اليوم الوطني للسينما بالمغرب بين مثالية النموذج ومخاوف الحاضر

ما اليوم الوطني؟ إنه يوم يؤرخ لحدث راسخ أو ذكرى هامّة في المسار التاريخي لشعب من الشعوب أو أمة من الأمم، إذ يتم استحضار ذكراه لاستشراف المستقبل والانصراف نحو الأمام، دون خضوع للمزايدة أو الاحتكار من قبل جهة معينة تحت أيّ مبرر باعتباره ملكا للجميع، ومحفزا على التحلي بالقيم الإنسانية والوطنية العليا، ويعدّ لحظة مستقطعة من الزمن المتواتر لتحقيق التسامي كقيمة إنسانية رفيعة. فبأي معنى يتم تخصيص يوم وطني للسينما؟ هل يمكن أن يرقى إلى مستوى الاحتفاء الوطني؟ هل تعيش السينما أزمة؟ كيف يمكن توظيف القيم التي من شأنها أن تحقق ما تطمح إليه الأيام الوطنية الأخرى؟
الثلاثاء 2015/11/17
حظ السينما المغربية في التوزيع يتضاءل تدريجيا

يكاد ينفرد الحقل السينمائي المغربي، دون سواه من دول العَالم، وبقية الأمصار العربية الإسلامية بما يسمى اليوم الوطني للسينما، فقد انطلق بإيعاز من الغرف المهنية للارتقاء بالمهن السينمائية، وتحسين ظروف محترفيها، وجعل الفن السابع مدخلا للتنمية، وتربية الذوق السليم، ومناقشة قضايا الناس الملحة.

وهي بادرة نبيلة في عمقها، ولا غبار على صدق نوايا الذين نادوا وآمنوا بها، وناضلوا من أجلها لكي تتحقق على أرض الواقع. إنها تجربة فريدة أنضجت الوعي المهني بالسينما، وأسهمت في استجابة الدولة لمطالب المهنيين حتى تصير السينما مدعومة على مستويات شتى.

ونحن نستحضر المغزى من هذا اليوم نلاحظ أن الفنون الأخرى في وضعية صعبة بالنظر إلى الظروف التي تُمَارَسُ فيها، وضآلة الفرص المتاحة أمام محترفيها، ولا يوم وطنيا لها باستثناء الأيام العالمية التي لا تخلف إلاّ احتفاءات رمزية من لدن الملسوعين والمولعين بهذه الفنون، مما يجعلها محدودة التأثير بحكم عشوائيتها أو الطابع الرسمي لبعضها.

ترى هل السينما فن جماهيري في المغرب؟ للإجابة عن ذلك بالإيجاب، تكذبنا الحقائق الإحصائية، فعدد قاعات العرض يتضاءل، والمداخيل تتراجع، والمنتوج الوطني مستهجن، والفيلم الأجنبي في قِمَّة هَرَمِ المداخيل، أما إن سألنا الأُسَر، فنجد أن استهلاك المنتوجات التلفزيونية بشتى أنواعها هو الطاغي مع التعاطي مع الأفلام المقرصنة، وتسجيل خلط كبير على مستوى تصنيف ما هو تلفزيوني وسينمائي.

الاحتفاء أتى باهتا مفوتا الفرصة على السينمائيين للتعبير عن استيائهم جراء التعقيدات التي تطال القطاع

مرارة وحلاوة

إننا أمام لحظة يصبح فيها معنى اليوم الوطني للسينما ذا حمولات كثيفة، فهو اليوم الذي يأتي بطعم مزدوج: طعم المرارة الذي يجعل وظيفة السينما في بلادنا المغرب ملتبسة، فغالبية الناس لا يفهمون لغة الصورة رغم استهلاكهم الكبير لها، وطعم الحلاوة لأن ما تحقق أحسن مما كان، ولا ينكر ذلك إلاّ جاحد، فكيف يمكن استغلال فرصة هذا اليوم الاستثنائي لتجاوز الأزمات والمشاكل؟

انطلقت الشرارة الأولى لهذا اليوم منذ أواخر تسعينات القرن المـاضي (1997)، والذي جرى الاحتفال به خلال السنوات الأخيرة في السادس عشر من أكتوبر بشكل منتظم تقريبا، إلاّ أن اليوم قد تَمَّ تغييره هذا العام إلى الحادي والعشرين من أكتوبر الماضي، مما أثار حفيظة بعض الجهات التي ارتأت، أيضا، أن الاحتفاء كان باهتا في ظل تفويت الفرصة على السينمــائيين للتعبير عن استيائهم جراء التعقيدات المتعلقة بالحصول على رخص التصوير، والتأخر الحاصل في صرف دفعات الدعم لإنتاج الأفلام، والتضييق على الحريات، وغيرها من المشاكل القِطَاعِيَّة.

كان الاحتفاء هذه السنة شكليا وباهتا، فقد استدعي المهنيون وبعض المهتمين على عجل للاستماع إلى الخطب الرسمية وارتشاف الشاي بعد أن كان اليوم في ما مضى فرصة سانحة لفتح ورشات النقاش التي أثمرت المكتسبات السابقة، والتي أصبح البعض متوجسا وخائفا من إفراغ كل شيء من محتواه.

وما الطريقة العجلى التي دُبِّرَ بها أمر هذا اليوم إلاّ دليل ساطع على ما يَدَّعُون، فبعد أن كان المهنيون يتطارحون أمور الشأن السينمائي بطريقة أفقية ها هم اليوم مجرد كومبارس، وبعد أن كان النقاش في هذا اليوم كاشفا لما وصل إليه المغرب من خطوات على مستوى الديمقراطية في الحوار والمناظرة، ها نحن أمام الخطاب الواحد.

الشرارة الأولى لهذا اليوم انطلقت منذ أواخر تسعينات القرن المـاضي (1997)، والذي جرى الاحتفال به خلال السنوات الأخيرة في السادس عشر من أكتوبر بشكل منتظم تقريبا

إستراتيجيا منقوصة

يمكن أن يكون هذا اليوم لحظة لتصريف إستراتيجيا فاعلة للتحسيس بقيمة السينما بالشراكة مع قطاعات التعليم والصحة والفلاحة والخارجية والداخلية والشؤون الدينية والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني المعنية، كُلٌّ من زاويته، للتحسيس بأهمية الصورة عامة، والسينما خاصة، في حياتنا الراهنة، وقدرتها على صناعتها للرأي، والتأثير في أساليب التنشئة الاجتماعية، وإكساب الفرد القدرة على التفاعل السليم عند تمرير الخطابات العنيفة، وذلك بغية التعاطي الإيجابي للسينما وفق منظومة تربوية وفنية تحمي القاصرين، وترقى بالذوق الفردي والجماعي، وتنمي ملكة النقد التي تحفظ العقول من التلاعب والحشو.

حينما نسمع باليوم الوطني للسينما المستقلة فإن جمعيات مشاهدي السينما في فرنسا، مثلا، هي التي تنظمها قصد الدفاع عن قاعات العرض المستقلة وصالات القرب، ويتجلى المرمى في التعريف بالسينما غير الميركنتيلية، ودعم التعدد الثقافي، وتعزيز مكانة السينمائيين المؤلفين والمبدعين، فضلا عن دعم فضائل الشك والفضول المعرفي، وتنمية الحس الاستكشافي، وبناء الخيال ضد تنميط الفكر عبر العولمة التي تراهن على اكتساح العقل والوجدان عبر الصورة.

السينما المغربية تنفرد بمسار خاص نَحَتته ثلة من السينمائيين الذين دفعت مقترحاتهم البناءة إلى جعل الفن السابع محركا أساسيا للتنمية

يسعى هذا اليوم إلى حماية القاعات الصغيرة وجمعيات عشاق الفن السابع من الخطر الذي يتهددها جراء الارتفاع المهول للمركبات السينمائية والشركات الكبرى للإنتاج والتوزيع التي تتحكم في دواليبه وتراقبه، ومن ثمة فتح فضاءات جديدة للنقاش العمومي الذي قوضه أولئك المحتكرون.

ولتوضيح ما أشرنا إليه، فإن عرض فيلم “حرب النجوم السابعة: صحوة القوة” في نسخته الأخيرة التي وَقَّعَهَا المخرج الأميركي جيفري جاكوب أبرامز قد دام ثلاثة أشهر، وطُبِعت منه قرابة ألف نسخة في فرنسا لوحدها كما تجاوزت منتجاته الموازية خمسة مليارات من الدولارات، بينما لم يتجاوز عدد نسخ فيلم “كابوس داروين” (2004) للمخرج النمساوي إيبير سوبير سوى تسع وعشرين نسخة، وهو الفيلم الوثائقي الذي تميز بحسه الاقتفائي الواضح، وبأسلوبه الفني المائز، وبموضوعه الحساس.

وبما أن بعض الأفلام المغربية لا يتجاوز بقاؤها في القاعات السينمائية الأسبوع أو الأسبوعين، فإن التفكير في مصيرها يمكن أن يمرّ عبر نقاشات المهنيين أثناء اليوم الوطني، وهي السينما التي يزاحمها الفيلم الأميركي والهندي والفرنسي، ولا تهتمّ ببعضها إلاّ قاعة الفن السابع التابعة للدولة بالعاصمة المغربية الرباط، والتي ينتظر بعض المنتجين والمخرجين مدة زمنية طويلة لبرمجة عرض أفلامهم بها نتيجة عدم قبولها من أي موزع.

يحدث هذا والسينما المغربية تنفرد بمسار خاص نَحَتته ثلة من السينمائيين الذين دفعت مقترحاتهم البناءة، كالمناظرة الوطنية للسينما واليوم الوطني للسينما والكتاب الأبيض نحو الدفع بجعل الفن السابع محركا أساسيا للتنمية والفعل الثقافي بالبلاد.

16