجتمع دونالد ترامب مع زعماء اليمين المتطرّف في أوروبا على الدعوة إلى التعاون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وإنهاء المواجهة التقليدية مع موسكو.

وانضم إليهم مؤخرا فرنسوا فيون مرشح اليمين والوسط الفرنسي للرئاسة الفرنسية، بتجاوز مشكلة أوكرانيا وغض الطرف عن ضمّ شبه جزيرة القرم وإهمال نشر الدرع الصاروخية على تخوم الحدود الروسية في أوروبا، والقبول ببوتين، كما هو، شريكا وحليفا للعالم الغربي.

ولا يتوقف الأمر على قلب الرؤى الغربية لصالح بوتين، بل لصالح التحالف مع الرئيس السوري بشار الأسد أيضا، إذ لم ير دونالد ترامب في الأمر مانعا واعتبره الأسد بالمقابل “حليفا طبيعيا”، فيما لوبن وفيون يعتبرانه ضرورة لمكافحة تنظيم داعش.

ونقلت صحيفة التايمز البريطانية عن الزعيم الجديد لحزب استقلال المملكة المتحدة بول ناتول قوله إن الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والسوري بشار الأسد “في صفنا في الحرب على الأصولية”، معتبرا أن “بريطانيا أخطأت بمساعدة المتمردين في سوريا”، قائلا “نحن لسنا مثالا للفضيلة عندما يتعلق الأمر بمساعدة الطغاة”.

ولاحظت لوسي فيشر كاتبة مقال التايمز أن ناتول لم يكن معجبا ببوتين وأنه انتقد معاملته للصحافيين ولشعبه، لكن ناتول يرى أن الأسد في سوريا، الذي تدعمه روسيا، لا يشكل خطرا على العالم كما يشكله الإرهاب.

ويستنتج المراقبون أن الانبهار بالدكتاتورية والدكتاتور أضحى أمرا قابلا للتسويق لدى الرأي العام، لا سيما في أوروبا التي داهمها تدفق المهاجرين الذين لفظتهم المأساة السورية.

ويرى باحثون في شؤون العلاقات الدولية أن الحجج الشعبوية التي تروج في أوروبا لا تعتبر مقلقة وهي عادية في أدبيات اليمين المتطرف، وأن الدعوات الدؤوبة التي تطلق في بريطانيا من أجل استفتاء آخر حول الخروج من الاتحاد الأوروبي قد تعيد وضع هذا اليمين إلى مواقعه الطبيعية المتواضعة.

وتلفت هذه الأوساط إلى أن فرنسوا فيون استعار بعض الأفكار اليمينية المتطرفة وتبنى سياسة الود مع بوتين، لكنه تمسّك بالاتحاد الأوروبي ولم يمس الوجود المسلم في بلاده.

لكنّ مراقبين يتوقعون أن يصطدم استقواء الحجج المنادية للاتفاق مع بوتين والقبول بالأسد شريكا لمكافحة الإرهاب بالمواقف التي أعلنها ترامب أثناء حملته الانتخابية، بالموقف الحقيقي للرئيس الذي سيقود بلاده بناء على تقييمات المؤسسات الأميركية والتي لا تتفق بالضرورة مع مواقف ترامب.

وتقول هذه المصادر إن إلقاء نظرة سريعة على الأسماء التي ظهرت أو تلك التي يدور الحديث حولها داخل إدارة ترامب المقبلة تفضي إلى استشراف نسخة أخرى عن تلك المعلنة لاستراتيجية الرئيس الأميركي في مقاربة الرئيسين الروسي والسوري، وأن وضوح هذه التوجّهات الأميركية سيضع حدا لتضخّم غير منطقي لأفكار اليمين المتطرف داخل أوروبا وربما حدا للاختراق الذي يحققه زعيم الكرملين داخل القارة العجوز.

1