اليوم العالمي للمرأة.. مرارة للنساء العربيات في مجتمعات ذكورية

يعتبر اليوم العالمي للمرأة، الموافق لـ08 مارس من كل عام، مناسبة لمناقشة أوضاع النساء في العالم لا سيما الدول العربية. ومنذ سبعينات القرن العشرين، تاريخ إقرار منظمة الأمم المتحدة لهذا التاريخ كعيد للمرأة، دأبت أغلب الدول العربية على الاحتفال به كل على طريقته، غير أن الوضع الراهن في العديد منها ضاعف التساؤلات حول وجاهة الاحتفال بهذا اليوم كعيد في الوقت الذي تواجه فيه النساء في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها الحرب. فتجد الكثيرات منهن أنفسهن محاصرات بالخوف وأهوال الحرب والدمار وفقدان العائلة واللجوء إلى الدول الأوروبية أو دول الجوار في قوارب الموت، ومعرضات للاضطهاد والظلم من العصابات الإرهابية التي تخطفهن وتغتصبهن وتسبيهن وتقتلهن. لسان حال هؤلاء النسوة يقول عيد بأيّ حال عدت يا عيد؟
الأحد 2016/03/06
أي عيد للمرأة العربية تحت وطأة الإرهاب والحروب والتشدد الديني

لندن - ترى نخبة من المثقفين والحقوقيين، خاصة في المجتمعات الغربية المتقدمة، أن مجرد الإقرار بهذا اليوم كعيد للمرأة أو الاحتفال به يضمر بإثارته لمسألة النسوية وحقوق النساء اعترافا بالتفريق بين الجنسين وبالتمييز ضدّ المرأة وهو تعبير بشكل مغاير على تبنّي مقولة دونية المرأة مقارنة بالرجل، كما يعتبرونه إقرارا ضمنيا بأن المرأة أقلّ مكانة في الوعي الجماعي من الرجال لذلك تحتاج إلى مناسبة كهذه تثار فيها قضاياها وتلفت الأنظار لمكانتها ويُدافع من خلالها على حقوقه وهؤلاء يمثلون الفئة التي تتبنى فكرا يرتكز على مبدأ أن المرأة متساوية مع الرجال لذلك فإنه لا حاجة لهذا اليوم ولا للاحتفال به من منظورهم.

هناك في الدول العربية من يشاركهم الرأي في عدم الاحتفال ولا الإقرار بيوم عالمي للمرأة لكن البون شاسع بين الطرفين فيما يخص الأسباب لأن الفئة الأولى تقول بأن مسألة تساوي المرأة بالرجل من المسلمات لذلك لا فائدة من تمييز النساء بيوم خاص بهن، في حين ترى بعض الحلقات المحافظة في المجتمعات العربية والمسلمة بأن هذا العيد العالمي لا معنى له لأن المرأة لا تستحق.

فهي بنظرهم حرمة وعورة وجب سترها وهي ناقصة عقل وهي لا يجب ولا يمكن أن تطالب بالمساواة ولا أن تتساوى واقعيا مع الرجل، وحجّتهم في ذلك أن الله خلق فوارق طبيعية وفيزيولوجية بين الجنسين تحول دون مساواتهما ببعض وأن الشّريعة الإسلامية تفرض على المرأة طاعة الرجل وخدمته بما أنه الوصي عنها والمكلف برعايتها وحمايتها لأنها كائن ضعيف.

ولا تقف هذه النظرة الضيقة والدونية للمرأة ولمكانتها في الشريعة الإسلامية عند بعض المتشددين والمحافظين الذين يأخذون من الدين الاسلامي ما يخدم غطرسة وذكورية الرجل بل يتجاوزه إلى التيارات الدينية السلفية والمتشددة التي تكاثرت داخل المجتمعات العربية وخارجها وبرزت على ساحة الأحداث السياسية والاجتماعية والدولية وسجلت حضورها بقوة في السنوات الأخيرة، والتي تمكنت بدورها من نشر الفكر الذي يزدري المرأة لدى فئات واسعة من الشباب ذكورا وإناثا.

أي معنى للاحتفال بيوم المرأة والآلاف من النساء العربيات يعشن أوضاعا مخيفة ومحزنة ومأساوية تزداد سوءا يوما عن يوم منذ ما يقارب الخمس سنوات
هذا الفكر الذي تأثر بقراءتهم للدين الإسلامي وبتفسيراتهم لمقاصد الشريعة فيما يخص المرأة ومكانتها في المجتمع لتصبح الأخيرة مهدّدة في أبسط حقوقها ومكاسبها التي يرجع بعضها لعقود في عدد من المجتمعات التي ينتشر فيها التطرف الديني بشكل متصاعد زمنيا وكميا.

واليوم أصبحت بعض الدول العربية، التي يسيطر فيها الإسلام السياسي وتلعب فيها الأحزاب الإسلامية أدوارا مهمة في مجال تسيير الشأن العام وفي الفضاءين السياسي والاجتماعي، تشهد حالة من الغليان ومن الاضطرابات والأخذ والرد وتتصاعد النقاشات والمطالب بإرجاع المرأة إلى الخلف والتراجع عمّا حققته من مكاسب وحقوق.

وهو ما عاشته بعض دول الثورات العربية مثل تونس ومصر حيث وجدت النساء أنفسهن في وضع الذود عن المكتسبات والحقوق المضمّنة في النصوص القانونية والتشريعات واضطررن لتوجيه جهودهن نحو الدفاع عن الموجود والتريّث في طلب المنشود أي المطالبة بمزيد من الحقوق وبالمساواة في العمل مثلا وفي المشاركة السياسية وغيرها.
كما أن هناك من الدول الإسلامية من ترفض حتى اليوم الإقرار أو الاعتراف بيوم 08 مارس يوما عالميا للمرأة مثل الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي استبدلته بيوم ولادة فاطمة الزهراء واعتبرته يوم المرأة العالمي، وهي تدفع بهذا الاتجاه وترمي لنشره في الدول الإسلامية.
وهناك بعض الأحزاب والمؤسسات المدعومة من إيران في العراق ولبنان واليمن من اعترفت وعملت بهذا اليوم واستبدلته بيوم المرأة العالمي في الثامن من مارس، وهو أيضا ما تحاول فعله وتحقيقه بعض الأحزاب الإسلامية الحاكمة المدعومة والمتأثرة بالتوجه الإيراني بتغيير هذا الموعد العالمي إلى نفس موعد عيد المرأة الإيراني.
السؤال الذي تطرحه النساء العربيات اليوم في الدول التي شهدت ثورات الربيع العربي وفي الدول التي ترزح اليوم تحت الحرب بين القوى الدولية والقوى الوطنية والعصابات الإرهابية الإجرامية، هو أيّ معنى لعيد المرأة في وضع مازالت المرأة العربية تدافع فيه عن مكانتها في المجتمع وتحاول القطع مع النظرة الذكورية الدونية لها

والسؤال الذي تطرحه النساء العربيات اليوم في الدول التي شهدت ثورات الربيع العربي وفي الدول التي ترزح اليوم تحت الحرب بين القوى الدولية والقوى الوطنية والعصابات الإرهابية الإجرامية، هو أيّ معنى لعيد المرأة في وضع مازالت المرأة العربية تدافع فيه عن مكانتها في المجتمع وتحاول القطع مع النظرة الذكورية الدونية لها؟ وأيّ معنى للاحتفال بيوم المرأة والآلاف من النساء العربيات يعشن أوضاعا مخيفة ومحزنة ومأساوية تزداد سوءا يوما عن يوم منذ ما يقارب الخمس سنوات؟ وأيّ عيد للمرأة العربية وهي ثكلى أو أرملة أو يتيمة أو مشردة أو لاجئة أو سجينة أو مخطوفة أو مغتصبة بسبب الحروب والتهجير؟

هذه الأسئلة تترتب عنها استفهامات أكثر خطورة يبدو مجرد طرحها مخيفا ومؤسفا، فأيّ مستقبل ينتظر جيلا من الفتيات العربيات يعشن اليوم في مخيمات اللجوء وفي العراء ويحرمن من مواصلة تعليمهن ومن العيش بسلام وأمان؟

الوضع الراهن للآلاف من الفتيات العربيات اليوم اللاتي يتعرضن للتجهيل والتهجير والتنكيل والظلم بشتى ألوانه لا ينبئ بغد وردي لا للنساء العربيات ولا لأجيال المستقبل ومجتمعات المستقبل التي ستبنيها فتاة اليوم بعد أن تتزوج وتنجب جيل المستقبل وتسهر على تربيته وتكوينه لكن دون مؤهلات علمية ولا نفسية ولا ثقافية لتضمن سلامة نسلها.

من جهة أخرى الوضع الراهن في العالم العربي والذي بات رهين أجندات الإرهاب والتشدد الديني، يؤكد أنه حتى المرأة والفتاة في الدول التي لا تعيش حروبا وتهجيرا يمكن أن يرجعها انتشار الإسلام السياسي وتسرب الفكر السلفي المتشدد عقودا إلى الوراء لأن مفعول هذا الفكر بدأ يبرز من خلال تأثيراته على المجتمعات المسلمة وعلى العائلات العربية التي تعيش تغيرات وتحولات في تعاملها مع بناتها، حيث يتفاقم تحجيب الفتيات وترتفع نسب تزويجهن في سن صغيرة ويتزايد الرفض نحو عمل المرأة وخروجها من البيت ونحو تحريرها من الوصاية الأبوية.

ومما لا شك فيه أن هذا الفكر إن لم يتم إيقاف امتداده سيزداد وضع المرأة العربية والمسلمة سوءا.
هناك من الدول الإسلامية من ترفض حتى اليوم الإقرار أو الاعتراف بيوم 08 مارس يوما عالميا للمرأة مثل الجمهورية الإسلامية الإيرانية

ورغم ما يبدو عليه وضع المرأة في بعض الدول، مثل دول الخليج العربي التي تحاول السير نحو الارتقاء بالمرأة مثل مملكة البحرين والإمارات العربية المتحدة وكذلك المملكة العربية السعودية، إلا أن الإنجازات المحققة تعد على الأصابع في ظل غياب الوعي المجتمعي بأهمية تحسين أوضاع النساء وفي غياب تطور للثقافة العربية المسلمة المحافظة وتبدد العقلية التي تؤمن بأقلية ودونية النساء إيمانا تاما.

ولعل واقع المرأة السعودية يقدم صورة واضحة لهذا التجاذب بين واقع المرأة والنزوع نحو النهوض بها فرغم ما حققته السعوديات من إنجازات جديدة في مجال المشاركة في الانتخابات في المواقع السياسية ورغم ما حقته الكثيرات منهن من نجاحات في عالم الأعمال والاستثمار إلا أن عقلية وتكوين السعوديين مازالا يرفضان أن يمنح النساء الحق في السياقة ومازال رجال الدين المتشددون وبعض المحافظين يدافعون على أن المرأة لا يجب أن تتخطى حدود البيت ورعاية الزوج والأبناء.

بل إن بداية هذا الشهر الذي تحتفل فيه المرأة السعودية بعيدها شهدت إحدى الجامعات ندوة أكاديمية بعنوان “هل المرأة إنسان؟” وهو إعلان عودة المرأة إلى ما تحت الصفر وصادر عن منبر تعليمي من المفترض أن ينير عقل الشباب ويبث فيهم الوعي بقيمة المرأة لا أن يثير سخط المثقفين منهم على مواقع التواصل الاجتماعي بتساؤله عن إنسانيتها من عدمها.
20