اليوم الأول في عهد الملك سلمان

الثلاثاء 2015/01/27
الملك سلمان حاكم متوج يمتلك شجاعة في إتخاذ القرارات التاريخية

بحكم سكني – داخل المملكة – في الحجاز ثم انتقالي خارج البلاد، لم تسمح لي الفرصة بالاقتراب من الملك سلمان بن عبدالعزيز في مشواره السياسي الطويل، ولم تتح لي أيضا فرصة التعرف على وزير دفاعه الأمير محمد بن سلمان. لكن الملك الجديد له علاقاته الواسعة بالصحافيين وبالمثقفين داخل السعودية وخارجها، لذلك تراكمت الحكايات في ذاكرتي لتشكل انطباعا مبدئيا – قد يفتقر الدقة – عن حاكم المملكة المتوّج.

أولى الحكايات اللافتة عن الملك سلمان؛ اتصاله بكاتب معروف مختلفا مع مقالة كتبها، تناقش أبعاد القبيلة والهوية والمواطنة، لم يتراجع الكاتب عن رأيه بل تمسك به وشرح حيثياته، حينها أعرب الملك سلمان عن احترامه لكاتب المقالة – رغم استمرار الاختلاف في وجهات النظر – لأنه لم يداهن ولم يساير.

للبنان مكانة خاصة جدا في قلب الملك سلمان لذلك كان دائم التردد عليه. تعرض صديقه الكاتب المعروف نبيل خوري لمرض عضال انتهى إلى غيبوبة لا يرجى برؤها، اتجه الملك سلمان من الرياض إلى بيروت ليزور صديقه، فقال له أحد الكتاب اللبنانيين “لماذا تزوره وهو لن يشعر ولن يعرف”، رد عليه الملك سلمان بن عبدالعزيز “وما جدوى الصداقة إذن؟”. وعلى ذكر الأصدقاء لا ينسى الملك سلمان صديقه القديم وطبيبه الخاص، عبدالله الراسي.

في كتابه عن المسيحيين العرب، قال المؤرخ اللبناني الرائد نقولا زيادة أنه كتب مبحثه بطلب من الملك سلمان وأنه أجيز على ذلك.

حين أجرى الناشط السياسي محمد سعيد طيب مقابلة في قناة (الحرة) شارحا رؤيته للإصلاح، هاتفه الملك سلمان مؤيدا، استأذن (الطيب) في نشر تفاصيل المكالمة فقبل الأمير، وكان النشر في صحيفة (مصدر) الإلكترونية. يروي (الطيب) في كتاب (السجين 32) أن الملك سلمان حاول إنهاء مشكلة المعتقلين السياسيين في المملكة إبان عهد الملك فيصل لكن جهوده لم تنجح.

بانتظار أن يدعم الأمير محمد بن سلمان حضور الشباب في الدولة وفي صناعة القرار وأن تكون ثقة والده رمزا ممنهجا لذلك

كانت محطة “ال بي سي” الفضائية تتلقى بين حين وآخر رسائل من أمير الرياض يعلق من خلالها على مضامين نشرات الأخبار وبعض البرامج، وقد قرأت بنفسي – بحكم العمل – إحدى رسائله المطولة. هذا التصرف ليس مستغربا من الملك سلمان، فهو حريص على البقاء متصلا مع مصادر الخبر، والمتابع للصحافة العربية يتذكر مقالات الملك سلمان التي خطها تفاعلا مع كتابات آخرين، كرده على صالح الشيحي وبصيرة الداود ورده على الشاعرة سعاد الصباح ومداخلته الهاتفية مع قناة (المستقلة). وتتواتر القصص عن تواصله الدائم بالكتاب لتصحيح معلومة أو إبداء رأي أو تقديم الدعم والنصيحة.

يمتاز الملك سلمان بشخصية جدية غالبا، عانى من التأتأة في صغره، فنصحه الأطباء بأن يواظب على هوايته؛ القراءات المطولة في التاريخ وفي الأنساب لكن بصوت مرتفع، فعزز ذلك مداركه وعالج مشكلته في نفس الوقت، والملاحظ – إلى اليوم – أن الملك سلمان يتحدث – أحيانا – بسرعة هادرة، لذا وجب على المستمع أن يركز جيدا. ومن قصصه مع الكتب إعجابه البالغ بمذكرات إبراهيم الحسون التي صدرت في ثلاثة مجلدات وقدمها عبدالعزيز الخويطر، وإعجابه – مؤخرا – بذكريات الأمير محمد الفيصل والوزير عبدالله بلخير التي سجلها خالد باطرفي.

للملك سلمان شجاعته المشهودة في اتخاذ القرار، ومع ذلك لا يدفعه الإقدام إلى تجاوز صلاحياته، ومن أمثلة ذلك قيام بعض السيدات برفع عريضة له تطالب بمعالجة بعض أوضاع المرأة السعودية، ولأنه كان أميرا للرياض حينها، قال لصاحبات العريضة: “هذا الموضوع ليس في صلاحيتي، اتجهوا للملك ولولي العهد”. والآن بعد أن أصبح ملكا يجب أن نترقب جسارة في اقتحام الملفات الساخنة وأن ننتظر صاحب قرار يتخذ ما تمليه عليه قناعته من دون اعتبار معيق لردود الفعل.

هناك شبه ملفت بين شخصية الملك سلمان وبين سلفه الملك عبدالله؛ تشكل المشاعر دفعة واحدة مع فرصة يتيمة، فإذا أخذ الملك سلمان موقفا سلبيا من طرف، فهناك فرصة واحدة لذلك الطرف من أجل تحسين موقفه


الملك على خطى سلفه


يتشابه الملك سلمان مع سلفه في ثلاث سمات: الأولى، الصرامة في وجه المشروع الإيراني في المنطقة وما يمثله، وبإمكان المهتم مراجعة الاتصال المنشور بالشيخ يوسف القرضاوي بعد تغيير موقفه من “حزب الله”، موافقا علماء السعودية، وسنشهد صرامة مماثلة ضد التيارات المتاجرة بالدين بسبب تدين الملك سلمان وولعه بالاستقرار. الثانية، الحرص على وحدة الصف الخليجي، فهندسة الملفات العائلية بين الأسر الحاكمة في الخليج حمل الملك سلمان مسؤوليتها حقبة من الزمن، ومن أدلة ذلك توليه ملف الشطط القطري في عهد الشيخ حمد، ووساطته في أزمة الخلافة الكويتية بعد وفاة الشيخ جابر الأحمد الصباح. أما الثالثة، فهي الموقف السلبي من إسرائيل، وقد تم تكليف الملك سلمان – من قِبل بعض الملوك السابقين – بالإشراف على الملف الفلسطيني.

هناك شبه ملفت بين شخصية الملك سلمان وبين سلفه الملك عبدالله؛ تشكل المشاعر دفعة واحدة مع فرصة يتيمة، فإذا أخذ الملك سلمان موقفا سلبيا من طرف، فهناك فرصة واحدة لذلك الطرف من أجل تحسين موقفه، فإذا لم يقتنصها خسر ثقة الملك سلمان نهائيا. أما لو أخذ الملك سلمان موقفا إيجابيا من طرف آخر وأثبت الجدارة فلن يخذله الملك سلمان أبدا. ولعلنا نضرب المثل بالملك عبدالله في مواقفه من نوري المالكي في العراق ومن بشار الأسد في سوريا، حيث تعامل عبدالله بإيجابية مع نوري وبشار، وحين خذلاه منحهما فرصا محدودة لم يستثمراها فألغتهما المملكة.

السياسة الخارجية للسعودية لا تتغير – عادة – بتغير الملوك، خصوصا في بعدها الاستراتيجي، لذلك فالتخرصات التي تتحدث عن تخلي الملك سلمان عن مصر وتباعده عن الإمارات مرجعها الوهم، لكن تنفيذ السياسة سيصطبغ بشخصية الملك الجديد. وعلى صعيد السياسة الداخلية، فالمتوقع أن تميل البلاد إلى الحرص والمحافظة والنشاط الأمني مع تركيز أكبر على تحسين الخدمات والأنظمة.

الأمير مقرن بن عبدالعزيز: لو تحقق عشر ما في ذهن الملك عبدالله لأصبحت السعودية دولة عظمى

فور توليه الحكم، أصدر الملك سلمان عدة قرارات: تنفيذ قرار الملك عبدالله في تعيين الأمير مقرن وليا للعهد، ترجمة رغبة عبدالله في انتقال الحكم إلى أحفاد الملك عبدالعزيز بانتخاب الأمير محمد بن نايف وليا لولي العهد عبر هيئة البيعة، إعفاء رئيس الديوان الملكي الشيخ خالد التويجري من منصبه، ترقية حمد السويلم في ديوان ولي العهد من موقع الرجل الثاني إلى رئاسة الديوان، ثم تعيين الأمير محمد بن سلمان وزيرا للدفاع ووزير دولة ورئيسا للديوان الملكي.

الملاحظ في هذه القرارات؛ السرعة الحاسمة في اتخاذها، فالقرارات أعلنت قبل دفن الملك الراحل، ما تم تفسيره طمأنة للسعوديين باستقرار دولتهم ورسالة للعالم بمتانة الحكم. هذه السرعة يجب أن تكون موضع درس، فالملك عبدالله عين رئيس ديوانه خالد التويجري في 10 أكتوبر 2005، أي بعد خمسة أشهر من توليه الحكم. بعد وفاة الأمير سلطان في 22 أكتوبر 2011 عين الملك عبدالله الأمير نايف وليا للعهد في 28 أكتوبر، أي بعد وصول جثمان الأمير من الخارج واجتماع هيئة البيعة وانقضاء أيام العزاء. توفي الأمير نايف في 16 يونيو 2012 وأسرع الملك عبدالله بتعيين الأمير سلمان وليا للعهد بعد يومين من الوفاة، ثم عين عبدالله في العام الأخير من حكمه الأمير مقرن وليا لولي العهد (عين الملك فهد الأمير سلطان نائبا ثانيا لرئيس مجلس الوزراء بعد أيام العزاء في الملك خالد). إذن فالملك سلمان، اتخذ في ساعات قرارات اتخذها أسلافه في أيام وأشهر وسنوات، وهي زاوية ملفتة.


ملفات متشعبة


أما في ما يتعلق بمضمون القرارات، فنلاحظ أن الأمير مقرن تسلم ولاية العهد ومنصب النائب الأول لرئيس الوزراء من دون حقيبة وزارية سيادية – وفق العرف السائد – ليجتمع في الحال مع الملك خالد يوم كان وليا للعهد مع فارق اعتلال الصحة عند الملك خالد. إننا أمام حالة لا تقارن بالملك فهد يوم كان وليا للعهد لأنه مفوض من الملك بإدارة شؤون الدولة، كما لا يمكن مقارنتها بالملك سعود لأنه جمع ولاية العهد مع رئاسة الوزراء.

رئاسة ديوان ولي العهد ذهبت زمن الأمير نايف إلى ابنه الأمير سعود وآلت زمن الملك سلمان إلى ابنه الأمير محمد، حتى بدا بأن ذلك سيتكرس عرفا، لكن الملك عين حمد السويلم (نائب الأمير محمد في ديوان ولي العهد) رئيسا لديوان الأمير مقرن.

الأمير مقرن بن عبدالعزيز، له تجربة إدارية ناجحة في إمارة حائل ثم إمارة المدينة، من تجلياتها السمعة العطرة التي تركها في المنطقتين. تولى رئاسة المخابرات في عهد الملك عبدالله ليشارك في ملف الأمن وتشعبات السياسة الخارجية، كان أول رئيس للمخابرات يصنع علاقة انفتاح بين المجتمع وبين جهازه إضافة إلى التحديث التقني، بعدها تعيّن مبعوثا خاصا للملك ثم وليا لولي العهد. تتميز شخصيته بالتواضع وطيبة القلب وسعة الاطلاع ودقة المواعيد والانضباط، متابع لعلم الإدارة وتطوراته الإلكترونية، يحب أن يحاط بالخبراء والمختصين، يعشق الزراعة وعلم الفلك عن معرفة وممارسة. له تصريحات مهمة، منها “البنوك السعودية تأخذ أكثر مما تعطي”، مما يشير إلى اهتمامه بالبسطاء وبالفقراء وبالهموم اليومية للمواطن العادي، ومن تصريحاته أيضا “لو تحقق عشر ما في ذهن الملك عبدالله لأصبحت السعودية دولة عظمى”، ممّا يدل على تشربه التام وولائه المطلق للمشروع الإصلاحي للعاهل الراحل.

زعماء الدول العظمى توافدوا على الرياض للتعزية برحيل الملك عبدالله بن عبدالعزيز

تولّي الأمير محمد بن نايف، بطل الحرب على الإرهاب، منصب ولي ولي العهد لا غبار عليه، فهو يتميز بدماثة الخلق وحسن الاستماع مع الجدّ والكفاءة في العمل. الخبرة التي اكتسبها من خلال دراسته وعمله أهّلته ليصبح رجل دولة، شعبيته عريضة داخل الأسرة الحاكمة، علاقاته الدولية واضحة خصوصا مع العواصم الكبرى في العالم.

عين الملك سلمان ابنه الأمير محمد مستشارا خاصا له ورئيسا للديوان الملكي ووزيرا للدفاع، وهي سابقة سعودية ربما تكون – أيضا – عربية ودولية وتاريخية في إسناد مسؤولية رئاسة الديوان ووزارة الدفاع لشخص واحد. المكانة التي يحملها الأمير محمد في قلب والده معروفة، فهو ظل والده الذي ينفذ التوجيهات ويتعلم الخبرة، تلك العلاقة الملتحمة بين الابن والأب – التي ربما جعلت منصب "نائب وزير الدفاع" مقعدا ساخنا لم يتحمل في فترة وجيزة الأمير خالد بن سلطان والأمير فهد بن عبدالله بن محمد والملك سلمان بن سلطان والأمير خالد بن بندر، الذي أصبح رئيسا للمخابرات – تتضح من الوظائف التي شغلها الأمير محمد في المواقع التي يوليها الملك سلمان أهمية خاصة كعضوية لجنة تطوير الدرعية والرئاسة التنفيذية لجمعية سلمان للإسكان الخيري ومستشارا خاصا لوالده في دارة الملك عبدالعزيز وفي إمارة الرياض. وحين أصبح الملك سلمان وليا للعهد تولى ابنه الأمير محمد الإشراف على مكتبه الخاص ثم الإشراف على مكتبه في وزارة الدفاع، وتعين رئيسا لديوان ولي العهد ومستشارا خاصا لوالده. عين الملك عبدالله الأمير محمد بن سلمان وزير دولة وعضوا في مجلس الوزراء، وما لفت النظر في العهد الجديد، أن قرار تعيين الأمير محمد رئيسا لديوان الملكي أكد على استمراره وزير دولة وعضوا في مجلس الوزراء، مع أن تعيينه وزيرا للدفاع يعني حكما عضويته في المجلس، إضافة إلى أن لقب “وزير دولة” لا يعطى إلا لوزير بلا حقيبة.

المعلومات المتوفرة عن شخصية الأمير محمد بن سلمان شحيحة، باسثناء دراسته للقانون التي توجت بعمله مستشارا في هيئة الخبراء التابعة لمجلس الوزراء، إضافة إلى نشاطه الخيري واهتمامه بالصيد وبالغطس. ينسب إليه الفضل في الموافقة على دعوة الصحف الإلكترونية – لأول مرة وفق الشائع – لمرافقة والده حين كان وليا للعهد في زياراته الخارجية. المأمول أن يدعم الأمير محمد حضور الشباب في الدولة وفي صناعة القرار وأن تكون ثقة والده رمزا ممنهجا لذلك.

البصمة الإدارية للملك سلمان في المرحلة المقبلة متأثرة بعاملين: العامل الأول مهني خالص يكمن في مكوثه عقودا كأمير للرياض، العامل الثاني إنساني صرف نقش رواسبه الدامعة في شخصية الملك

لو راقب الملك مواقع التواصل الاجتماعي بعد وفاة عبدالله بن عبدالعزيز، لوجد المغرد عاصم صالح يقول إنّ عهد الملك عبدالله امتاز بالتشخيص الدقيق وبدايات العلاج، والمنتظر أن يضع الملك الجديد كل ثقله لإتمام التداوي والبناء للغد. من جهته كتب الأديب عبدالله ثابت “أبلغ تقدير للملك عبدالله هو مواصلة مشروع الإصلاح في التعليم والقضاء والتنمية والحريات والحقوق ومواجهة التطرف”. وعن نفسي قلت “أبايع القيادة الجديدة على منهج الملك عبدالله ومشروعه الإصلاحي”.

البصمة الإدارية للملك سلمان في المرحلة المقبلة متأثرة بعاملين، العامل الأول مهني خالص، يكمن في مكوثه عقودا كأمير للرياض، اشتهر في تلك المرحلة بالحزم وبقوة الشخصية وبدقة المواعيد وبالعمل لساعات طوال، إضافة إلى إنجازاته المشهودة في القفزات العمرانية والخدماتية. كتب الملك سلمان في مجلة (التضامن) التي يملكها الصحافي اللبناني فؤاد مطر عام 1986 مقالة قال فيها (بتصرف) “بالنسبة إليّ فإن الرياض هي الوطن، التاريخ، الماضي، الحاضر، العمل، المستقبل، الأمل. عندما أكون خارج الرياض فأنا أعيش معها ولها. وعندما أغيب عنها أظل أتخيل كل شؤونها، فهي الرياض مدينتي وعاصمة المملكة الحبيبة”، واختتم حروفه بنصه “كل قرية ومدينة في بلادي عزيزة وغالية ولها في نفسي أسمى موقع وأرفع مكانة”. العامل الثاني إنساني صرف نقش رواسبه الدامعة في شخصية الملك رغم الصبر والإيمان، فهذا الرجل فقد أغلى أحبابه، ابنيه فهد وأحمد وهما في أوج الشباب، كما أنه لازم شقيقه الأمير سلطان في رحلة مرضه القاسية والمؤلمة إلى أن وافته المنية، وفجع – فجأة – بوفاة شقيقه الأمير نايف بلا مقدمات. تخيل أن الموت يطوف حولك مختطفا جواهر روحك، ينكزك في الكتف محلقا إلى مستوى رأسك، يرمقك بابتسامة صفراء ثم يختفي.


صحافي سعودي

7