اليوم العالمي للمسرح: الشارع العربي أحيا أصوات الكرنفال

الثلاثاء 2014/03/25
جان كوكتو أول من ألقى كلمة في اليوم العالمي للمسرح سنة 1962

المخرج والممثل الفرنسي جان كوكتو كان أول من ألقى كلمة في اليوم العالمي للمسرح في احتفاليته الأولى عام 1962، توالت بعده أسماء مهمة في عالم المسرح، آرثر ميلير، بيتر بروك، أريان منوشكين وداريو فو.

في الذكرى الثانية والخمسين ليوم المسرح العالمي الذي يتزامن كل عام والسابع والعشرين من شهر مارس، الكاتب الجنوب الأفريقي بريت بيلي سيلقي هذه الكلمة مفتتحا بقوله «أينما وجدت جماعة بشرية، فلسوف تتبدّى روح “العرض” الجامحة».

المسرح ظاهرة غريبة عن العرب، بالرغم من المحاولات الكثيرة لتأصيل هذه الظاهرة إلا أنها لا تنتمي بصورة حقيقية إلى الثقافة العربية، العرب والمقصود بهم سكان الجزيرة لم يعرفوا المسرح، بل مارسوا طقوسا وظواهر قريبة من المسرح تحاكي بعض خصائصه بالرغم من محاولات التأصيل التي قام بها سعدالله ونوس وعلي عقلة عرسان وغيرهما.. إلا أن أدونيس لفت النظر إلى تناقض جوهري، الإنسان ليس مركز الكون في الثقافة العربية، الله هو مركزها، ولا يمكن أن يزدهر مسرح دون أن يكون فيه الإنسان أساسا.

مناطق بلاد الشام ومصر عرفت ظواهر مسرحية ومقاربات يمكن اعتبارها مسرحا، لكنها تعود إلى حضارات تسبق الحضارة العربية، فوجود مدرج “بصرى” بجنوب سوريا أثناء فترة الحكم الروماني، وبعض الطقوس الاحتفالية لدى الفراعنة كلها دلائل على وجود ثقافة مسرحية، المسرح في المنطقة بصيغته المعروفة “جمهور، مكان عرض، نص” عُرف على يد مارون النقاش في القرن التاسع عشر، لمعت بعده أسماء في العالم العربي حاولت تقديم هذا الفن بصورة تتناسب مع طبيعة المتغيرات التي تحكم المنطقة العربية، بصورة تلائم النسق الثقافي السائد والطبيعة السياسية والاجتماعية.

يقول المسرحي الفرنسي أرتونان أرتو أن المسرح: “كالطاعون على شاكلة هذه المذبحة، هذا الانفصام الجوهري، إنه يطلق الصراعات، ويخلص القوى من أسرها، ويفجر الطاقات والإمكانيات، وإذا كانت هذه القوى سوداء، فليس هذا خطأ الطاعون أو المسرح، وإنما خطأ الحياة”، ينسحب هذا الكلام على الربيع العربي، وطقوس الاحتجاجات الجماعية (المظاهرات).

هي تجارب مسرحية جديدة، أعادت الجذور الكرنفالية للمسرح، الهتافات الموحّدة والاجتماع في أماكن محددة وصيغة المشاركين/المتفرجين هي ظواهر مسرحية بحد ذاتها، تتميز بأنها تفتح المجال أمام الجميع للمشاركة، المشاركة بكسر التابو ورقابة السلطة، تختلف عن الكرنفال بأن الأخير يقام تحت الرقابة.

الجمهور هم المؤدون، نشوة عارمة تقارب نشوة الممثل المسرحي تصيب الجميع، فهم الفاعل والمفعول به

لكن الاحتجاج هو تحدّ لما هو قائم من نظم سياسية واجتماعية، وتقديم رؤية جديدة للكون قائمة على المبالغة والغروتوسك، حيث الجميع متساوون -ما يثير الانتباه أن هناك احتجاجات جمعت أناسا من مختلف الأعراق والطوائف والتيارات تحت هتاف واحد-، لحظة الهتاف في حد ذاتها هي دعوة للمساواة، دعوة للتمرّد، وبعضها يحمل إشارات طقسية “الأعلام والرايات”.

الجمهور هم المؤدون، نشوة عارمة تقارب نشوة الممثل المسرحي تصيب الجميع، فهم الفاعل والمفعول به، هم المؤدي والمتفرج وصانع الحدث ومحركه. خاصية أخرى تبرز هي القناع، مفتاح الحرية، القناع لا يُخفي بل يَكشف، طاقة سحرية يمتلكها تتحرر لدى من يرتديه، ليعبر فيها بجسده وصوته حتى الأقصى.

المسرح في زمن الربيع العربي تحوّل إلى أسلوب للعلاج (سايكو-دراما وسوسيو-دراما) بفعل المشاهدة والمشاركة الحية، اقترب المؤدون من الجمهور وخاطبوهم بلغتهم، هاملت لشيكسبير أُديت في مخيم الزعتري على يد أطفال مهجرين، الأخوان ملص (سوريا) أدّيا مسرحية في السجن أثناء اعتقالهما، أمل عمران درّبت الأطفال السوريين لتقديم مسرحية بعنوان “أثر الفراشة”، المسرح أداة للعلاج، ترياق لتطهير المشاهد من معاناته عبر تحريره منها. المكان البديل أصبح هو الأقرب للواقع، الجميع خرج من العلبة الإيطالية، الممثل لم يعد يعتلي الخشبة -الركح- بل أصبح جزءا من الجمهور ومتفاعلا معه، طاقة سحرية لا بدّ أن تحكم الأداء المسرحي.

يقول أرتو: “الذي يذهب إلى المسرح ينبغي أن يعرف أنه مقبل على عملية حقيقية، يشترك فيها بروحه وجسده، كأنها عملية جراحية، وينبغي ألا ينصرف كما جاء”.

16