اليمين واليسار في فرنسا: التقاء في نقد سياسة هولاند وتناقض في البدائل

المشهد السياسي الداخلي في فرنسا يهتز تحت وقع الهجمات الأخيرة التي طالت باريس في ليل الجمعة السبت الماضي. ولم تعد المواقف والآراء كما كانت قبل الهجمات، رغم ما أحدثه هجوم شارلي إيبدو وما تلاه في يناير الماضي من اضطرابات مست قطاعات عديدة. وقد يبدو الأمر في الوهلة الأولى مجرد ردود أفعال يقوم بها السياسيون بشكل عادي في حال حدوث طارئ على البلاد، لكن الأمر في حقيقته ذاهب بجدية نحو التغيير وإخضاع حكومة مانويل فالس وسياسة الرئيس فرانسوا هولاند إلى أجندات أخرى غير تلك التي يقررها هو بذاته، وهذا أمر جديد في السياسة الفرنسية.
الثلاثاء 2015/11/17
أجندات جديدة في السياسة الفرنسية

باريس ـ بعد 24 ساعة من الهجمات، وبشكل مباشر، وقعت اتصالات حثيثة بين القيادات السياسية لكل التيارات في فرنسا وتداعى الجميع إلى اجتماع عاجل في مقر وزارة الخارجية الفرنسية “الكواي دورساي” لتدارس مراجعة العلاقات التي تجمع فرنسا بروسيا وسوريا وقطر والمملكة العربية السعودية، وقد اعترف النائب جاك ميارد عن حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية الذي يقوده نيكولا ساركوزي الرئيس السابق أن “الاجتماع قد شهد حضور كل التيارات السياسية الفرنسية تقريبا، والكل تحدث في نقطتين بارزتين هما: أهمية الوحدة الوطنية في المرحلة الحالية وعدم إظهار أي خلاف أو تشنج، والنقطة الثانية هي ضرورة القيام بمراجعات جذرية في المواقف الفرنسية”.

وما لفت انتباه المراقبين هو أن النغمة العامة التي أصبح الخطاب السياسي الفرنسي بشكل عام معدلا عليها هي أن الوضع في سوريا بالذات يجب أن يتخذ شكلا آخر في التعاطي معه، إما بأكثر تشددا في السياسة الفرنسية الحالية أو بالانسحاب تماما من مسرح العمليات والاكتفاء بتنسيقات دبلوماسية في الأروقة الأوروبية والدولية. لكن حسابات مثل هذه ليست خاضعة للتعاطي الظرفي أو الانفعالي، بل إن الفرنسيين دائما ما يرتبطون باستراتيجية الاتحاد الأوروبي في التعاطي السياسي الخارجي، وهذا ما ينبه إليه السياسيون الفرنسيون في الوقت الحالي، خاصة اليمين الفرنسي الذي يميل إلى فرض القوة الفرنسية بشكل مطلق على الاتحاد الأوروبي.

وأضاف النائب اليميني جاك ميارد أنه “من الضروري أن تخرج بعض الدول من منطقة الغموض إلى منطقة الوضوح في التعاطي مع المسألة السورية: هل تريد حلولا نهائية للأزمة وإعادة توطين اللاجئين لدينا وإقامة انتقال سياسي نحو الديمقراطية أم تريد إدامة هذا الصراع لحسابات دولية وإقليمية خاصة بها”.

وقد كان هذا التصريح موجها بالأساس إلى الولايات المتحدة الأميركية التي قال عنها بعض المعارضين الفرنسيين (خاصة من اليمين) إنها تسيطر على السياسة الأوروبية وبالتالي الفرنسية وإن الخيارات التي يمكن أن تكون متعددة أمام فرنسا دائما ما تعطلها أميركا بفرض رؤيتها على الأوروبيين.

وقد ظهرت هذه التغيرات في طريقة تفكير السياسيين الفرنسيين تجاه القضايا الدولية من خلال تصريحات أقطاب التيارين المتقابلين دائما في فرنسا: أقصى اليسار الممثل في جبهة اليسار وأقصى اليمين والممثل في الجبهة الوطنية. ولعل كلا الجبهتين تشتركان في توجيه الانتقادات لسياسة فرانسوا هولاند تجاه الأمن الداخلي وسياسة الهجرة واللجوء، وأيضا في سياسته الخارجية خاصة في ما يتعلق بالشأن السوري. ولكنهما يتناقضان في مضامين هذه الانتقادات.

إذ يؤكد جون لوك ميلونشون أنه على فرنسا أن “تنسحب عسكريا من بؤر التوتر في العالم، وألا تعيد التدخل في الشؤون الداخلية للشعوب بهذه الصيغة التي عليها فرنسا الآن”، مشيرا إلى أنه “استعمار جديد”، متجنبا تحميل المسؤولية إلى المسلمين أو المهاجرين في أوروبا.

أما مارين لوبان وهي زعيمة الجبهة الوطنية اليمينية في فرنسا فتؤكد أنه “على الدولة الفرنسية أن تزيد من تواجدها في بؤر التوتر في العالم، وأنها مطالبة بحماية مواطنيها في فرنسا وخارجها عبر الذهاب إلى الإرهاب والقضاء عليه في مهده، في سوريا أو العراق أو مالي أو النيجر أو غيرها”.

السياسة الخارجية الفرنسية تشبه الاستعمار

جون لوك ميلونشون: ولد سنة 1951، وانتمى إلى الشبيبة الشيوعية الفرنسية في أحداث مايو 1968 في باريس، تولى مناصب سياسية عديدة آخرها نائبا في البرلمان الأوروبي

قال جون لوك ميلونشون رئيس حزب جبهة اليسار الفرنسية (يسار راديكالي) إن للفرنسيين اليوم “الحق في الكره، كره من قاموا بالهجمات الأخيرة التي أسفرت عن جرح وقتل المئات من الأبرياء”، وأشار إلى أن هذا الكره “يجب أن يبقى مركزا على الإرهابيين فقط، وأما الحكومة التي تدير فرنسا الآن فيجب أن نتوجه إليها بالنقد في سياستها الخارجية والداخلية التي اتسمت طيلة سنوات بالتبعية والحمق وعدم الاكتراث”.

وأكد ميلونشون في لقاء تلفزي أن “الإشكالية التي تعيشها فرنسا في خصوص ظاهرة الإرهاب فيها جزء كبير داخلي”. وفسر ذلك على أن “السياسة الخارجية والأمنية التي تتبعها فرنسا تجاه القضايا الدولية والأمن الأوروبي والأمن الداخلي لفرنسا منقوصة وغير تامة من ناحية القيم والأسس التي بنيت عليها”.

وقال رئيس حزب جبهة اليسار الفرنسية إن الفريق الحاكم في فرنسا الآن لا يقيم وزنا استراتيجيا للردود التي يمكن أن تكون على المدى البعيد “لسياسة حشر الأنف” التي يقوم بها فرانسوا هولاند الرئيس الحالي للجمهـورية الفرنسية وفريقه الـوزاري الحاكم.

وأشار ميلونشون إلى أن “حوارا داخليا بين النخب السياسية الفرنسية يجب أن يفتح بمجرد تجاوز هذه الأزمة الإرهابية الأخيرة، فحالة الطوارئ سوف تعطل النقاشات بعقل مفتوح وأعصاب غير متشنجة، لكن في المحصلة على السلطة الآن التي انبثقت من تيار اليسار الوسط الذي نجح في الانتخابات الماضية أن تستعد للدخول في حوارات ونقاشات معمقة في السياسة الفرنسية الخارجية بشكل عام، دون المساس بأولوياتها ومبادئ الجمهورية طبعا”.

وفي سياق حواره مع قادة أحزاب يمينية أخرى، قال جون لوك ميلونشون إن “التضارب في التصريحات لدى الوزراء الفرنسيين منذ فترة في ما يتعلق بعدد من القضايا الدولية فضح التبعية المرفوضة للولايات المتحدة الأميركية”، مشيرا إلى أن المفاوضات التي خاضها الغرب مع إيران في خصوص ملفها النووي ومواقف أميركا من الإشكال السوري (المتذبذب بدوره) ظهرا بوضوح في تصريحات وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، “فقبل يوم من الوصول إلى وثيقة الاتفاق مع إيران أعاد فابيوس ما قاله أوباما حول ضرورة تشديد الشروط على الجانب الإيراني لضمان عدم الوصول إلى قوة عسكرية نووية، وبعد 24 ساعة أي بعيد التوقيع مباشرة كرر فابيوس أيضا ما قاله جون كيري حول تمكن العالم من تجاوز أزمة الملف النووي الإيراني بنجاح”، وأضاف “نلاحظ هنا أن التبعية غير مقبولة بالمرة”.

“الأزمة بدأت من غزو العراق، وأنا أشير هنا بكل احترام إلى قرار الرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك الذي رفض المشاركة فيها مع أميركا، وكنت قد صوت ضد تلك الحرب كعضو في الجمعية العامة الفرنسية وأشرت إلى حكمة شيراك، ولكن الآن الصورة تغيرت، فقد أصبحت فرنسا ترسل طائراتها إلى دول أخرى لتنشر الديمقراطية. هل أصبحنا مثل الأميركيين؟ هل أصبحنا رعاة بقر بدورنا؟ هل لنا الحق في التدخل في سيادة دول أخرى لنقول إننا موجودون في العالم؟”. بهذه التساؤلات رد جون لوك ميلونشون على السؤال حول وضعية القوة الفرنسية على المستوى الدولي.

وقال ميلونشون إنه “على فرنسا أن تعيد حساباتها جيدا إزاء ما تقوم به في سوريا والعراق وليبيا، فنحن الآن نجني ما قام به ساركوزي منذ سنوات وفرانسوا هولاند الآن بإرسال قواتنا إلى دول بعيدة عنا بحثا عن الثروة والنفوذ السياسي، وإذا كنا نبحث عن هذه الثروة والنفوذ فإنه من الضروري أن نجريها سلميا وبالقانون وبمبادئ فرنسا في الحرية دون الذهاب إلى مالي والكاميرون والنيجر وسوريا والعراق وأفغانستان وليبيا بآلتنا الحربية حتى نحصل على ما نريد، فعكس ذلك هو استعمار”.

على فرنسا أن تقوي قبضتها الخارجية

مارين لوبان: ولدت سنة 1968، انتمت إلى حزب الجبهة الوطنية اليميني الذي أسسه أبوها جون ماري لوبان، وهي عضو في البرلمان الأوروبي منذ 2004 وترأس حاليا حزب الجبهة الوطنية

قالت رئيسة حزب الجبهة الوطنية الفرنسي، مارين لوبان إن الهجمات التي شهدتها العاصمة الفرنسية باريس في الأيام الماضية “تؤكد أنه على فرنسا زيادة قوة قبضتها في العالم لتتمكن من القضاء على الإرهاب بشكل كامل، وذلك لحماية مواطنيها من القتل المروع الذي شاهده كل العالم في باريس ليل الجمعة السبت الماضي”.

وقالت مارين لوبان، زعيمة الجبهة الوطنية الحزب اليميني المعروف بمواقفه المعادية للمهاجرين في فرنسا، “إن نتائج التحقيقات تؤكد هوية الجهة التي نظمت الهجمات الأخيرة في باريس، ونسبت الهجمات إلى الإرهاب الإسلامي”. وأضافت لوبان قائلة “لا يكفي أن تخرج طائراتنا لتقصف بشكل مشكوك فيه منابع الإرهاب في العالم، لا يكفي أن نرسل حاملة الطائرات شارل دي غول إلى مناطق قريبة من قواتنا التي تقصف، على فرنسا أن تنتقم من القتلة والمجرمين في حقها بشكل مباشر في مناطق عديدة من العالم”.

وكتبت مارين لوبان على حسابها الرسمي بالفيسبوك “الإرهاب الإسلامي: غضب بارد يملأ قلوبنا”، وهو ما جدّد دعم الكثير من المعجبين بصفحتها لها، إذ طالبوا بانتخابها رئيسة لفرنسا في الانتخابات الرئاسية القادمة، لا سيما وأنها طالبت مند اندلاع أزمة اللاجئين السوريين بإغلاق الحدود الفرنسية، وفق تعبيرات مسانديها.

كما ساندت مارين لوبان فرض حالة الطوارئ وإغلاق الحدود، وهما القراران اللذان اتخذهما الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند. وقالت لوبان “الإرهابيون أعلنوا الحرب ضد فرنسا، وجوابنا يجب أن يكون حازما”، واصفة الاعتداءات بـ“البربرية”، ومعبرة عن إعجابها بالقوات الأمنية “التي قدمت الدليل على شجاعة نموذجية”. وأضافت “الجحود فقط هو الذي يمنعنا من الاعتراف بالدور الريادي الذي قامت به قواتنا الأمنية والعسكرية الطبية لإنقاذ الناس وتنفيذ القرارات المتعلقة بغلق الحدود وإعلان الطوارئ والقيام بمداهمات، وهذا ليس عائدا للرئيس هولاند فقط، فهو مجبر على القيام بذلك بحكم القانون، بل إن الأمر متعلق بمؤسسات الدولة الفرنسية التي يجب إنقاذها من الانحلال في صورة التسامح مع هجمات من هذا النوع”.

وردت مارين لوبان على منتقدي السياسة الفرنسية الحالية في جانبها الخارجي قائلة إن “الانتقادات الموجهة لفرانسوا هولاند لا يجب أن تكون في اتجاه الانسحاب من المشهد الدولي بل بالعكس، الفرنسيون الغيورون على فرنسا وعلى قيمها وقوتها الجمهورية والمدنية في العالم يريدون من الدولة التحرك في المجالات جميعها كي نقضي على الإرهاب ونخلص الإنسانية من الإسلاميين المتطرفين”. وأشارت لوبان إلى “أن دعاة الكف عن قصف مضاجع الإرهابيين في سوريا والعراق ومالي والنيجر الآن لا يهدفون إلى التخلص من الإرهاب بالقضاء المسلح عليه، بل إلى انتهاج سياسة النعامة والانكفاء الداخلي وعدم الاكتراث بما يحصل في العالم”.

وأكدت مارين لوبان أن السياسة الفرنسية الحالية “غير قادرة على الاستجابة إلى أسئلة الواقع الأمني الداخلي في فرنسا وتحقيق الأمن والاستقرار في العالم”، مؤكدة أن السلطة الفرنسية الحالية لا يمكن لها أن تواصل في ظل “المهزلة التي تعيشها فرنسا التابعة لأميركا والتي أصبح كل الفرنسيين يعرفونها”، مضيفة “فرنسا الآن تشبه مقاطعة تابعة لألمانيا وأميركا، فالسياسات تسطر في واشنطن وبرلين وهولاند لا يملك سوى تنفيذها، يجب أن ننتفض ضد هذا الواقع ونعيد فرنسا إلى الفرنسيين بوضوح، وأن تكون لفرنسا كلمتها الحرة والمتميزة في العالم عبر مساعدته على القضاء على التطرف”.

وقالت لوبان في ردها على أسئلة الصحفيين في ندوة صحفية أقامتها في مقر حزب الجبهة الوطنية بباريس “إن السياسيين الفرنسيين ينتظرون انتهاء فترة الحداد وحالة الطوارئ وبعدها لكل حادث حديث، وأول من سنتوجه إليه بمقترحاتنا هي أحزاب المعارضة أيضا إذ يجب أن نتفاهم حول صورة كاملة لسياسة فرنسية جديدة نتوجه بها إلى الحكومة لتعمل بها، وهذا أمر مفروغ منه بالنسبة إلينا”.

12