اليومي والهامشي في ديوان "صمتك كثير وظهيرتي لزجة"

الشاعرة العراقية فيء ناصر تلتقط تفاصيل مختلفة من وقائع الحياة اليومية الدالة التي تعيشها للإيحاء بطبيعة العلاقة الوجودية التي تعيشها على مستويي الزمان والمكان.
الأحد 2020/01/19
الشاعرة فيء ناصر تكتب قصيدتها بلغة مكثفة وبسيطة ولا تخلو من إيماءات حسية جريئة

كلما صدر ديوان جديد لشاعرة عربية، قفز السؤال مجدداً: هل من جديد في هذا الصوت الأنثوي المعلن عن نفسه في كتاب شعري؟ ولعل مسوغات هذا السؤال إنما تكمن في تلك النمطية التي تشهدها منذ فترة غير قليلة الكتابات الشعرية العربية الحديثة، حتى لكأن الشعر، ولاسيما الذي تكتبه الشاعرات العربيات، بات أبعد ما يكون عن المغامرة الخاصة مع اللغة لصالح نوع من الكتابة المالوفة بموضوعاتها ولغتها وتراكيبها الشائعة. فهل ينطبق الأمر على صاحبة هذا الديوان؟

تضع الشاعرة العراقية، فيء ناصر، منذ العنوان الرئيس قارئ ديوانها “صمتك كثير وظهيرتي لزجة” أمام ثنائية الأنا والآخر في جدل العلاقة التي يتقدم فيها الآخر/الرجل على أنا المؤنث في بنية العنوان ما يحمل دلالات خاصة تشي بمضمون هذه العلاقة التي سنتعرف إليها من خلال قصائد الديوان.

إن هذا البعد الإيحائي للعنوان، وما يمثله من خلاصة جزئية للديوان، لا يلغي الحضور المكثف للذات الشعرية المؤنثة في قصائدها، والتي تظل محكومة بالبعد العاطفي والحسي لهذه العلاقة دون أن تلغي أثر العلاقة مع المكان والأشياء والحياة والذات باعتبار الأخيرة تمثل محور هذه العلاقة والكينونة التي نستجلي من خلالها أثر هذه العلاقة ودلالاتها.

القصيدة معطف أسود والشاعرة صوت المتاهة
القصيدة معطف أسود والشاعرة صوت المتاهة

يتوزع الديوان على مجموعة من العناوين المحورية تتوزع هي الأخرى على عدد آخر من عناوين القصائد باستثناء عنوان واحد هو العنوان الذي اتخذته عنوانا للديوان، إذ لجأت فيه إلى الترقيم وتوزيع القصيدة على مقاطع تميزت بلغتها شديدة التكثيف. تجمع قصائد الديوان بين البوح والاعتراف والسرد الشعري والوصف، لكنها قبل كل هذا وبعده هي مشغولة بالتفاصيل والهامشي واليومي في كل قصائدها وكأنها تريد أن تجعل من كل هذا الذي تعيشه سيرة لحياة تبحث عن أسماء لها. لذلك تحاول أن تستجمع صورها الدالة في مرآة القصيدة لكي تتعرف إليها من جديد وتعرف أي امرأة تكون:

المجنونة التي تأكل رأسي وتتشمس بين كتفي/ المجنونة التي تقضم أظافري كلما صادفتها/ نظرة شبقة، وتلم بيديّ كل أنين غريب/ التي تصرخ كلما غيرت حمالة صدري/القديمة بأخرى جديدة وترقص في المنعطفات بلا وجل/ حين تحممها الموسيقى، والتي عصرت من سنواتي دفئي/ كله وادخرته تحت المعطف الأسود الرخيص لأول موعد.

وتلتقط الشاعرة تفاصيل مختلفة من وقائع الحياة اليومية الدالة التي تعيشها للإيحاء بطبيعة العلاقة الوجودية التي تعيشها على مستويي الزمان والمكان، علاقة تبدو أقرب إلى المتاهة التي تظل تدور فيها وهي تبحث عن أسماء لها.

إن صوت الذات في هذه القصيدة الذي تفتتح به قصائد الديوان هو الصوت المسكون بالخسارة والهامشي والحسرة، حيث تستخدم التكرار الذي يسهم في نمو فضاء القصيدة واستمرار تدفقها الدال والمعبر:

ممتنة للبشر المختالين بأنفسهم، وللروايات الرديئة/ ولحب في غير أوانه ولعمر يركض كأرنب مذعور/ وذبابة الهروب لا تزال تطنّ في رأسي/ ممتنة للشبق في القطارات المزدحمة/ وللجوارب الممزقة/ لوعاء الطبخ الذي احترق/ والفستان الأحمر الذي/ ظل معلقا بحسراتي/ ولم أشتره/ ولبسوا متاهة أسمائه كلها.

حوار مع الذات والوجوه

تقيم الشاعرة حواراتها المتعددة في مجموعة من القصائد مع وجوه كثيرة لشعراء عراقيين وأجانب (سعدي يوسف، فوزي كريم، ريلكه، لوركا..) حيث تستعيد فيها جوانب من سيرة تلك الحيوات التي تقيم حوارها معها، حوار تتداخل فيه المصائر وأقدار الحياة وأقدار الشعر أيضا.

في هذه الحوارات يتقاطع صوت الذات الشعرية في فضاء القصيدة مع أصوات الشعراء الذين تستحضرهم، حيث تستخدم في ذلك تقنية السرد الشعري تاركة للخيال أن يعيد بناء المشهد بدلالاته الموحية:

من حديقتك/ قطفت رمانة غير ناضجة وجلست مع الظهيرة القائظة/ عند دكة الباب الأخضر/ علك تفيق من قيلولتك بعد ساعة أو أكثر/ غارثيا/ يا مدية أبدية في قلب غرناطة/ أيها التائه في أساه.

يتصل خيط التجربة في قصائد الشاعرة جامعا بين أزمنة مختلفة تمتد من الطفولة إلى أزمنة المنفى والمكان الغريب، الأمر الذي يجعل مخيلة الشاعرة أيضا ترحل بين أمكنة متباعدة وصور كثيرة يوحد بينها تيار الشعور المتدفق في لحظة كتابة القصيدة وإعادة استنطاق الذات والتجربة التي عاشتها بكل حسراتها وألمها ومحاولات تمردها وخيباتها الكثيرة. لذلك تبدو المكونات اللغوية للتركيب عندها حافلة بالعبارات الدالة على الفقد والخيبة والحسرة: كي أرمم جنحه المكسور/ لم يكن بيدي الكثير كي أفعله/ علّق نظراته بوجهي/ ومضى.

إعلان الحب

يتقاطع صوت الذات الشعرية في فضاء القصيدة مع أصوات الشعراء الذين تستحضرهم، حيث تستخدم في ذلك تقنية السرد الشعري تاركة للخيال أن يعيد بناء المشهد
الشاعرة تستخدم تقنية السرد الشعري تاركة للخيال أن يعيد بناء المشهد

تعلن الشاعرة الحب بجرأة كبيرة على المحبوب وتتبدى هذه الجرأة في بعدها الحسي الذي يذهب نحو مناطق قلما تجرأت الشاعرات على الاقتراب منها. إن هذا الدخول في أكثر حالات الاتصال الحميم يجعل الجسد المؤنث ينكتب في أكثر حالاته انكشافا واندغاما مع الحالة الحسية المسيطرة.

في هذه العلاقة تتحول القبل إلى إزار تزين جسد الآخر وتعيد رسم صورته كما تشتهي. لكنها في قصيدة أخرى تتوغل في هذه العلاقة الحسية عميقا عندما تستحضر صورة الجسد المتشهي في أكثر حالاته تطلبا في علاقته الحميمة مع الآخر، حيث تحاول الشاعرة في هذه القصيدة أن تتمثل أثر هذه العلاقة على الجسد المؤنث كما تتبدى في أفعاله وحركاته الدالة على الرغبة والإثارة:

سترفع الأيمن/ ويفزع الأيسر حانقا/ يتلمظ شفتيك/ تقرص أصابعك برعميهما / بتلات الدم المحتقنة ستزهر/ وينتصبان مثل بؤبؤين/ لتتبادلا جمر الضراوة/ وكسّفاحين سيبثان القشعريرة/ في أضلعي ودلتاي.

لغة مكثفة جدا

في الجزء الذي حمل الديوان عنوانه، صمتك كثير وظهيرتي لزجة، تتوزع القصيدة على مجموعة من المقاطع الشعرية ذات التكثيف اللغوي الشديد، ما يجعل من هذه المقاطع ومضات شعرية هي في أغلبها منولوجات ذاتية أو منولوج مع الآخر والخيبة والفقد، إضافة إلى اللقطات السريعة التي تلخص حالة تستعيد أثرها:

الربيع يحدث/ في عيني الباكيتين/ دونك لا أحدق/ لا أصدق موتك.

إن هذه المرأة/الشاعرة التي غادرت حكاية عمرها في محطة قطار هي نفسها التي تظل تتعلق بأذيال الحافلات في هذه الأمكنة الغريبة وهي تبحث عن وجهها وسط هذا الزحام والركض اليومي على أرصفة المحطات الغريبة. لكنها وبعين خيالها تعيد ترتيب المشهد ومعه تعيد حكاية عمرها المسكونة بالحنين إلى البعيد، حيث تركت حكاية عمرها معلقة على أبواب مدنه الغارقة في أوجاعها:

هذا الوجه يتعثر بأذيال الحافلات/ وبإصرار عينيك على نهديّ/ شهقة زهور آخر الخريف على أرصفة هانزلو/ تهزّ خمولي بالحنين.

13