اليوم بنات الأنبار وغدا بنات الموصل نازحات

الجمعة 2015/05/01

ماذا يمكن أن يكون مؤثرا أكثر من سيدة أنبارية تنصب أوتاد خيمتها في أبو غريب؟ يداها قويتان، من الواضح أنها أرملة معتادة على القيام بالأعمال الشاقة بنفسها. وجهها إلى الأرض، فكبرياؤها أعظم من الكاميرات. عربية أصيلة ابنة المحاربين في الصحراء البعيدة، ليس غريبا على أسلافها الكرام ضرب الخيم في الأرض للسكن وللضيوف، وإشعال النار لإقرائهم. سيدة ملفعة بالسواد، بثوب محتشم، كقديسة من قديسات الأساطير. من هذه السواعد، وهذه القامة الأبية، وهذه الرحم خرج شجعان العراق. من هذه الانحناءة على الأرض بقوة الوتد، ستحبل هذه الأم الأنبارية بكرامة الصحراء، وتنجب الموت بترسه ورمحه وبأسه. من طلقة عربية بهذا الحجم سيتدفق الخراب في كل مكان ببغداد. من هذه الخيمة العراقية التي تضرب خيمة أخرى بالأرض ستنهار القصور والأضرحة الذهبية، حتى يصبح العبد حاسرا تحت سماء حمراء.

هذا اليوم مقتل ثمانية نازحين أنباريين على أيدي الميليشيات حسب أحد شيوخ البو نمر، إضافة إلى تعرض 25 دارا من دور النازحين لقنابل صوتية وتهديدات بالقتل إن لم يغادروا خلال 24 ساعة.

وفي مقابلة مع رئيس بعثة منظمة “أطباء بلا حدود” في العراق، فابيو فيرجيوني، قال فيها إن “العائلات الفقيرة مشت لأيام، وقد وصلت اليوم إلى أبو غريب، غرب بغداد، وهي بأمسّ الحاجة إلى المساعدة، وخاصة الأطفال”.

بينما أتصفح بيانات تتحدث عن منع استقبال أهل الأنبار في بعض أحياء بغداد، قفزت ذاكرتي إلى حرب المدن على البصرة سنة 1986، حين صار صدام حسين يقصف قم وطهران، والخميني بالمقابل يقصف البصرة. أقاربي هاجروا من البصرة بسبب القصف، نصف نحو النجف، ونصف آخر نحو الأنبار.

الذين ذهبوا إلى النجف يقولون أغراضنا بالشاحنة والصبيان يقولون “ها ولكم وين؟ يا دجالين”، وفي السوق والمخبز كل يوم حادثة ضرب لأحد شباب البصرة، المدينة لا تحب الغرباء. النصف الثاني الذي ذهب إلى الأنبار يقولون إنهم لم يدفعوا إيجارات، ولم يطبخوا لعشرة أيام: يأتيهم طعامهم كل يوم، وكل أسبوع يزورهم شيخ العشيرة مع المختار مع رجل دين يشربون الشاي، ويسألونهم هل اعتدى عليهم أحد ولو بكلمة، وإن كانوا بحاجة إلى شيء. أي عار هذا لو كان في الميليشيات التي تقتل النازح الأنباري اليوم شاب (شيعي) من البصرة؟ لا يعرف هذا الصبي أي كرام يقتل بكل تأكيد.

بنات الأنبار مستهدفات بالذات لأن نمط حياتهن المحافظ، وكبرياءهن العربي لا يسمح بانتشار الثقافة الصفوية، فالهدف تبشيري ديني محض. النازح الأنباري تكون حصته الذل حتى يفيء إلى التشيّع مع الزمن. لماذا يعطي السيستاني فتوى للجهاد؟ أليس للتبشير المذهبي؟ فلو كان لا يريد نشر المذهب لفعل مثل الدروز بسوريا، يحمون مناطقهم فقط، ولا يغيّرون على معاقل الجهاديين. السيستاني بالحشد الشعبي يريد وصول المذهب حيث يسقط المجاهدون الشيعة. الذل والهزيمة وتخلي العرب عنهم ستطبخ رؤوس الأنباريين اليابسة مع الوقت. هذا مشروع قديم في العراق، يقول أحد مثقفي بغداد في التسعينات من القرن الماضي، كان بعض الشيعة يهدون أصدقاءهم السنة كتب التيجاني (ثم اهتديت وغيره) حتى هو أعطوه كتابين للتيجاني. يقول أخبرت أحد أصدقائي بالكتابين ومدى الكذب فيهما، فأجابني أنه أيضا أعطوه كتابا للتيجاني وكتاب المراجعات لعبدالحسين شرف الدين، كتب تبشيرية توزع مجانا.

ما معنى أن يكون الشيعة اليوم هم الدولة وهم المعارضة، معناه أن السنة ليسوا جزءا من الشعب، مثل الشعب الروماني في التاريخ القديم، الذي كان يتمتع فيه المواطن بحقوق القانون الإمبراطوري والباقي عبيد وعمال وخدم.

هذه هي سياسة الدولة الطائفية العراقية التي تنقسم إلى رأيين لا ثالث لهما، الأول يطالب بدولة شيعية تبيد السنة، والثاني يطالب بدولة شيعية طيّبة تتسامح وتتكرم وترفق بهم. هذا باختصار هو ملخص الجدل الإعلامي العراقي اليوم.

رجل من بيت الكربولي زار النازحين يقول؛ ابن الأنبار لا يحتاج إلى الطعام والدواء بل إلى كرامة، هؤلاء الناس أهل كبرياء عجيب، حتى في المخيّمات لا يتزاحمون على المساعدات، لا هم ولا نساؤهم ولا أطفالهم، يجلسون في أماكنهم كملوك مخلوعين، وتأتيهم حصتهم بصمت مرير. مراسل لإحدى الفضائيات دار على خيم النازحين في بغداد، يقول أهل الأنبار يعيشون في الخيم، والذي يعيش بهذا المكان يحتاج إلى كل شيء، إلا أنهم جميعا حتى أطفالهم يجيبون بكلمة واحدة “الحمد لله وكلشي ما محتاجين”. عزة النفس هذه بالنسبة إلى الإعلامي أمر عجيب وصدمة.

أهل الأنبار، كأهل الموصل، تم احتجازهم بين ناريْ التطرف والصفويين، ولا يعرفون تماما إلى أين يتجهون، السنة وضعوا ثقتهم بالعروبة، فقال لهم الشيعة نحن عندنا ائتلاف طائفي واحد مع إيران. وضعوا ثقتهم بالإسلام، فقفز على رقبتهم الحزب الإسلامي الإخواني وباعهم بالدينار والدرهم. وضعوا ثقتهم بالعشائر، فاشترت إيران نصف شيوخ العشائر وصاروا صحوات. وضعوا ثقتهم بالمثقفين، فباعهم المثقفون بأجور أول لقاء على فضائية أو صحيفة.

في هذه الحالة من الطبيعي ألا يثقوا بأحد، ويصبحوا فريسة للتطرف. تقول سيدة عراقية؛ الصحوات التي حاربت القاعدة في 2006 كانت تستحق فعلا هذه التسمية. للأسف الذين انضموا للإرهاب فيما بعد تم دفعهم دفعا من قبل الصفويين، لقد أُغلقت كل الأبواب ولم يتبق إلا طريقان: إما تسليم أمرهم وانتظار دورهم ليكونوا الضحية التالية، أو الانتقام حتى وإن كان ذلك بتدمير الذات.

رجل من الموصل، أيضا، يقول بأن الطائفية هي سبب شعبية الإرهاب، وقد ضرب لي مثلا يقول: جندي صفوي ضرب سيدة موصلية بحي الزهور حلاق (ركلة على مؤخرتها) أمامي، لم يستطع أحد الاحتجاج ساعتها، حي الزهور وسط مدينة الموصل يسكنه المتمدنون الأقل شراسة. جاء الإرهابيون عند الغروب على دموع الأب الجريح، وكتموا أنفاس هذا الجندي، لتفيق الفتاة الذليلة على جثة المعتدي. يقول الرجل بهذه الطريقة تصاعدت شعبية المتطرفين لدى الناس.

لقد كتبنا بأن الهدف هو بنات الأنبار، الأسوار العالية لبيوت الموصل والأنبار بسبب التقاليد المحافظة، تجعلها منغلقة على بناتها ذوات الخدور. أسواق الموصل والرمادي والفلوجة التي ليس فيها بائعات خضار، ولا بائعات هوى. هذه الأسواق يريد الصفويون ملأها ببناتها العاملات بالترمل، واعتقال الزوج وإذلال الأب.

وربما لن يطول الزمن حتى نرى بنات الأنبار الممنعات خادمات في بيوت أباطرة النجف. الأنباريات ذوات العيون البراقة، المخدرات والمحمولات على الأكتاف، أكباد القبائل العربية التي تمشي على الأرض، هنَّ الآن في العاصفة.

بأبي الشموس الجانحاتُ غواربا

اللابساتُ من الحرير جلاببا

أبو الطيب المتنبي

كاتب عراقي

9