"الينش" مسرحية تُزيل الاستعمار عن الفنون

المسرحية تقتفي سيرة عائلة من أصول مالية، متوسّطة الدّخل، استطاعت بجهد جهيد أن تحصل على مسكنها الخاص.
الاثنين 2020/10/26
وقع الإهانة يبقى ما بقي في المقموع عرق نابض

“اليِنْش” مسرحية لإيفا دومبيا تدين العنف اليومي في عالم عنصري وباتريركي من خلال سردية عائلية تنبع من الواقع وتعود إليه. كما يركّز هذا العمل المسرحي على معاناة الشبّان الفرنسيين من أصول أفريقية خاصة أمام قمع البوليس الذي يطاردهم حيثما حلّوا، لا لشيء إلا لأنهم سود.

“اليِنْش” عبارة بالفرلان، وهي لغة عامية تستخدم التوليد بقلب المقاطع وتعني هنا “كلب”، وتستعمل كما هي الحال عندنا للشتم والتحقير والحطّ من قيمة شخص أو مجموعة إذا كانت بصيغة الجمع، وتقال حتى في حالة الدفاع كقولهم “لست كلبا” أو “كفّ عن معاملتي ككلب”.. إلخ.

قبل بضع سنوات، صرّحت إيفا دومبيا لجريدة لوموند بأن المرأة الفرنسية السوداء لا ترى سيرتها على المسرح، وكذلك العائلة السوداء، فهي كمواطنة فرنسية من أصول مزدوجة مالية وأخرى من ساحل العاج، ومؤلفة ومخرجة مسرحية، تحاول أن تقاوم هذا الغياب من خلال نضالها ضمن مجموعة “إزالة الاستعمار عن الفنون”، وهي جمعية تنتقد بشدّة قلة حضور الفنانين من الأقليات المهاجرة في المسرح الفرنسي، ومن خلال عملها الفني أيضا أعدّت للمسرح نصوصا للأميركية توني موريسون، والكاميرونية ليونورا ميانو، إلى جانب أعمال من تأليفها مثل “اليِنش” الذي تولّت تأليفه وإخراجه لفرقتها “نصيب الفقير، نانا تريبان”.

في هذه المسرحية نقتفي سيرة عائلة من أصول مالية، متوسّطة الدّخل، استطاعت بجهد جهيد أن تحصل على مسكنها الخاص، في المرحلة التي بلغ فيها التوأمان دريسا وراماتا ديارا إحدى عشرة سنة.

تبدأ المسرحية بالنهاية، حيث تظهر راماتا وأخوها الأصغر سَيدوبا في مقدّمة الخشبة، بينما يظل دريسا جالسا في الخلف ورأسه بين ركبتيه. فيختلط الحاضر بالماضي والوهم بالحقيقة. المكان سوبر ماركت، والأم تتساءل عن عودة دريسا، ولكن الفتى لن يعود، فقد لقي مصرعه تحت ضربات البوليس.

تنطلق بعدها السردية التي ستقود إلى تلك النهاية الأليمة، فتبدو أسطوانة سينوغرافية موضوعة في وسط الخشبة، فيكشف دورانها عن مشاهد داخلية تتناوب لتصوّر عائلة إيسوف ديارا الأب، ومرياما الأم، وسيدوبا وراماتا ودريسا وهم يتناولون الطعام، ويتناقشون ويتخاصمون، ويشاهدون التلفزيون، أو يستقبلون مانديلا وكريم صديقي دريسا، قبل الوصول إلى السردية الأخيرة عن مقتل الفتى.

بعض المقاطع تؤدَّى مثل “صْلامْ” وتعدّد أسماء من ماتوا بأيدي رجال الشرطة: زياد وبونا، أداما تراوري، ريمي فريس.. ويصرخ الممثلون معا “من سيكون القادم؟”.

وفي تناوب المشاهد بين الفضاءات الداخلية والخارجية تتنقل بنا المسرحية من مكان خاص إلى مكان عام، مع حركات روتينية رتيبة أو حكايات تسرد الموت التراجيدي.

وفي توالي تلك اللحظات تحضر العنصرية المنهجية التي عانت منها راماتا خاصة في المعهد حيث يحتقرها رفاقها للونها، ولا يخصّانها بتقويم مثل بقية رفيقات الدراسة. وعانى منها دريسا حين ترفض العلب الليلية السماح له بالدخول كسائر الشبان البيض، وتطارده الشرطة عن ذنب لم يقترفه، وترديه قتيلا، لمجرد أنه أسود.

عرض مسرحي يدين عنف البوليس الفرنسي للسود
عرض مسرحي يدين عنف البوليس الفرنسي للسود

أمام هذه العنصرية اليومية، التي تستوطن التفاصيل، يسلّم الأبوان أمرهما، أما الأطفال الذين ولدوا في فرنسا ولا يزورون أرض أجدادهم إلاّ في المناسبات، كالسيّاح، فإنهم يرفضون العنصرية باستمرار ويندّدون بالكليشيهات التي تعود إلى الزمن الكولونيالي، لأنهم يحملون هم أيضا الجنسية الفرنسية، ولكن على الورق فقط.

وتبرز صورة الكلب الذي رغب فيه دريسا ولم يلبّ أبوه رغبته، مثل استعارة يستبطنها ويرى فيها دافعا إلى مقاومة الإقصاء. أما راماتا فسوف يكون مقتل أخيها هو المحرّك الذي يقودها إلى المقاومة على طريقتها.

تستعيد المسرحية بطريقة كرونولوجية بعض مراحل حياة دريسا ديارا، صداقته مع كريم المغربي ومنديلا الهايتي في المعهد، في ملعب الكرة، وامتحان البكالوريا، وسهراتهم في العلب الليلية، ومواجهتهم مع الأولياء، حتى نهايته المأسوية.

ترصد المسرحية تلك الأحداث الصغيرة التي جللت تقدّم هذا الفتى نحو سن الرشد، وما يلقاه داخل الخلية العائلية وخارجها. ومن خلالها تصوّر إيفا دومبيا هشاشة الشبّان الأفروبييين بعبارة ليونارا ميانو، أولئك الذين ولدوا في فرنسا من أصول أفريقية أو كرايبيّة، وتروي معيشهم اليومي، بأفراحه وآلامه، في عالم غربي يرفض أن يفهم وجودهم بين بين.

مسرحية تدين شتى أنواع العنف، الرمزي والمادي، والآثار المدمّرة التي تتركها في النفس والجسد على حدّ سواء، فالجرح يلتئم ولكن وقع الإهانة يبقى ما بقي في المقموع عرق نابض. هي صورة لما يعيشه أبناء المهاجرين، من العرب والسّود، ولئن ركّزت إيفا دومبيا هنا على أبناء الأفارقة، فإن أبناء المغاربيين يلقون العنصرية نفسها، ويعانون من نظرة سكان البلاد الأصليين ومطاردة رجال البوليس.

وقد اعتمدت السينوغارفيا على بلاتو دوّار، يحوي ديكور صالون، بفضله تتبدّى الأحداث في وضوح عرض سينمائي، مثلما اعتمدت المؤلفة على المراوحة بين لغة سردية وحوارات دقيقة ومونولوغ ذي نفَس شاعري، مشفوع بالسؤال الذي لا يني يتكرّر “من سيكون القادم؟” بمعنى من سيكون الضحية القادمة، ما دام عنف رجال البوليس متواصلا في غياب عقاب يردعهم. وقد جعلت تلك الصرخة كقطع بين مشهد ومشهد، ولو أن تكرارها يضعف الخطاب نوعا ما، ليحوّله إلى مانفستو.

16