اليمين المتطرّف في أوروبا يوظف أزمة اللاجئين لتصدر المشهد السياسي

أزمة اللاجئين لم تتوقف فقط عند دخول أعداد كبيرة من الفارين من عنف الصراع في مناطق الشرق الأوسط المضطربة، بل إن الامتدادات السياسية لهذه الأزمة تتصدر اهتمامات الإعلام ودوائر القرار والسياسيين الأوروبيين بشكل مؤرق، مسببة أزمات دبلوماسية. وقد وجدت الأحزاب والتيارات اليمينية المتطرفة في أوروبا هذه المناسبة كي تعيد إطلاق شعاراتها العنصرية تحت شعار حماية القوميات الأوروبية من التشويه بفعل التركز الحضاري المختلف القادم مع اللاجئين.
الثلاثاء 2015/09/29
موجة التطرف في أوروبا وصلت إلى البرلمان الأوروبي لتصبح تكتلا يمينيا واسعا

فيينا - انتقد المستشار النمساوي فيرنر فايمان تعامل المجر مع أزمة اللاجئين وشبه سياساتها بعمليات الترحيل التي نفذها النازيون أثناء المحرقة في الوقت الذي شكا فيه اللاجئون من الطريقة التي يعاملون بها في المجر، وقال فايمان إن “السياسة المجرية لا تعمل بمبادئ التسامح والتعاطي المواطني مع الوافدين من مناطق النزاع”.

ويعبر الآلاف من اللاجئين الحدود إلى المجر كل يوم وهي أقصى نقطة في شرق منطقة شينغن الأوروبية التي يسمح فيها بالتنقل دون جوازات سفر. ويتوجه كثيرون إلى بلدان أوروبية أخرى في الغرب والشمال الأكثر ثراء في أسوأ أزمة لاجئين تشهدها أوروبا منذ حروب يوغوسلافيا في التسعينات. وقال المستشار النمساوي منتقدا الطريقة التي تتعامل بها السلطات المجرية مع اللاجئين إن “شحن اللاجئين في قطارات وإرسالهم إلى مكان مختلف تماما عما يظنون أنهم ذاهبون إليه يذكرنا بأسود فصل في تاريخ قارتنا”.

وفي الثالث من سبتمبر الجاري استقل مهاجرون قطارا في بودابست ظنا منهم أنه سيقلهم إلى الحدود مع النمسا لكن القطار توقف على بعد 35 كيلومترا إلى الغرب من العاصمة في بلدة بيتشكه حيث أقامت المجر معسكرا لهم حيث رفضت في المقابل تعليقات فايمان واستدعت السفير النمساوي لديها ووصفت ما قاله فايمان بأنه “لا يليق البتة بزعيم أوروبي في القرن الحادي والعشرين”.

ويقول نشطاء حقوقيون نمساويون إن المسؤولية الملقاة على عاتق السلطات الأوروبية الآن أخلاقية بالأساس، إذ وبقطع النظر عن أسباب قدوم اللاجئين إلى أوروبا أو كيفية الدخول إلى أراضيها بطرق شرعية أو غير شرعية، فإن “القيم الكونية والإنسانية تحتم على كل الدول أن تراعي هذا التدفق وأن تتحمل بشكل مؤقت هذا الزخم”. وهو ما أكدته جمعية “إنسانية بلا حدود” النمساوية ذات التوجه اليساري.

وقد تسببت أزمة اللاجئين الأخيرة، والتي تعد أضخم أزمة من هذا النوع منذ الحرب العالمية الثانية، في إعادة طرح العديد من الأسئلة ذات الطابع الاجتماعي والفكري والسياسي حول مسألة قبول الآخر الحضاري من عدمه، وما يترتب على هذا القبول أو الرفض من مسؤولية أخلاقية أمام الإنسانية كما عبر عن ذلك المفكر والإعلامي الفرنسي دومينيك فولتون.

المسؤولية الملقاة على عاتق الأوروبيين الآن أخلاقية بالأساس للحفاظ على قيم التسامح

وقد أثار الجدل القائم بين المجر والنمسا في الداخل الألماني توترا حادا، إذ وجه سياسيون من مختلف ألوان الطيف السياسي انتقادات للمستشارة أنغيلا ميركل واتهموها بفقدان السيطرة على الموقف في أزمة اللاجئين، الأمر الذي دفع 20 ألف شخص في هامبورغ إلى المشاركة في مظاهرات ضد العنصرية والتطرف اليميني ودعوا إلى التسامح.

وقالت ميركل إنه لن يكون بوسع اللاجئين لأسباب اقتصادية البقاء في ألمانيا وطالبت دولا أخرى بإظهار المزيد من التضامن في أزمة اللاجئين قبل اجتماع لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي. وصرحت ميركل “هذه ليست مسؤولية ألمانيا بمفردها، إنها مسؤولية جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي”، مضيفة أن دولة اليونان تحتاج إلى حماية حدودها مع تركيا وهي بلد غير عضو في الاتحاد. وأكدت ميركل أن الأزمة تتفاقم أيضا عندما يختلط السياسي والإقليمي الأوروبي بالقيمي والإنساني الذي يمثل ثوابت لا يمكن أن تحيد ألمانيا عنها.

وعبر الحدود من المجر إلى النمسا 5100 مهاجر أواخر الأسبوع الماضي فقط، وذلك بحلول ساعات المساء الأولى، ويتوقع المزيد من اللاجئين حسب تقارير أمنية.

واستغل مهربو البشر تلك الأزمة التي قال العديد من المسؤولين في الاتحاد الأوروبي إن محاربة ظاهرة النزوح والهجرة غير الشرعية تمر حتما عبر القضاء على هذا النوع من التجارة المحرمة، وقالت صحيفة “بيلد أم زونتاج” الألمانية إن السلطات في البلاد احتجزت 2336 من المهربين هذا العام حتى الثامن من سبتمبر الجاري، وهو رقم يزيد بنحو 40 بالمئة عن نفس الفترة من العام الماضي ولم يتسن على الفور الحصول على تعليق من وزارة الداخلية. وفي اليونان اعتقلت الشرطة سوريين اثنين ولبنانيين اثنين للاشتباه في تقديم وثائق مزورة لمهاجرين يعبرون الحدود من خلال أثينا. وقالت الشرطة إن هؤلاء حصلوا من المهاجرين على مبالغ تتراوح بين خمسة آلاف وستة آلاف يورو.

وتقول آراء خبراء، إن التكتل اليميني الذي تقوده مارين لوبان الزعيمة اليمينية المتطرفة الفرنسية في البرلمان الأوروبي، والذي يتشكل من قيادات الأحزاب اليمينية المتطرفة في الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي (من بينهم غيرت فيلدرز) سوف تكون له تأثيرات في تشريع القوانين التي سوف تنظم مسألة اللجوء والهجرة إلى أوروبا، وهذه التأثيرات لن تمر دون أن تثير سجالا حول قبول الجاليات غير الأوروبية، الأمر الذي سوف يمس من علمانية أوروبا ودورها العالمي في حماية الحريات والمواطنة وقيم التعايش والتسامح.

13