اليوم العالمي للمسرح: تقليد أحياه المسرحيون

الأحد 2014/03/16
عرض مسرحي قدمه المخرج الجنوب أفريقي بريت بيلي

المخرج والممثل الفرنسي “جان كوكتو” كان أول من ألقى كلمة في اليوم العالمي للمسرح في احتفاليته الأولى عام 1962، توالت بعده أسماء مهمة في عالم المسرح، “آرثر ميلير”، “بيتر بروك”، “أريان منوشكين”، “داريو فو”. اليوم في الذكرى الثانية والخمسين ليوم المسرح العالمي، الكاتب “بريت بيلي” (جنوب أفريقيا) سيلقي هذه الكلمة مفتتحا بقوله: «أينما وجدت جماعة بشرية، فلسوف تتبدّى روح “العرض” الجامحة».


هل المسرح عربي


المسرح ظاهرة غريبة عن العرب، بالرغم من المحاولات الكثيرة لتأصيل هذه الظاهرة إلا أنها لا تنتمي بصورة حقيقية للثقافة العربية، العرب والمقصود بهم سكان الجزيرة لم يعرفوا المسرح، بل لهم طقوس وظواهر قريبة من المسرح تحاكي بعض خصائصه بالرغم من محاولات التأصيل التي قام بها سعدالله ونوس وعلي عقلة عرسان وغيرهم.. إلا أن أدونيس لفت النظر إلى تناقض جوهري، الإنسان ليس مركز الكون في الثقافة العربية، الله هو مركزها، ولا يمكن أن يزدهر مسرح يكون الإنسان ليس أساسه.

مناطق بلاد الشام ومصر عرفت ظواهر مسرحية ومقاربات يمكن اعتبارها مسرحا، لكنها تعود إلى حضارات تسبق الحضارة العربية، فوجود مدرج “بصرى” جنوب سوريا أثناء فترة الحكم الروماني، وبعض الطقوس الاحتفالية لدى الفراعنة كلها دلائل على وجود ثقافة مسرحية، المسرح في المنطقة بصيغته المعروفة “جمهور- مكان عرض- نص” عُرف على يد مارون النقاش في القرن التاسع عشر، لمعت بعدها أسماء في العالم العربي حاولت تقديم هذا الفن بصورة تتناسب مع طبيعة المتغيرات التي تحكم المنطقة العربية بصورة تلائم النسق الثقافي السائد والطبيعة السياسية والاجتماعية.


المسرح والتمرد


يقول المسرحي الفرنسي “أرتونان أرتو” إن المسرح “كالطاعون على شاكلة هذه المذبحة، هذا الانفصام الجوهري، إنه يطلق الصراعات، ويخلص القوى من أسرها، ويفجر الطاقات والإمكانيات، وإذا كانت هذه القوى سوداء، فليس هذا خطأ الطاعون أو المسرح، وإنما خطأ الحياة”.

خصوصياتنا مخترقة بالوكالات السرية والاستخبارات، وكلماتنا تتم مراقبتها بواسطة حكومات متعسفة

ينسحب هذا الكلام على الربيع العربي، وطقوس الاحتجاجات الجماعية (المظاهرات)، هي تجارب مسرحية جديدة ، أعادت الجذور الكرنفالية إلى المسرح، الهتافات الموحّدة والاجتماع في أماكن محدّدة وصيغة المشاركين- المتفرجين هي ظواهر مسرحية في حدّ ذاتها، تتميّز بأنها تفتح المجال أمام الجميع للمشاركة؛ المشاركة بكسر “التابو” ورقابة السلطة، تختلف عن الكرنفال بأن هذا الأخير يقام تحت الرقابة لكن الاحتجاج هو تحدّ لما هو قائم من نظم سياسية واجتماعية، وتقديم رؤية جديدة للكون قائمة على المبالغة والغروتوسك، حيث الجميع متساوون -ما يثير الانتباه أن هناك احتجاجات جمعت أناسا من مختلف الأعراق والطوائف والتيارات تحت هتاف واحد-، لحظة الهتاف في حدّ ذاتها هي دعوة للمساواة، دعوة للتمرّد، وبعضها يحمل إشارات طقسية “الأعلام والرايات”.

الجمهور هم المؤدّون، نشوة عارمة تقارب نشوة الممثل المسرحي تصيب الجميع، فهم الفاعل والمفعول به، هم المؤدّي والمتفرج وصانع الحدث ومحركه. خاصية أخرى تبرز هي القناع، مفتاح الحرية، القناع لا يُخفي بل يَكشف، طاقة سحرية يمتلكها تتحرّر لدى من يرتديه، ليعبّر فيها بجسده وصوته حتى الأقصى.

المسرح في زمن الربيع العربي تحوّل إلى أسلوب للعلاج (سايكو- دراما وسوسيو- دراما) بفعل المشاهدة والمشاركة الحية، اقترب المؤدّون من الجمهور وخاطبوهم بلغتهم، هاملت لشكسبير أُدّيت في مخيم الزعتري على يد أطفال مهجرين. الأخوان ملص (سوريا) أدّيا مسرحية في السجن أثناء اعتقالهما، أمل عمران درّبت الأطفال السوريين لتقديم مسرحية بعنوان “أثر الفراشة”؛ المسرح أداة للعلاج، ترياق لتطهير المشاهد من معاناته عبر تحريره منها. المكان البديل أصبح هو الأقرب للواقع، الجميع خرج من العلبة الإيطالية، الممثل لم يعد يعتلي الخشبة -الركح- بل أصبح جزءا من الجمهور ومتفاعلا معه، طاقة سحرية لا بدّ أن تحكم الآداء المسرحي، يقول أرتو “الذي يذهب إلى المسرح ينبغي أن يعرف أنه مقبل على عملية حقيقية، يشترك فيها بروحه وجسده، كأنها عملية جراحية، وينبغي ألا ينصرف كما جاء”.


رسالة اليوم العالمي للمسرح


كتبها المسرحي بريت بيلي (جنوب أفريقيا) بعنوان (فلنبدّد بالمسرح الحدود التي تفرّق بيننا) يقول:

«أينما وجدت جماعة بشرية، فلسوف تتبدّى روح “العرض” الجامحة».

طاقة سحرية يمتلكها تتحرّر لدى من يرتديه

فتّحت الأشجار في صغريات القرى، بل وفي مسارح المدائن عالية التقنية، وفي قاعات المدارس، وفي الحقول والمعابد، في أحياء الفقراء وفي قصور المدن، وفي السراديب الداخلية وفي مراكز الأقليات، فإن الناس ينجذبون بعضهم إلى بعض متجمعين حول عوالم مسرحية نقيمها نحن لنعبّر عن تشابكاتنا الإنسانية، وعن تعدّدنا، عن جراحاتنا، عن أجسادنا الحية وأنفاسنا وأصواتنا.

نلتئم لننتحب ونتذكر، نضحك ونتألم، نتعلم ونقرّ ونتخيل، ننظر البراعة التقنية ونشخص عن الآلهة؛ لنلتقط نفسنا المشترك من قدرتنا على الجمال والشفقة والوحشية.

نأتي لنتزود بالطاقة لنستطيع أن نتمكن من الاحتفال بالثراء في مختلف ثقافاتنا، ولنبدّد الحدود التي تباعد بيننا.

أينما وجدت مجموعة من البشر، فإن روح العرض المسرحية سوف تظهر، تولدها الجماعة واضعة أقنعتها ولابسة أزياء بعدد تقاليدنا، بل وتواشج ما بين لغاتنا وإيقاعاتنا وإيماءاتنا، وتفسح لها مكانة بيننا. أما نحن، أهل المسرح الذين نعمل بهذه الروح الخالدة، فنشعر باضطرارنا لأن تسلك “الروح” عبر أفئدتنا حتى يمكن لأفكارنا وأجسادنا أن تفصح عن واقعنا في دنيويّته وفي لمعانه السديمي الغامض.

ولكن، في هذا العصر الذي تناضل فيه الملايين العديدة من البشر لأجل البقاء، وتعاني تحت نير أنظمة قمعية ورأسمالية ضارية، فإنها لتشعر بالصراعات والشدائد، وأن خصوصياتنا مخترقة بالوكالات السرية والاستخبارات، وأن كلماتنا تتمّ مراقبتها بواسطة حكومات متعسفة؛ بل إن الأحراش لتتمّ إبـــادتها، والأنواع تمحق، والبحار تسمّم؛ فمـــا الذي سنضطر نحن للكشف عنه؟

في هذا العالم غير متكافئ القوى، والذي تحاول فيه قوى بطش متعدّدة أن تقنعنا أن أمة واحدة، جنسا واحدا، نوعا واحدا، أو تفضيلا جنسيا، دينا واحدا، أيديولوجية واحدة، أو إطارا ثقافيا واحدا هو الأعلى والمعلّى على غيره؛ فهل هو دفاع الحق، ولا شيء غيره، أن نشدّد على أن الفنون لا يجب البتة أن تُفصم عن روابطها الاجتماعية؟

هل لنا نحن أهل فنون المسارح والحلبات، وفقا لمهامنا المطهرة من السوقية، ونحن الذين نقبض على القوى التي نمتلكها، هل لنا أن نفسح لنا مكانة في قلوب مجتمعاتنا وعقولها، لنجمع الناس حولنا، لنلهم ونسحر ونعلّم ونبدع عالما من الأمل، وتعاونا بمحبة فيما بيننا..؟!”

______________________

ترجمها من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية: د. يوسف عايدابي (السودان)

14