"اليوم العظيم" وثائقي يحقق أحلام الصغار ويحفّز الكبار

باسكال بليسون مخرج الفيلم الوثائقي “الطريق إلى المدرسة”، يعود من جديد ليوجه الكاميرا صوب أقصى العالم ليتتبع خطوات أربعة أطفال في لحظات مصيرية من حياتهم. سنة 2013 كان باسكال بليسون يصوّر العزيمة، الشجاعة والتعطش للمعرفة لدى أربعة أطفال في “الطريق إلى المدرسة”، وثائقي حقق نجاحا باهرا وحظي بإقبال 1.3 مليون فرنسي على صالات العرض. بعد سنتين من ذلك، ينقب نفس المخرج ليسبر موضوعاته في “اليوم العظيم”، ليركز الاهتمام على رباعي عالمي جديد في رحلة بحث عن النجاح الأكاديمي، المهني أو الرياضي.
الثلاثاء 2015/11/10
الصبر والجلد والمثابرة طريق للنجاح الأكيد

آلبير من كوبا، يتطلع ليصير ملاكما محترفا، ديدجي من منغوليا، تحلم بأن تصبح بطلة ألعاب بهلوانية، طوم الأوغندي، يتمنى أن يتخصص في حماية قردة الشمبانزي والهندية نيدهي تريد متابعة دراساتها العليا، هذا ما تتبّعه المخرج الفرنسي باسكال بليسون في شريطه الوثائقي الأخير “اليوم العظيم”.

“لقد تطلب الأمر مني عدة أشهر للعثور عليهم”، هذا ما صرح به السينمائي في حديث لـ”ميترونيوز” حيث أشار إلى أن “اللقاء الأول كان بالغ الأهمية: حريّ بنا ألاّ نباغتهم. إنهم ليسوا ممثلين بل أطفال حقيقيون يتوجب أخذهم ضمن مجموعة كاملة: الرفاق، الآباء، الوسط الاجتماعي.. تَوجّب بعدها أن نذوب وسط الديكور، أن نندمج في حياتهم كي نصير شفافين”.

والنتيجة كانت ساعات عالية الذروة وعشرين أسبوعا من المونتاج للحصول على الجملة، النظرة، الانطباع الذي سيكون مميزا بشكل خاص. بخصوص السيناريو والحوار يؤكد المخرج “لا شيء مكتوب أو تمّ التمرن عليه، إنها فقط لحظات حية تم التقاطها بشكل خاطف، أما الحوارات فنجريها في النهاية: إنهم يتحررون بشكل أفضل في التعبير عن أحاسيسهم”.

يبدو أن الطريقة أتت أكلها فهذا الفيلم المطول مؤثر بقدر ما هو تلقيني.

وعنه يقول بليسون “هؤلاء الصبية لديهم طاقة وعزيمة لا تصدق، في حين أن السياق الذي يترعرعون في خضمه ليس مواتيا البتة. لقد أعطوني دروسا في الحياة، أردت أن أمررها لأطفالنا الذين يفتقدون أحيانا للحماس ورباطة الجأش. آلبير، ديدجي، طوم ونيدهي هم أمثلة جيدة للتتبع”.

بلغ أمر استثمار المخرج لأهداف الشريط وشغف فريق الإنتاج بتحقيقها إلى الاستمرار بعد التصوير في البحث عن حلول لتحقيق أحلام هؤلاء الأطفال كما يبيّن بليسون ذلك: وجدنا لهم محسنين خواصّ يساعدونهم في تحقيق حلمهم ويدعمون عائلاتهم. “الطريق إلى المدرسة” و”اليوم العظيم” حوّلا حياة الأطفال، وكذلك حياتي.

جينيريك 'اليوم العظيم' يقدم لقطات معبرة دون حاجة لكلمات، حيث تتكلم تقاسيم الوجوه

دروس الحياة

عن الدوافع التي جعلته يركز اهتمامه على تلك العينة من الأطفال، صرح بليسون حين استضافه منشط برنامج “الضيف” بقناة “تي في 5” الفرنسية، أنها رغبة تحدوه منذ أن كان مراهقا جعلته يتوق إلى ملاقاة أولئك المراهقين الذين تحدوهم رغبة عارمة في الخروج من العوز، عن طريق خوض مغامرة تُحسم أطوارها في يوم واحد.

أما عن أبطال “الطريق إلى المدرسة” فقد أشار المخرج إلى أن فريق التصوير لا يزال يتتبع مسارهم، فبالنسبة للطفل جاكسون، ذلك الشاب الكيني الذي فتن الجميع، فهو يتابع دراسته في ثانوية بالقرب من نيروبي، أما الإخوة الهنود الثلاثة، فقد تم بناء منزل لهم وإنشاء طريق معبدة لمساعدتهم في حياتهم اليومية.. أما بالنسبة للإقبال على الفيلم فيبوح مخرجه بأنه لم يتصوّر أو حتى يحلم بالنجاح الذي حققه.

تُظهر لقطات فيلم “اليوم العظيم” نيدهي وهي تودع طردا بريديا في صندوق الرسائل، وتؤدّي دعاء خفيا وتحدث نفسها قائلة “أن ألتحق بهذا القسم التحضيري أمر مهم بالنسبة إليّ، هكذا سأكون مستقلة بنفسي بعدها”، ثم الطفل آلبير يلاكم كيسا وأبوه بجانبه يصيح بحماس “تحرك، هيا.. أتتوقع ولوج الأكاديمية بهذا المستوى؟ تريد أن تكبر، تريد أن تحصل على تعليم جيد، اشتغل بجد!”، يرفع الطفل الوتيرة ويستميت مع كل كلمة يسمعها.

يظهر بعدها الطفل الأوغندي بعد سلسلة من مشاهد الطبيعة العذراء الخلابة، داخل فصل يتحدث أمام لجنة “أريد أن أحصل على دبلوم في التدبير البيئي وحماية الحيوانات البرية”، ثم تظهر بعده الصبية ديدجي وهي تمطط جسدها وتلوي ظهرها برشاقة وبجانبها امرأة تقول “إن الحكام يرون كل شيء كما تعلمين.. لا تتوقعي هدية منهم وقت الاختبار، إذن عليك التركيز أكثر”.

تعود الكاميرا إلى الطفل الكوبي الذي يجلس على شاطئ البحر وبجانبه صديق في سنه يحدثه “انظر ما أروع هذا المنظر، إنها الجنة، هيا يا بطل سوف تبلغ المراد”. ثم تبرز الشابة الهندية وهي تمشي بخطوات حازمة، وبنظرة عميقة كلها عزم وأمل تحدث نفسها “سيجعل ذلك حياة الأسرة تتغير”، ثم بعدها الشاب الأوغندي يلوّح بساعديه وهو يكلم زملاءه في القسم “أنا متأكد أننا سنفعلها، سوف ننجح”.

بعد ذلك لقطات من اليوم الحاسم، تجتاز نيدهي الامتحان وهي جدّ خائفة، وفوق قارب صحبة والديها يقدّم لها أبوها دعما معنويا: “مجهوداتك سوف تُثمر، لا تقلقي بنيتي سوف تنجحين”.

رسالة بليسون أن الحياة تستوجب جهادا كبيرا

بجينيريك الفيلم لقطات جدّ معبرة دون حاجة لكلمات، حيث تتكلم فيها تقاسيم الوجوه وتعبر الأجسام عن الفرحة ونشوة الانتصار، يضرب الطفل الكوبي كيس التدريب الكبير بضربة وازنة تجعل الكيس ينفصل عن حبل التعليق، ويُقذف بعيدا على الأرض، الطفلة الهندية تبتسم وتضحك مع مجموعة من صديقاتها، والطفلة المنغولية تقف رأسا على عقب على يد واحدة وتحرّك ساقيها في حركات رشيقة عالية الدقة قبل أن يظهر العنوان العريض “اليوم العظيم”.

لكل واحد من أبطال “اليوم العظيم” خاصيات تميزه، فبالنسبة إلى الطفل الكوبي الذي يريد متابعة دراسته بمعهد احترافي للملاكمة يقول بليسون “عجيب هذا الطفل آلبير، لقد وجدته يلعب في بطولة مصغرة للملاكمة قرب هافانا وهو يلاكم، كان صديقه بجانبه يصيح بأعلى صوته ليشجعه معتبرا نفسه مدربه، لقد كان ذلك يشكل مسار تمرس الملاكم الصغير الذي سيخوض مقابلة مصيرية ستحدد مستقبله الدراسي والرياضي، وستخوّل له ولوج الأكاديمية الرياضية لهافانا”. أما عن ديدجي الهندية التي تريد ولوج الأقسام التحضيرية لمدرسة متعددة التقنيات، فهي تفني وقتها في التحضير للامتحان وهي من وسط فقير جدا. نعم فالهنود يقدرون الدراسة والعلم لدرجة الهوس، فهناك شاب هندي ابتكر فكرة “الثلاثون الممتازون” وهو قسم تحضيري تضامني تم تخصيصه من أجل الفئات المعوزة، حيث تجرى مباراة يُختار فيها الثلاثون من بين ألف، فإذا اجتازت هذه المباراة سوف يحتضنها الأستاذ الشاب الذي سيدربهم جميعا لمدة عشرة أشهر لولوج المعهد متعدد التقنيات.

أما الطفل الأوغندي الذي يحلم بأن يكون من الأطر البيئية، فقد قام برحلة حين كان في السابعة من عمره، داخل المحمية الوطنية لأوغندا، وقد أُعجب بالعمل الذي يقوم به الحراس حُماة البرية، فصمم أن يستثمر مستقبله المهني لحماية الحيوانات، وهو أيضا من فئة معوزة تعاني الأمرّين من أجل التعليم، سيدرس سنتين وإن نجح بعدها سيحصل على دبلوم يؤهله للتخصص الذي يتمناه.

أخيرا بالنسبة إلى ديدجي المنغولية التي تريد ولوج مدرسة للسرك، فسيكون الأمر عسيرا جدا لصعوبة تلك الرياضة التي تتطلب تمرينا قاسيا طوال الوقت، لكنها هي التي اختارت ذلك الميول، ولديها ما يكفي من الإصرار وقوة العزيمة لتحقيق حلمها باللعب في أكبر حلبات السرك العالمية الصينية والروسية، تماما كما يحلم أغلب الأطفال بأن يصبحوا لاعبي كرة قدم عالميين، وعليها لبلوغ ذلك القيام باستعراض عالي الدقة أمام لجنة تحكيم متشددة لا تفوّت أصغر الهفوات.

أمل ورسالة

“اليوم العظيم” شريط يحمل الكثير من التشويق ويمنح الأمل في النهاية عبر هؤلاء الأطفال الذين سيحققون حلمهم بفضل قوة الإرادة، ليس حلمهم فقط، بل أيضا أحلام والديهم ليكونوا فخورين بأولادهم. إن والديهم أميون لم يتلقوا تعليما ويطمحون إلى تحقيق أحلامهم عبر أبنائهم، ويعلقون كل آمالهم في نجاح أبنائهم كتعويض عن فشلهم.

يقول المخرج الفرنسي “الفيلم كان أيضا نوعا من التحدّي فقد صُرفت الأموال واستغرق التصوير عشرات الساعات، وكانت المراهنة على هؤلاء الأطفال في حين أن النتيجة لم تكن مضمونة، حيث لم يكن أحد يعرف إلى أين ستؤول الأمور، ولا كيف ستكون النتيجة عند يوم الحسم”.

ويواصل بليسون “لقد عشنا كل ذلك التشويق معهم وتلك الفترات المثيرة، وحتى آخر لحظة لم نكن نعرف من سينجح ومن سيخفق. وبالتالي عشنا نحن أيضا لحظات عالية الحماسة”.

هي رسالة ودّ باسكال بليسون أن يبلغها إلى المشاهدين عبر مصير هؤلاء الأطفال، إذ يقول “أردت أن أبرز أن الحياة تستوجب جهادا كبيرا، تحديات وتغلبا على الذات، كما يجب أن نؤمن بأحلامنا، نؤمن بالعمل وبقدرتنا على بلوغها حتى النهاية.

صحيح أنه في بعض الفترات يتطلب الأمر ضربات على المؤخرة بالنسبة للأطفال لإعطائهم الشحنة الكافية، خاصة في حالة هؤلاء الأطفال فإنه لن تمنح لهم الحياة فرصة ثانية للأسف”.

من يتتبع هذا الفيلم سينسى وجود كاميرا وراء تلك المشاهد لكثرة انغماسها الشديد في واقع أولئك الصبية، ففريق التصوير المكوّن من ثمانية أشخاص يقول المخرج إنه عاش وسط العائلات لمدة وتأقلم مع محيطهم فترة طويلة، حتى صار شفافا قبل البدء في التقاط المشاهد، مع الإشارة إلى أن هؤلاء الأطفال هم حقيقيون وخطاباتهم كذلك، فلا وجود لحوار مكتوب البتة، إنها تعابيرهم العفوية.

16