اليومي وسؤال الشعرية

الجمعة 2016/01/22

يَذكر الكاتب ميلان كونديرا في روايته “الجهل” أصل كلمة نوستالجيا، ويصل في تأويله الخاص، بأنها الحنين إلى المجهول، الحنين إلى الماضي البعيد.

من ضمن تلك المجاهيل، التفاصيل اليوميّة، وخصوصا المرتبطة بالخسارات، تلك التي نشهدها يوميا، وخصوصا في بلدان الحرب والمنافي كسوريا، ما يجعل تلك التفاصيل تحضر بقوة في المشهد الشعري، ذاك الحنين إلى النمنمات البسيطة المرتبطة بالتجربة الشخصية لكل شاعر، أو شبه شاعر، أو من يظن أنه شاعر.

ففي الداخل السوري، إن الدمار اليومي جعل طبيعة هذه التفاصيل تتغير، لتتحول إلى ملذّات، والحصول عليها يحتاج إلى خوض معارك كبرى أو استحالت إلى هباء، أما في المنافي وفي ظل البيروقراطيات والاختلافات الاجتماعية، فإن ما هو يومي أصبح يعتمد على الذاكرة، أو اكتشاف شعريات جديدة لم تكن مألوفة من قبل.

اللحظة السوريّة بهولها وبتغيراتها، مناف في الخارج وموت في الداخل، جعلت اليومي يختزن الطاقة الشعريّة، والتفاصيل التي لن يُكتب عنها قد تدخل طيّ النسيان، صحيح أن الخيط الدقيق الفاصل بين ما هو شعري وما هو مبتذل غير واضح للكثيرين، لكن هذا لا ينفي حضور بعض الومضات الشعرية، لكن هناك تفاصيل قد لا تعني شيئا إن لم تنتقل من لغة الحنين/ المجهول، المرتبطة بالتجربة الشخصية الصرفة إلى اللغة الشعرية التي تجعلها نصا، لا مجرّد أحاديث يوميّة.

وسائل التواصل الاجتماعي والتدوين عبرها تشكّل البديل عن هذه التجربة (الكتاب أو الصحيفة)، فخاصية التوثيق (النص والصورة) التي تتملكها منصات التواصل الاجتماعي، عملت على تكوين بنيان ومرجعية للذاكرة اليومية يختلط فيها الشعري مع ما هو لا شعري، فقناة الاتصال سمحت للحضور اليومي بأن يُتبادل ويكتسب قيمته من تبادله ومدى انتشاره، لا من كونه يدخل في المكتبة الأدبية ليكون المرجعية في المستقبل، هنا يُطرح سؤال مرتبط بالذاكرة من جهة وبالشعر من جهة أخرى، هل ما نقرأه يوميا من ومضات أو قصـائد وأحيانا مجرّد تعابير لهواة، يمكن له أن يتحوّل إلى مرجعية شعريّة لما هو يومي؟

الإجابة مرتبطة أولا بالوسيط الذي يتمّ عبره النشر وآلية استرجاع ما هو منشور، فالكتاب المطبوع أو الصحيفة تشكل وثيقة أرشيفية تختزن قيمتها التاريخية بسبب خضوعها لشروط إنتاج من جهة ومن كونها قابلة للاستعادة بشكلها كمنتج، فالقيمة المضافة مرتبطة بالإنتاج، وليس دائما بالقيمة الشعريّة، في حين أن وسائل التواصل الاجتماعي قيمتها لحظيّة وآنية، وتفقد قيمتها مع الزمن بوصفها منتجا شخصيا مرتبطا بالتلقي الآني، والعودة إليها لا تحمل قيمة تاريخيّة وثائقيّة، بل أحيانا تستحيل العودة إليها.

اليومي، الذي يغرق في المجهول مع مرور الزمن، يصبح الحنين إليه رحلة ما بين الذاكرة/ الخيال والتهديد بالفقدان، لكنه يختلف في الحالة السوريّة عن الحالة التي ذكرها كونديرا، الحنين ليس إلى المجهول، الحنين إلى زمن يوما بعد يوم نتأكد أنه كان متخيلا، الشعر الذي يحاول الحفاظ على هذا اليومي يُختزن ضمن صفحات إلكترونية وحسابات شخصية، وكأن الوقوف عند قصيدة اليومي وقيمتها أصبح أقل قيمة من تحويلها إلى كتاب، لتغدو مجرّد منشور يُمرّ عليه، يستدعي الذاكرة ثم يختفي، لكن حقيقة، أين يقف الشعر هنا أمام هذه التقنيّة؟

اليومي تحول من جهد شعري لشذرة استهلاكية، وأساس التقييم الشعري الآن، افترض وجود المساحة الجديدة للتعبير بوصفها قد تستبدل هذا اليومي شعريا، لنقف بين حدّين متناقضين أحيانا، ما الذي يليق ليكون شعرا يوميا في ديوان؟ وما الذي يليق ليكون منشورا يوميا اعتياديا بلغة أدبية؟ الحساسية الشعرية تخضع لاختبار، لكون تقنية التواصل الاجتماعي مستخدمة أيضا من قبل شعراء، وهنا يبرز مفهوم الحنين إلى المجهول الذي تحدث عنه كونديرا، هل هو فعلا انفعالات وتأملات للخسارات التي أصبحت منسيّة، أم ملل يومي مرتبط بالمزاج والإلهام؟

المجهول في هذه الحالة هو الشعر، لا معناه.

كاتب من سوريا مقيم في باريس

14